المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : قوادح عقدية في بردة البوصيري


حمد السبر
03-11-2008, 12:05 AM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته


د . عبد العزيز محمد آل عبد اللطيف


الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، وبعد :

فإن ميميه البوصيري - المعروفة بالبردة - من أشهر المدائح النبوية وأكثرها ذيوعاً وانتشاراً ، ولذا تنافس أكثر من مائه شاعر في معارضتها ، فضلاً عن المشطِّرين والمخمِّسين والمسبِّعين ، كما أقبل آخرون على شرحها وتدريسها ، وقد تجاوزت شروحها المكتوبة خمسين شرحاً ، فيها ما هو محلى بماء الذهب ! وصار الناس يتدارسونها في البيوت والمساجد كالقرآن .

يقول الدكتور زكي مبارك : وأما أثرها في الدرس ، فيتمثل في تلك العناية التي كان يوجهها العلماء الأزهريون إلى عقد الدروس في يومي الخميس والجمعة لدراسة حاشية الباجوري على البردة ، وهي دروس كانت تتلقاها جماهير من الطلاب ، وانما كانوا يتخيرون يومي الخميس والجمعة ، لأن مثل هذا الدرس لم يكن من المقررات فكانوا يتخيرون له أوقات الفراغ [1] .

وقد أطلق البوصيري على هذه القصيدة البردة من باب المحاكاة والمشاكلة للقصيدة الشهيرة لكعب بن زهير - رضي الله عنه - في مدح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؛ فقد اشتهر أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أعطى كعباً بردته حين أنشد القصيدة - إن صح ذلك - [2] فقد ادعى البوصيري - في منامه - أن النبي -صلى الله عليه وسلم- ألقى عليه بردة حين أنشده القصيدة ! !

وقد سمى البوصيري هذه القصيدة أيضاً بـ " الكواكب الدرية في مدح خير البرية " [3] . كما أن لهذه البردة اسماً آخر هو البرأة ؛ لأن البوصيري كما يزعمون برئ بها من علته ، وقد سميت كذلك بقصيدة الشدائد ؛ وذلك لأنها - في زعمهم - تقرأ لتفريج الشدائد وتيسير كل أمر عسير .

وقد زعم بعض شراحها أن لكل بيت من أبياتها فائدة ؛ فبعضها أمان من الفقر ، وبعضها أمان من الطاعون [4] .

يقول محمد سيد كيلاني - أثناء حديثه عن المخالفات الشرعية في شأن البردة : " ولم يكتف بعض المسلمين بما اخترعوا من قصص حول البردة ، بل وضعوا لقراءتها شروطاً لم يوضع مثلها لقراءة القرآن ، منها :

التوضؤ ، واستقبال القبلة ، والدقة في تصحيح ألفاظها وإعرابها ، وأن يكون القارئ عالماً بمعانيها ، إلى غير ذلك .

ولا شك في أن هذا كله من اختراع الصوفية الذين أرادوا احتكار قراءتها
للناس ، وقد ظهرت منهم فئة عرفت بقراء البردة ، كانت تُستدعى في الجنائز والأفراح ، نظير أجر معين [5] .

وأما عن مناسبة تأليفها فكما قال ناظمها : كنت قد نظمت قصائد في مدح رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ، ثم اتفق بعد ذلك أن أصابني خِلْط فالج أبطل نصفي ، ففكرت في عمل قصيدتي هذه البردة ، فعملتها ، واستشفعت بها إلى الله في أن يعافيني ، وكررت إنشادها ، وبكيت ودعوت ، وتوسلت ونمت ، فرأيت النبي - صلى الله عليه وسلم- ، فمسح على وجهي بيده المباركة ، وألقى عليّ بردة ، فانتبهت ووجدت فيّ نهضة ؛ فقمت وخرجت من بيتي ، ولم أكن أعلمت بذلك أحداً ، فلقيني بعض الفقراء ، فقال لي : أريد أن تعطيني القصيدة التي مدحت بها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ، فقلت : أيّها ؟ فقال : التي أنشأتها في مرضك ، وذكر أولّها ، وقال : والله لقد سمعتها البارحة وهي تنشد بين يدي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ، فرأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، يتمايل وأعجبته ، وألقى على من أنشدها بردة ، فأعطيته إياها ، وذكر الفقير ذلك ، وشاع المنام [6] .

ففي هذه الحادثة تلبّس البوصيري بجملة من المزالق والمآخذ ، فهو يستشفع ويتقرب إلى الله - تعالى - بشرك وابتداع وغلو واعتداء - كما سيأتي موضحاً إن شاء الله - .

ثم ادعى أنه رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - دون أن يبيّن نعته ؛ فإن من رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - حسب صفاته المعلومة فقد رآه ، فإن الشيطان لا يتمثل به - كما ثبت في الحديث - .

ثم ادعى أن النبي في - صلى الله عليه وسلم - مسح على وجهه وألقى عليه بردة ، فعوفي من هذا الفالج ، فتحققت العافية بعد المنام دون نيل البردة ! ثم التقى البوصيري - في عالم اليقظة - بأحد المتصوفة وأخبره بسماع القصيدة بين يدي الرسول صلى الله عليه وسلم ، وأن الرسول -صلى الله عليه وسلم- تمايل إعجاباً بالقصيدة ، وهذا يذكّرنا بحديث مكذوب بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - تواجد عند سماع أبيات حتى سقطت البردة عن منكبيه وقال : ليس بكريم من لم يتواجد
عند ذكر المحبوب .

