جارالله الحميد
03-01-2005, 05:45 AM
من الكتابة على جراح حارة قديمة
الكتابة شيء من السحر والتعاويذ ، قال هذا شــاعر فرنسي مهم . والحقيقة أنه لم يتجن . هنالك من يكتبون الى
حد الجنون ، أحاول أن أقرأ لهم . فلا أستطيع . وهنالك آخرون أستمتع بقراءة قصصهم عن أنفسهم . لا يهمني
ماذا يكتبون ! المهم أن : يكتبوا ! من هنا ندرك صعوبة الكتــــابة . وهي صعوبة من النوع الذي لا يحل بشحن النفس واتخاذ القرار الحاسم ( سأكتب يعتي سأكتب ) ! لا . الكتابة مثل فجر ملتبس ، ما تكاد تفرح بفضته وتتهيأ للتشرد في فجره ممتطيا عربتك نحو الحارات المهجورة وملاعبك التي صارت مسورة وخالية إلا من قطط
غبية كان يمكنها أن تقطن شوارع البوفيهات ومطاعم الـرز البخاري . وأناجي بيت صديق رحل . حتى يفاجئني
شعور بأنني مللت الوجود من أصله . لهذا أعود لأكتب . أكتب لأننـــي لا أريد من أحد أن يقول إنني لا أتكلم !!
أكره الوقوف في الظل . والمتاح . والسائد . وأهرب من القاعات . والمكتبات . وأحلم بأن الذي أكتبه هو نضجي
الذي أنشوي بناره . مثلما أحلم بقارىء يؤكد لي هذا .
الكتابة هي المعادل الموضوعي للعيش . مع أنني أحاول قدر استطاعتي الحفاظ على صداقاتي القديمة ومع أن
أصدقائي الجميلين يلتقون ليليا في بيتي . إلا أن ثمة شــعورا بالوحدة من دون لوحة مفاتيح . وورق . وفيلــــــــم
أطارده منذ المساء . فالسينما أيضا متعتي التي لا أعتذر عنها . ولا أقبل النصائح بشأنها . وتدهور مدى نظري
من النظر الطويل فلم أراجع طبيبا لكي لا يقول لي ( خذ لك راحة بين فترة وأخرى ) !
أنا أفتخــر بأن عيوني مجهدة . وأن أصابعي مجهدة . وأن جلستي غير الصحية أمام شاشة الكمبيوتر أو التلفزيون تكلفني عناء حقنة فولتارين أشتريها منذ أول باب صيدلية يفتح .
فمن يحاول أن ينسيني الكتابة ؟!
من هو الرجل المتنكـر الذي يزورني في الحلم قائلا :
ــــ لقد أوصاني أبوك لك ، أن لا تكتب ! فهو حتى الآن . وهو في جوار ربه يخشى عليك من لغتك . أرجوك دعني
أقول له انك وعدتني خيرا .
فيصير فمي يابسا كصخرة وقلبي راجفا كطير مطارد ورأسي تدور فيه طاحونة قمح قديمة وأحاول أن أصرخ
( لا .. لا تقل له إني أعده ! ) وبعد معاناة مريرة مع الكابوس يخرج صوتي وإذا أنني لا أرى سوى حيطان غرفتي
حيث علقت قصائد وصورا ولوحات لأصدقاء مهاجرين . وأدرك أنه سيرسل لي مرة أخرى . وكل من قلبلته يسألني
ماذا تكتب الآن . فأقول :
ــ لا شـــيء !
نعم . أكتب حتى تتشنج أصابعي . لكنني لم أكتب ما أريد أن أكتبه بعد . هنالك براكين بيني وبينها رهان : إما
أن أخمدها على أوراقي ، أو تحرق أصابعي حتى تحولها الى ما يشبه بقايا شموع ساحت طوال الليل . أكتب ضد الشقاء . وضد القبح . وضد الليل . وضد القلق . وضد التشوه . وضد الكذب . وضد التزييف . وضد المرض . وضد
البنوك . وضد المخافر . وضد الرجال الجوف . وأرتاح حينها . وأقوم مغنيا لأصنع ابريقا آخر من الشاي . وأكتب من أجل سيدة مرت ومنحتني بعض عطر غريب . أو أنثى ترددت وهي تريد أن تحدثني . من أجل أعشاب يقصها
عامل البلدية . وامرأة تعرج ذاهبة للدكان لتتدين فطورا لأولادها الأربعة الذين لا يعملون . ومن أجل بنت عاشقــــة
ليس لديها صفر في هاتف أهلها وهي تنتظر الصباح لترتاد آفاق الإنترنت . ومن أجل غريب سألني ذات ظهيرة إن كنت أملك خمسة ريالات لكي يفطر بها ! ويبعد عيونه عني وأنا أدس يدي في جيبي وعيناي تتهيآن لدمعـــة
رجل مطعون . ومن أجل سجين نسيته المدينة والطرقات والليالي التي كان يحيا بها طربا وأنسا . ومن أجل رجل
مفصول من عمله لتأخره المتكرر . ومن أجل مواطن هندي مرت عليه سنة لم يرسل لأهله قرشا واحدا . وخادمـــة
فرت من الضيق فأرغمت على البقاء بدار المسنين . ومن أجل عجوز يكفي أبناءه عناء شراء خبز الصباح . ومن أجل شاعر هجرته حبيبته فمات حيا !