قال شيخ الإسلام : إن هذا الحديث كذب بإجماع العارفين بسيرة رسول الله - صلى الله عليه وسلم- وسنته وأحواله [7] .

وأما عن استجابة دعاء البوصيري مع ما في قصيدته من الطوامَّ ، فربما كان لاضطراره وعظم فاقته وشدة إلحاحه السبب في استجابة دعائه .

يقول شيخ الإسلام : ثم سبب قضاء حاجة بعض هؤلاء الداعين الأدعية المحرمة أن الرجل منهم قد يكون مضطراً ضرورة لو دعا الله بها مشرك عند وثن لاستجيب له ، لصدق توجهه إلى الله ، وان كان تحري الدعاء عند الوثن شركاً ، ولو استجيب له على يد المتوسل به ، صاحب القبر أو غيره لاستغاثته ، فإنه يعاقب على ذلك ويهوي به في النار إذا لم يعفُ الله عنه ، فكم من عبد دعا دعاء غير مباح ، فقضيت حاجته في ذلك الدعاء ، وكان سبب هلاكه في الدنيا والآخرة [8] .

وأما عن التعريف بصاحب البردة فهو : محمد بن سعيد البوصيري نسبة إلى بلدته أبو صير بين الفيوم وبني سويف بمصر ، ولد سنة 608هـ ، واشتغل بالتصوُّف ، وعمل كاتباً مع قلة معرفته بصناعة الكتابة ، ويظهر من ترجمته وأشعاره أن الناظم لم يكن عالماً فقيهاً ، كما لم يكن عابداً صالحاً ؛ حيث كان ممقوتاً عند أهـل زمانه لإطلاق لسانه في الناس بكل قبيح ، كما أنه كثير السؤال للناس ، ولذا كان يقف مع ذوي السلطان مؤيداً لهم سواء كانوا على الحق أم على الباطل .

ونافح البوصيري عن الطريقة الشاذلية التي التزم بها ، فأنشد أشعاراً في الالتزام بآدابها ، كما كانت له أشعار بذيئة يشكو من حال زوجه التي يعجز عن إشباع شهوتها !

توفي البوصيري سنة 695هـ وله ديوان شعر مطبوع [9] .

وسنورد جملة من المآخذ على تلك البردة التي قد تعلّق بها كثير من الناس مع ما فيها من الشرك والابتداع . والله حسبنا ونعم الوكيل .

1- يقول البوصيري :

وكيف تدعو إلى الدنيا ضرورة من * * * لولاه لم تُخرج الدنيا من العدم

ولا يخفى ما في عَجُز هذا البيت من الغلو الشنيع في حق نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم- حيث زعم البوصيري أن هذه الدنيا لم توجد إلا لأجله -صلى الله عليه وسلم- وقد قال - سبحانه : " ومَا خَلَقْتُ الجِنَّ والإنسَ إلاَّ لِيَعْبُدُونِ " [الذاريات : 56] ، وربما عوّل أولئك الصوفية على الخبر الموضوع : لولاك لما خلقت الأفلاك [10] .

2 - قال البوصيري :

فاق النبيين في خَلق وفي خُلُق * * * ولم يدانوه في علم ولا كرم
وكلهم من رسول الله ملتمس * * * غرفاً من البحر أو رشفاً من الديم

أي أن جميع الأنبياء السابقين قد نالوا والتمسوا من خاتم الأنبياء والرسل محمد -صلى الله عليه وسلم- فالسابق استفاد من اللاحق !

فتأمل ذلك وقارن بينه وبين مقالات زنادقة الصوفية كالحلاج القائل : إن للنبي نوراً أزلياً قديماً كان قبل أنه يوجد العالم ، ومنه استمد كل علم وعرفان ؛ حيث أمدّ الأنبياء السابقين عليه ..

وكذا مقالة ابن عربي الطائي أن كل نبي من لدن آدم إلى آخر نبي يأخذ من مشكاة خاتم النبيين [11] .

3 - ثم قال :

دع ما ادعته النصارى في نبيهم * * * واحكم بما شئت مدحاً فيه واحتكم

يقول الشيخ عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب - رحمهم الله - منتقداً هذا البيت : ومن المعلوم أن أنواع الغلو كثيرة ، والشرك بحر لا ساحل له ، ولا ينحصر في قول النصارى ؛ لأن الأمم أشركوا قبلهم بعبادة الأوثان وأهل الجاهلية كذلك ، وليس فيهم من قال في إلهه ما قالت النصارى في المسيح - غالباً - : إنه الله ، أو ابن الله ، أو ثالث ثلاثة ، بل كلهم معترفون أن آلهتهم ملك لله ، لكن عبدوها معه لاعتقادهم أنها تشفع لهم أو تنفعهم فيحتج الجهلة المفتونون بهذه الأبيات على أن قوله في منظومته : دع ما ادعته النصارى في نبيهم مَخْلَصٌ من الغلو بهذا البيت ، وهو قد فتح ببيته هذا باب الغلو والشرك لاعتقاده بجهله أن الغلو مقصور على هذه الأقوال الثلاثة [12] .

لقد وقع البوصيري وأمثاله من الغلاة في لبس ومغالطة لمعنى حديث النبي - صلى الله عليه وسلم- : لا تُطروني كما أطرت النصارى ابن مريم إنما أنا عبد فقولوا : عبد الله ورسوله [13] ، فزعموا أن الإطراء المنهي عنه في هذا الحديث هو الإطراء المماثل لإطراء النصارى ابن مريم وما عدا ذلك فهو سائغ مقبول ، مع أن آخر الحديث يردّ قولهم ؛ فإن قوله - عليه الصلاة والسلام - : إنما أنا عبد فقولوا : عبد الله ورسوله تقرير للوسطية تجاه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ، فهو عبد لا يُعبد ، ورسول لا يُكذب ، والمبالغة في مدحه تؤول إلى ما وقع فيه
النصارى من الغلو في عيسى - عليه السلام - ، وبهذا يُعلم أن حرف الكاف في قوله -صلى الله عليه وسلم- : كما أطرت هي كاف التعليل ، أي كما بالغت النصارى [14] .

ويقول ابن الجوزي - في شرحه لهذا الحديث - : لا يلزم من النهي عن الشيء وقوعه ؛ لأنَّا لا نعلم أحداً ادعى في نبينا ما ادعته النصارى في عيسى - عليه السلام - وإنما سبب النهي فيما لم يظهر ما وقع في حديث معاذ بن جبل لما استأذن في السجود له فامتنع ونهاه ؛ فكأنه خشي أن يبالغ غيره بما هو فوق ذلك فبادر إلى النهي تأكيداً للأمر [15] .

4 - وقال أيضاً :

لو ناسبت قدره آياته عِظماً * * * أحيا اسمه حين يُدعى دارس الرمم

يقول بعض شرّاح هذه القصيدة : لو ناسبت آياته ومعجزاته عظم قدره عند الله - تعالى - وكل قربه وزلفاه عنده لكان من جملة تلك الآيات أن يحيي الله العظام الرفات ببركة اسمه وحرمة ذكره [16] .

يقول الشيخ محمود شكري الآلوسي منكراً هذا البيت : ولا يخفى ما في هذا الكلام من الغلو ؛ فإن من جملة آياته -صلى الله عليه وسلم- القرآن العظيم الشأن ؛ وكيف يحل لمسلم أن يقول : إن القرآن لا يناسب قدر النبي -صلى الله عليه وسلم- ، بل هو منحط عن قدره ثم إن اسم الله الأعظم وسائر أسمائه الحسنى إذا ذكرها الذاكر لها تحيي دارس الرمم ؟ [17] .

5 - وقال أيضا :

لا طيب يعدل ترباً ضم أعظمه * * * طوبى لمنتشق منه وملتثم

فقد جعل البوصيري التراب الذي دفنت فيه عظام رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أطيب وأفضل مكان ، وأن الجنة والدرجات العلا لمن استنشق هذا التراب أو قبَّله ، وفي ذلك من الغلو والإفراط الذي يؤول إلى الشرك البواح ، فضلاً عن الابتداع والإحداث في دين الله - تعالى - .

قال شيخ الإسلام - رحمه الله - : واتفق الأئمة على أنه لا يمس قبر النبي - صلى الله عليه وسلم- ولا يقبله ، وهذا كله محافظة على التوحيد [18] .

6 - ثم قال :

أقسمتُ بالقمر المنشق إنّ له * * * من قلبه نسبةً مبرورة القسم

ومن المعلوم أن الحلف بغير الله - تعالى - من الشرك الأصغر ؛ فعن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك [19] .

وقال ابن عبد البر - رحمه الله - : لا يجوز الحلف بغير الله - عز وجل -
في شيء من الأشياء ولا على حال من الأحوال ، وهذا أمر مجتمع عليه ... إلى أن قال : أجمع العلماء على أن اليمين بغير الله مكروهة منهي عنها ، لا يجوز الحلف بها لأحد [20] .

7 - قال البوصيري :

ولا التمست غنى الدارين من يده * * * إلا استلمت الندى من خير مستلم

فجعل البوصيري غنى الدارين مُلتَمساً من يد النبي -صلى الله عليه وسلم- ، مع أن الله - عز وجل - قال : " ومَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ " [النحل : 53] ، وقال - سبحانه - : " فَابْتَغُوا عِندَ اللَّهِ الرِّزْقَ واعْبُدُوهُ " [العنكبوت : 17] ، وقال - تعالى - : " قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ والأَرْضِ " [يونس : 31] ، " قُلِ ادْعُوا الَذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ الله لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّن ظَهِيرٍ " [سبأ : 22] .

وأمر الله نبيه محمداً -صلى الله عليه وسلم- أن يبرأ من دعوى هذه الثلاثة المذكورة في قوله - تعالى - : " قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللَّهِ ولا أَعْلَمُ الغَيْبَ ولا أَقُولُ لَكُمْ إنِّي مَلَكٌ إنْ أَتَّبِعُ إلاَّ مَا يُوحَى إلَيَّ " [الأنعام : 50] .

8 - قال البوصيري :

فإن لي ذمة منه بتسميتي * * * محمداً وهو أوفى الخلق بالذمم

وهذا تخرُّص وكذب ؛ فهل صارت له ذمة عند رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لمجرد أن اسمه موافق لاسمه ؟ ! فما أكثر الزنادقة والمنافقين في هذه الأمة قديماً وحديثاً الذين يتسمون بمحمد !