هل هذه كتابة ؟! أعلم أنها هي الكتابة . لن أكتب عن الجمال والجميلات موضع سوء ظن أشباه الرجال يمنعون
عنهن التليفون . ولا عن الأنجاز والمنجزون يتلقون باقات الزهور البلاستيكية في حفلات صغيرة . وهم أحوج الى
ورقة زرقاء يشترون بها قميصا لبنتهم . وأحدهم ينتظرها لتتمكن صغيرته من حشو ضرسها الذي يسبب لها الأرق
ولكنه يدعي الفرح بزهور البلاستيك ويذهب الى ردهة مهجورة ليهجو العالم بدمعة طاهرة يعرفها الله !
ومن أجل صديقتي الجديدة سهرت أياما أحاول أن أكتب عنها مالا يستطيع غيري كتابته ! وإلا فلماذا أكتب لها
مثل الآخــرين ؟ هل هذه كتابة ؟ أسألكم فأنا في غمرة من الشغف بالحياة المتعبة والحارات الفقيرة والسكان
الصامتين حزنا . والناس الذين قطعت عنهم الكهرباء . وسائقي التاكسي الذين يدورون فلا يجدون من يؤشر لهم .
والباعة الذين يحلمون بزبون يشتري علبة طحينية . ومن أجلي . من أجل أن أظل أنيقا . وأظل أمشي متطاولا بخيلاء رغم انكساراتي . من أجل أن يعرف الآخرون أنني لازلت حيا رغم الخوف . وحيا رغم الحقد . وحيا رغـــم
التشويه . ومحبوبا من النساء اللائي يعجزن عن غض البصر عندما أمر بكبرياء خجول . ومن أجل أن أنام وأنا احمل نفس اسمي الذي احتفل به أبي . لا أغيره . من أجل أن يظل مغتبطا وهو .. هناك ! بعيدا ... هناك .
ومن أجلك أنت هذا هو الصباح يشاغب شبابيكي . وأظل أكتب
الكتابة شيء من السحر والتعاويذ ، قال هذا شــاعر فرنسي مهم . والحقيقة أنه لم يتجن . هنالك من يكتبون الى
حد الجنون ، أحاول أن أقرأ لهم . فلا أستطيع . وهنالك آخرون أستمتع بقراءة قصصهم عن أنفسهم . لا يهمني
ماذا يكتبون ! المهم أن : يكتبوا ! من هنا ندرك صعوبة الكتــــابة . وهي صعوبة من النوع الذي لا يحل بشحن النفس واتخاذ القرار الحاسم ( سأكتب يعتي سأكتب ) ! لا . الكتابة مثل فجر ملتبس ، ما تكاد تفرح بفضته وتتهيأ للتشرد في فجره ممتطيا عربتك نحو الحارات المهجورة وملاعبك التي صارت مسورة وخالية إلا من قطط
غبية كان يمكنها أن تقطن شوارع البوفيهات ومطاعم الـرز البخاري . وأناجي بيت صديق رحل . حتى يفاجئني
شعور بأنني مللت الوجود من أصله . لهذا أعود لأكتب . أكتب لأننـــي لا أريد من أحد أن يقول إنني لا أتكلم !!
أكره الوقوف في الظل . والمتاح . والسائد . وأهرب من القاعات . والمكتبات . وأحلم بأن الذي أكتبه هو نضجي
الذي أنشوي بناره . مثلما أحلم بقارىء يؤكد لي هذا .
الكتابة هي المعادل الموضوعي للعيش . مع أنني أحاول قدر استطاعتي الحفاظ على صداقاتي القديمة ومع أن
أصدقائي الجميلين يلتقون ليليا في بيتي . إلا أن ثمة شــعورا بالوحدة من دون لوحة مفاتيح . وورق . وفيلــــــــم
أطارده منذ المساء . فالسينما أيضا متعتي التي لا أعتذر عنها . ولا أقبل النصائح بشأنها . وتدهور مدى نظري
من النظر الطويل فلم أراجع طبيبا لكي لا يقول لي ( خذ لك راحة بين فترة وأخرى ) !
أنا أفتخــر بأن عيوني مجهدة . وأن أصابعي مجهدة . وأن جلستي غير الصحية أمام شاشة الكمبيوتر أو التلفزيون تكلفني عناء حقنة فولتارين أشتريها منذ أول باب صيدلية يفتح .