و يقول الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب - رحمهم الله - تعقيباً على هذا البيت : قوله : فإن لي ذمة ... إلى آخره كذب على الله وعلى رسوله -صلى الله عليه وسلم- فليس بينه وبين اسمه محمد ذمة إلا بالطاعة ، لا بمجرد الاشتراك في الاسم مع الشرك [21] .

فالاتفاق في الاسم لا ينفع إلا بالموافقة في الدين واتباع السنة [22] .

9 - وقال البوصيري :

إن لم يكن في معادي آخذاً بيدي * * * فضلاً وإلا فقل يا زلة القدم

والشاعر في هذا البيت ينزل الرسول منزلة رب العالمين ؛ إذ مضمونه أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- هو المسؤول لكشف أعظم الشدائد في اليوم الآخر ، فانظر إلى قول الشاعر ، وانظر في قوله - تعالى - لنبيه -صلى الله عليه وسلم- : " قُلْ إنِّي أَخَافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ " [الزمر : 13] .

ويزعم بعض المتعصبين للقصيدة أن مراد البوصيري طلب الشفاعة ؛ فلو صح ذلك فالمحذور بحاله ، لما تقرر أن طلب الشفاعة من الأموات شرك بدليل قوله - تعالى - : " ويَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ ولا يَنفَعُهُمْ ويَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَوَاتِ ولا فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ " [يونس : 18] ، فسمى الله - تعالى - اتخاذ الشفعاء شركاً [23] .

10 - وقال :

يا أكرم الرسل ما لي من ألوذ به * * * سواك عند حلول الحادث العمم

يقول الشيخ سليمان بن محمد بن عبد الوهاب - رحمهم الله - تعقيباً على هذا البيت - :

فتأمل ما في هذا البيت من الشرك :

منها : أنه نفى أن يكون له ملاذ إذا حلت به الحوادث إلا النبي -صلى الله عليه وسلم- ، وليس ذلك إلا لله وحده لا شريك له ، فهو الذي ليس للعباد ملاذ إلا هو .

ومنها : أنه دعاه وناداه بالتضرع وإظهار الفاقة والاضطرار إليه ، وسأل منه هذه المطالب التي لا تطلب إلا من الله ، وذلك هو الشرك في الإلهية [24] .

وانتقد الشيخ عبد الرحمن بن حسن بن محمد ابن عبد الوهاب هذا البيت قائلاً : فعظم البوصيري النبي -صلى الله عليه وسلم- بما يسخطه ويحزنه ؛ فقد اشتد نكيره -صلى الله عليه وسلم- عما هو دون ذلك كما لا يخفى على من له بصيرة في دينه ؛ فقصر هذا الشاعر لياذه على المخلوق دون الخالق الذي لا يستحقه سواه ؛ فإن اللياذ عبادة كالعياذ ، وقد ذكر الله عن مؤمني الجن أنهم أنكروا استعاذة الإنس بهم بقوله : " وأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الإنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقاً " [الجن : 6] ، أي طغياناً ، واللياذ يكون لطلب الخير ، والعياذ لدفع الشر ، فهو سواء في الطلب والهرب [25] .

وقال العلامة محمد بن علي الشوكاني - رحمه الله - عن هذا البيت : فانظر كيف نفى كل ملاذ ما عدا عبد الله ورسوله -صلى الله عليه وسلم- ، وغفل عن ذكر ربه ورب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- . إنا لله وإنا إليه راجعون [26] .

11 - وقال البوصيري :

ولن يضيق رسول الله جاهك بي * * * إذا الكريم تحلى باسم منتقم

قال الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب : سؤاله منه أن يشفع له في قوله : ولن يضيق رسول الله ... إلخ ، هذا هو الذي أراده المشركون ممن عبدوهم وهو الجاه والشفاعة عند الله ، وذلك هو الشرك ، وأيضاً فإن الشفاعة لا تكون إلا بعد إذن الله فلا معنى لطلبها من غيره ؛ فإن الله - تعالى - هو الذي يأذن للشافع أن يشفع لا أن الشافع يشفع ابتداءاً [27] .

12 - وقال أيضا :

فإن من جودك الدنيا وضرتها * * * ومن علومك علم اللوح والقلم

فجعل الدنيا والآخرة من عطاء النبي -صلى الله عليه وسلم - وإفضاله ، والجود هو العطاء والإفضال ؛ فمعنى الكلام : أن الدنيا والآخرة له -صلى الله عليه وسلم- ، والله - سبحانه وتعالى - يقول : " وإنَّ لَنَا لَلآخِرَةَ والأُولَى " [الليل : 13] [28] .

وقوله : ومن علومك علم اللوح والقلم . في غاية السقوط والبطلان ؛ فإن مضمون مقالته أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- يعلم الغيب ، وقد قال - سبحانه - : " قُل لاَّ يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَوَاتِ والأَرْضِ الغَيْبَ إلاَّ اللَّهُ " [النمل : 65] وقال - عز وجل - : " وعِندَهُ مَفَاتِحُ الغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إلاَّ هُوَ ويَعْلَمُ مَا فِي البَرِّ والْبَحْرِ ومَا تَسْقُطُ مِن ورَقَةٍ إلاَّ يَعْلَمُهَا ولا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ ولا رَطْبٍ ولا يَابِسٍ إلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ " [الأنعام : 59] ، والآيات في هذا كثيرة معلومة [29].

وأخيراً أدعو كل مسلم عَلِقَ بهذه القصيدة وولع بها أن يشتغل بما ينفع ؛ فإن حق النبي -صلى الله عليه وسلم- إنما يكون بتصديقه فيما أخبر ، واتباعه فيما شرع ، ومحبته دون إفراط أو تفريط ، وأن يشتغلوا بسماع القرآن والسنة والتفقه فيهما ؛ فإن البوصيري وأضرابه استبدلوا إنشاد وسماع هذه القصائد بسماع القرآن والعلم النافع ، فوقعوا في مخالفات ظاهرة ومآخذ فاحشة .

وإن كان لا بد من قصائد ففي المدائح النبوية التي أنشدها شعراء الصحابة - رضي الله عنهم- كحسان وكعب بن زهير ما يغني ويكفي .

اللهم صلّ على محمد وأزواجه وذريته كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم ؛ إنك حميد مجيد .
________________________

(1) المدائح النبوية ، ص 199 .

(2) يقول ابن كثير - رحمه الله - في البداية والنهاية (4 /373) : ورد في بعض الروايات أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أعطاه بردته حن أنشده القصيدة وهذا من الأمور المشهورة جداً ، ولكن لم أر ذلك في شيء ، من هذه الكتب المشهورة بإسناد أرتضيه ؛ فالله أعلم .

(3) انظر مقدمة محقق ديوان البوصيري ، ص 29 .

(4) انظر المدائح النبوية لزكي مبارك ، ص 197 .

(5) مقدمة ديوان البوصيري ، ص 29 ، 30 .

(6) فوات الوفيات لمحمد بن شاكر الكتبي ، 2/258 .

(7) مجموع الفتاوى ، 11 /598 .

(8) اقتضاء الصراط المستقيم ، 2/692 ، 693 ، باختصار .

(9) انظر ترجمته في مقدمة ديوان البوصيري ، تحقيق محمد سيد كيلاني ، ص 5 - 44 ، وللمحقق كتاب آخر بعنوان : البوصيري دراسة ونقد .

(10) انظر : الصنعاني في موضوعاته ، ص 46 ح (78) ، والسلسلة والموضوعة للألباني ، 1/299 ، ح (282) .

(11) انظر تفصيل ذلك في كتاب محبة الرسول -صلى الله عليه وسلم- لعبد الرؤوف عثمان ، ص 169 - 196 .

(12) الدرر السنية ، 9/81 ، وانظر 9/48 ، وانظر : صيانة الإنسان للسهسواني (تعليق محمد رشيد رضا) ، ص 88 .

(13) أخرجه البخاري ، ح /3445 .

(14) انظر القول المفيد ، 1 /376 ، ومفاهيمنا لصالح آل الشيخ ، ص 236 ، ومحبة الرسول لعبد الرؤوف عثمان ، ص 208 .

(15) فتح الباري ، 12 /149 .

(16) غاية الأماني للآلوسي ، 2 /349 .

(17) غاية الأماني للآلوسي ، 2/ 350 ، باختصار وانظر الدر النضيد لابن حمدان ، ص 136 .

(18) الرد على الأخنائي ، ص 41 .

(19) رواه أحمد ، ح /4509 ، والترمذي ، ح / 1534 .

(20) التمهيد ، 14/366 ، 367 .

(21) تيسير العزيز الحميد ، ص 22 .

(22) انظر الدرر السنية ، 9 /51 .

(23) انظر الدرر السنية ، 9/49 ، 82 ، 271 .

(24) تيسير العزيز الحميد ، ص 219 ، 220 .

(25) الدرر السنية ، 9/ 80 ، وانظر 9/49 ، 84 ، 193 ، ومنهاج التأسيس والتقديس لعبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن ، ص 212 .

(26) الدر النضيد ، ص 26 .

(27) تيسير العزيز الحميد ، ص 220 ، وانظر الدرر السنية ، 9/52 .

(28) انظر الدرر السنية ، 49 ، 50 ، 81 ، 82 ، 85 ، 268 .

(29) انظر الدرر السنية ، 9/50 ، 62 ، 81 ، 82 ، 268 ، 277

في حفظ الله

ذات
03-12-2008, 03:12 PM
:) الأستاذ حمد السبر :
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته :
أدعو كل مسلم عَلِقَ بهذه القصيدة وولع بها أن يشتغل بما ينفع ؛ !!!

أنا من المُولعين بها ، و بشدّة .... ومذ نقاشك مع الاستاذ ابراهيم اليوسف عنها ، عجِبت ، و تمنيت اظهار ماقيل حولها !! ، وأحمد الله على هذا ثمّ أشكرك شكراً كثيراً ،

حضور أول ... ولي عودة نقاش بعون الله .

احترامي .

حمد السبر
03-14-2008, 12:33 AM
:) الأستاذ حمد السبر :
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته :
!!!