فمن يحاول أن ينسيني الكتابة ؟!
من هو الرجل المتنكـر الذي يزورني في الحلم قائلا :
ــــ لقد أوصاني أبوك لك ، أن لا تكتب ! فهو حتى الآن . وهو في جوار ربه يخشى عليك من لغتك . أرجوك دعني
أقول له انك وعدتني خيرا .
فيصير فمي يابسا كصخرة وقلبي راجفا كطير مطارد ورأسي تدور فيه طاحونة قمح قديمة وأحاول أن أصرخ
( لا .. لا تقل له إني أعده ! ) وبعد معاناة مريرة مع الكابوس يخرج صوتي وإذا أنني لا أرى سوى حيطان غرفتي
حيث علقت قصائد وصورا ولوحات لأصدقاء مهاجرين . وأدرك أنه سيرسل لي مرة أخرى . وكل من قلبلته يسألني
ماذا تكتب الآن . فأقول :
ــ لا شـــيء !
نعم . أكتب حتى تتشنج أصابعي . لكنني لم أكتب ما أريد أن أكتبه بعد . هنالك براكين بيني وبينها رهان : إما
أن أخمدها على أوراقي ، أو تحرق أصابعي حتى تحولها الى ما يشبه بقايا شموع ساحت طوال الليل . أكتب ضد الشقاء . وضد القبح . وضد الليل . وضد القلق . وضد التشوه . وضد الكذب . وضد التزييف . وضد المرض . وضد
البنوك . وضد المخافر . وضد الرجال الجوف . وأرتاح حينها . وأقوم مغنيا لأصنع ابريقا آخر من الشاي . وأكتب من أجل سيدة مرت ومنحتني بعض عطر غريب . أو أنثى ترددت وهي تريد أن تحدثني . من أجل أعشاب يقصها
عامل البلدية . وامرأة تعرج ذاهبة للدكان لتتدين فطورا لأولادها الأربعة الذين لا يعملون . ومن أجل بنت عاشقــــة
ليس لديها صفر في هاتف أهلها وهي تنتظر الصباح لترتاد آفاق الإنترنت . ومن أجل غريب سألني ذات ظهيرة إن كنت أملك خمسة ريالات لكي يفطر بها ! ويبعد عيونه عني وأنا أدس يدي في جيبي وعيناي تتهيآن لدمعـــة
رجل مطعون . ومن أجل سجين نسيته المدينة والطرقات والليالي التي كان يحيا بها طربا وأنسا . ومن أجل رجل
مفصول من عمله لتأخره المتكرر . ومن أجل مواطن هندي مرت عليه سنة لم يرسل لأهله قرشا واحدا . وخادمـــة
فرت من الضيق فأرغمت على البقاء بدار المسنين . ومن أجل عجوز يكفي أبناءه عناء شراء خبز الصباح . ومن أجل شاعر هجرته حبيبته فمات حيا !
هل هذه كتابة ؟! أعلم أنها هي الكتابة . لن أكتب عن الجمال والجميلات موضع سوء ظن أشباه الرجال يمنعون
عنهن التليفون . ولا عن الأنجاز والمنجزون يتلقون باقات الزهور البلاستيكية في حفلات صغيرة . وهم أحوج الى
ورقة زرقاء يشترون بها قميصا لبنتهم . وأحدهم ينتظرها لتتمكن صغيرته من حشو ضرسها الذي يسبب لها الأرق
ولكنه يدعي الفرح بزهور البلاستيك ويذهب الى ردهة مهجورة ليهجو العالم بدمعة طاهرة يعرفها الله !
ومن أجل صديقتي الجديدة سهرت أياما أحاول أن أكتب عنها مالا يستطيع غيري كتابته ! وإلا فلماذا أكتب لها
مثل الآخــرين ؟ هل هذه كتابة ؟ أسألكم فأنا في غمرة من الشغف بالحياة المتعبة والحارات الفقيرة والسكان
الصامتين حزنا . والناس الذين قطعت عنهم الكهرباء . وسائقي التاكسي الذين يدورون فلا يجدون من يؤشر لهم .
والباعة الذين يحلمون بزبون يشتري علبة طحينية . ومن أجلي . من أجل أن أظل أنيقا . وأظل أمشي متطاولا بخيلاء رغم انكساراتي . من أجل أن يعرف الآخرون أنني لازلت حيا رغم الخوف . وحيا رغم الحقد . وحيا رغـــم
التشويه . ومحبوبا من النساء اللائي يعجزن عن غض البصر عندما أمر بكبرياء خجول . ومن أجل أن أنام وأنا احمل نفس اسمي الذي احتفل به أبي . لا أغيره . من أجل أن يظل مغتبطا وهو .. هناك ! بعيدا ... هناك .
ومن أجلك أنت هذا هو الصباح يشاغب شبابيكي . وأظل أكتب