أنا من المُولعين بها ، و بشدّة .... ومذ نقاشك مع الاستاذ ابراهيم اليوسف عنها ، عجِبت ، و تمنيت اظهار ماقيل حولها !! ، وأحمد الله على هذا ثمّ أشكرك شكراً كثيراً ،

حضور أول ... ولي عودة نقاش بعون الله .

احترامي .

الشكر لله يا ذات

العلم الشرعي يرفع الجهل ويجعل الإنسان يميز الصواب من الخطأ.

ثم إن العلماء حفظهم الله بينوا الخلل بالدليل الشرعي في كل نص منحرف عن المنهج الوسطي المعتدل.

في حفظ الله

حمد السبر
03-14-2008, 12:49 AM
<TABLE cellSpacing=0 cellPadding=5 width="98%" border=0><TBODY><TR><TD height=10> أقوال علماء السنة في قصيدة البردة
<TR><TD height=10>
</TD></TR></TBODY></TABLE>

السلام عليكم
نظرا لما ينشر عن البردة ونظرا لتلك الادعاءات التي يدعيها البعض من ان هذه القصيدة لا تحوي بين طياتها شركا ولا بدعا
ارتايت ان اقدم لاعضائنا الاعزاء وزوارنا الكرام هذه الفتاوى بشان هذه القصيدة ليكون الجميع على بينة
الفتوى الاولى1 ـ
كلام الإمام محمد بن عبدالوهاب في قصيدة البردة
قال : الإمام محمد بن عبدالوهاب : " في تفسير سورة الفاتحة "
وأما الملك فيأتي الكلام عليه ، وذلك أن قوله: ( مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ) وفي القراءة الأخرى ( مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ ) فمعناه عند جميع المفسرين كلهم ما فسره الله به في قوله ك ( وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ {17} ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ {18} يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِّنَفْسٍ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ {19}‏ ([ سورة الانفطار الآيات: 17/19].
فمن عرف تفسير هذه الآية ، وعرف تخصيص الملك بذلك اليوم ، مع أنه سبحانه مالك كل شيء ذلك اليوم وغيره، عرف أن التخصيص لهذه المسألة الكبيرة العظيمة التي بسبب معرفتها دخل الجنة من دخلها ، وسبب الجهل بها دخل النار من دخلها، فيالها من مسألة لو رحل الرجل فيها أكثر من عشرين سنة لم يوفها حقها، فأين هذا المعني والإيمان بما صرح به القرآن ، مع قوله صلى الله عليه وسلم : (( يا فاطمة بنت محمد لا أغني عنك من الله شيئاُ )) [ أخرجه البخاري في صحيحة: كتاب الوصايا، باب هل يدخل النساء والولد في الأقارب رقم: 2753 ، والنسائي في سننه: كتاب الوصايا إذا أوصى لعشيرته الأقربين (6/ 248-250) رقم : 3644، 3646، 3647، من حديث أبي هريرة.
من قول صاحب البردة:
ولن يضيق رسول الله جاهك بي ***** اذا الكريم تحلي بأسم منتقم
فإن لي ذمة منه بتسميتي ***** محمداً وهو أوفى الخلق بالذمم
إن لم تكن في معادي آخذاً بيدي ***** فضلاً وإلا فقل يازلة القدم
فليـتأمل من نصح نفسه هذه الأبيات ومعناها ، ومن فتن بها من العباد، وممن يدعى أنه من العلماء واختاروا تلاوتها على تلاوة القرآن .
هل يجتمع في قلب عبد التصديق بهذه الأبيات والتصديق بقوله: ( يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والأمر يومئذ لله) وقوله: : (( يا فاطمة بنت محمد لا أغني عنك من الله شيئاُ )) لا والله ، لا والله لا والله إلا كما يجتمع في قلبه أن موسى صادق ، وأن فرعون صادق ، وأن محمداً صادق على الحق ، وأن أبا جهل صادق على الحق . لا والله ما استويا ولن يتلاقيا حتى تشيب مفارق الغربان.
فمن عرف هذه المسألة وعرف البردة ، ومن فتن بها عرف غربة الإسلام وعرف أن العدل واستحلال دمائنا وأموالنا ونسائنا، ليس عن التكفير والقتال ، بل هم الذين بدءونا بالتكفير وعند قوله: ( فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً ) [سورة الجن الآية : 18].وعند قوله: (أُولَـئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ ) [سورة الإسراء: الآية : 57]. وقوله: ( لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَيْءٍ) [سورة الرعد الآية: 14].
فهذا بعض المعاني في قوله : ( مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ) بإجماع المفسرين كلهم ،وقد فسرها الله سبحانه في سورة ( إِذَا السَّمَاء انفَطَرَتْ ) ( الإنفطار : 1 ) كما قدمت لك.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تفسير سورة الفاتحة من مؤلفات الإمام محمد بن عبدالوهاب ص 13 المجلد الخامس
يقول الشيخ محمد بن عبدالوهاب رحمه الله في أحد رسائلهِ الشخصية –كما في الدرر السنية 2/44- إلى الأخ حسن:
" وأما ما ذكرت من أهل الجاهلية كيف لم يعرفوا الالهية إذا أقروا بالربوبية هل هو كذا أو كذا أو غير ذلك.فهو لمجموع ما ذكرت وغيره.
وأعجــــــب من ذلك ما رأيت وسمعت ممن يدعي أنه أعلم الناس،ويفسر القرآن،ويشرح الحديث بمجلدات،ثم يشرح (البردة) ويستحسنها،ويذكر في تفسيره وشرحه للحديث أنه شرك،ويموت ما عرف ما خرج من رأسه ،هذا هو العجب العجاب!!أعجب بكثير من ناس لا كتاب لهم ولا يعرفون جنة ولا ناراً،ولا رسولاً ولا إلهاً."

................
كلام العلامة المجدد عبدالرحمن بن حسن في البردة
قال العلامة المجدد عبدالرحمن بن حسن :
وقد ذكر شيخ الإسلام ، عن بعض أهل زمانه : أنه جوّز الاستغاثة بالرسول صلى الله عليه وسلم في كل ما يستغاث فيه بالله . وصنف في ذلك مصنفاً ، رده شيخ الإسلام ، ورده موجود بحمد الله .
ويقول : إنه يعلم مفاتيح الغيب ، التي لا يعلمها إلا الله . وذكر عنهم أشياء من هذا النمط . نعوذ بالله من عمى البصيرة .
وقد اشتهر في نظم البوصيري ، قوله :
يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به ***** سواك عند حلول الحادث العمم !َ!
وما بعده في الأبيات ، التي مضمونها : إخلاص الدعاء ، واللياذ والرجاء والاعتماد في أضيق الحالات ، وأعظم الاضطرار لغير الله .
فناقضوا الرسول صلى الله عليه وسلم في ارتكاب ما نهى عنه أعظم مناقشة ، وشاقوا الله ورسوله أعظم مشاقة .
وذلك أن الشيطان أظهر لهم هذا الشرك العظيم ، في قالب محبة النبي صلى الله عليه وسلم وتعظيمه . وأظهر لهم التوحيد والإخلاص ، الذي بعثه الله به في قالب تنقصه .
وهؤلاء المشركون هم المتنقصون الناقصون ، أفرطوا فى تعظيمه بمانهاهم عنه أشد النهي ، وفرطوا في متابعته . فلم يعبؤوا بأقواله وأفعاله ، ولارضوا بحكمه ولاسلموا له ، وأنما يحصل تعظيم الرسول صلى الله عليه وسلم بتعظيم أمره ونهيه .
وهؤلاء المشركون عكسوا الأمر . فخالفوا ما بلَّغ به الأمة ، وأخبر به عن نفسه صلى الله عليه وسلم . فعاملوه بما نهاهم عنه : من الشرك بالله ، والتعلق على غير الله ، حتى قال قائلهم :
يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به ***** سواك عند حلول الحادث العمم
إن لم تكن في معادي آخذاً بيدي ***** فضلاً وإلا فقل : يا زلة القد
فإن من جودك الدنيا وضرتها ***** ومن علومك علم اللوح والقلم
فانظر إلى هذا الجهل العظيم ، حيث اعتقد أنه لا نجاة له إلا بعياذه ولياذه بغير الله .
وانظر إلى هذا الإطراء العظيم ، الذي تجاوز الحد في الإطراء ، الذي نهى عنه صلى الله عليه وسلم بقوله " لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم ، إنما أنا عبدٌ ، فقولوا عبدالله ورسوله " رواه مالك وغيره . وقد قال تعالى : ( قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكن إني ملك ) [ الأنعام : 50 ] .
فانظر إلى هذه المعارضة العظيمة للكتاب والسنة ، والمحادة لله ورسوله . وهذا الذي يقوله هذا الشاعر هو الذي في نفوس كثير ، خصوصاً ممن يدعي العلم والمعرفة ، ورأوا قراءة هذه المنظومة ونحوها لذلك وتعظيمها من القربات ، فإنا لله وإنا إليه راجعون .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فتح المجيد لشرح كتاب التوحيد
باب ماجاء أن سبب كفر بنى آدم وتركهم دينهم هو الغلو ( 1 / 381 )
باب قول الله تعالى ( فلا تجعلوا لله أنداداً وأنتم تعلمون ) ( 2 / 693 )

................
كلام العلامة ـالمحدث ـ سليمان بن عبدالله في البردة :
قال : العلامة المحدث سليمان بن عبدالله في كتاب تيسير العزيز الحميد في شرح كتاب التوحيد : :
ومن بعض أشعار المادحين لسيد المرسلين صلى الله عليه وسلم قول البوصيري :
يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به ***** سواك عند حلول الحادث العمم
ولن يضيق رسول الله جاهك بي ***** إذا الكريم تجلى باسم منتقم
فإن لي ذمة منه بتسميتي ***** محمداً وهو أوفى الخلق بالذمم
إن لم يكن في معادي آخذاً بيدي ***** فضلاً وإلا فقل يا زلة القدم
فتأمل ما في هذه الأبيات من الشرك .
منها : أنه نفى أن يكون له ملاذٌ إذا حلت به الحوادث ، إلا النبي صلى الله عليه وسلم ، وليس ذلك إلا لله وحده لا شريك له ، فهو الذي ليس للعباد ملاذ إلا هو .
الثاني : أنه دعاه وناداه بالتضرع وإظهار الفاقة والاضطرار إليه ، وسأل منه هذه المطالب التي لا تطلب إلا من الله ، وذلك هو الشرك في الإلهية .
الثالث : سؤاله منه أن يشفع له في قوله :
ولن يضيق رسول الله ... البيت ...
وهذا هو الذي أراده المشركون ممن عبدوه ، وهو الجاه والشفاعة عند الله ، وذلك هو الشرك ، وأيضاً فإن الشفاعة لا تكون إلا بعد إذن الله فلا معنى لطلبها من غيره ، فإن الله تعالى هو الذي يأذن للشافع أن يشفع لا أن الشافع يشفع ابتداء .
الرابع : قوله : فإن لي ذمة ... إلى آخره .
كذب على الله وعلى رسوله صلى الله عليه وسلم ، فليس بينه وبين من اسمه محمد ذمة إلا بالطاعة ، لا بمجرد الاشتراك في الاسم مع الشرك .
تناقض عظيم وشرك ظاهر ، فإنه طلب أولاً أن لا يضيق به جاهه ، ثم طلب هنا أن يأخذ بيده فضلاً وإحساناً ، وإلا فيا هلاكه .
فيقال : كيف طلبت منه أولاً الشافعة ثم طلبت منه أن يتفضل عليك ، فإن كنت تقول : إن الشفاعة لا تكون إلا بعد إذن الله ، فكيف تدعو النبي صلى الله عليه وسلم وترجوه وتسأله الشفاعة ؟ فهلا سألتها من له الشفاعة جيمعاً ، الذي له ملك السموات والأرض ، الذي لا تكون الشفاعة إلا من بعد إذنه ، فهذا يبطل عليك طلب الشفاعة من غير الله .
وإن قلت : ما أريد إلا جاهه ، وشفاعته ، بإذن الله .
قيل : فكيف سألته أن يتفضل عليك ويأخذ بيدك في يوم الدين ، فهذا مضاد لقوله تعالى : { وما أدراك ما يوم الدين ثم ما أدرك ما يوم الدين يوم لا تملك نفس لنفس شيئاً والأمر يومئذ لله } [ الانفطار ] ، فكيف يجتمع في قلب عبد الإيمان بهذا وهذا .
وإن قلت : سألته أن يأخذ بيدي ، ويتفضل عليَّ بجاهه وشفاعته .
قيل : عاد الأمر إلى طلب الشفاعة من غير الله ، وذلك هو محض الشرك .
السادس : في هذه الأبيات من التبري من الخالق - تعالى وتقدس - والاعتماد على المخلوق في حوادث الدنيا والآخرة ما لا يخفى على مؤمن ، فأين هذا من قوله تعالى : { إياك نبعد وإياك نستعين } [ الفاتحة ] ، وقوله تعالى : { فإن تولوا فقـل حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلـت وهـو رب العـرش العظيم } [ التوبة ] ، وقوله : { وتوكل على الحي الذي لا يموت وسبح بحمده وكفى به بذنوب عباده خبيراً } [ الفرقان ] ، وقوله تعالى : { قل إني لا أملك لكم ضراً ولا رشداً قل إني لن يجيرني من الله أحد ولن أجد من دونه ملتحدا إلا بلاغاً من الله ورسالاته } . [ الجن ]
فإن قيل : هو لم يسأله أن يتفضل عليه ، وإنما أخبر أنه إن لم يدخل في عموم شفاعته فيا هلاكه . قيل : المراد بذلك سؤاله ، وطلب الفضل منه ، كما دعاه أول مرة وأخبر أنه لا ملاذ له سواه ، ثم صرح بسؤال الفضل والإحسان بصيغة الشرط والدعاء ، والسؤال كما يكون بصيغة الطلب يكون بصيغة الشرط ، كما قال نوح عليه السلام : { وإلا تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين } . [ هود ]
ومنهم من يقول : نحن نعبد الله ورسوله ، فيجعلون الرسول معبودا .
قلت: وقال البوصيري :
فإن من جودك الدنيا وضرتها ***** ومن علومك علم اللوح والقلم
فجعل الدنيا والآخرة من جوده ، وجزم بأنه يعلم ما في اللوح المحفوظ ، وهذا هو الذي حكاه شيخ الإسلام عن ذلك المدرس ، وكل ذلك كفر صريح . ومن العجب أن الشيطان أظهر لهم ذلك في صورة محبته عليه السلام وتعظيمه ومتابعته ، وهذا شأن اللعين لابد وأن يمزج الحق بالباطل ليروج على أشباه الأنعام اتباع كل ناعق، الذين لم يستضيئوا بنور العلم ، ولم يلجئوا إلى ركن وثيق ، لأن هذا ليس بتعظيم، فإن التعظيم محله القلب واللسان والجوارح وهم أبعد الناس منه ، فإن التعظيم بالقلب: ما يتبع اعتقاد كونه عبداً رسولاً ، من تقديم محبته على النفس والولد والوالد والناس أجمعين .
....... فكيف بمن يقول فيه ؟ !
فإن من جودك الدنيا وضرتها ***** ومن علومك علم اللوح والقلم
ويقول في همزيته :
هذه علتي وأنت طبيبُ ***** ليس يخفى عليك في القلب داء

وأشباه هذا من الكفر الصريح .
ــــــــــــ
كناب تيسير العزيز الحميد في شرح كتاب التوحيد ( ص 621 )

.............
كلام العلامة محمد بن على الشوكاني في البردة :
فانظر رحمك الله تعالى ما وقع من كثير من هذه الأمة من الغلو المنهى عنه المخالف لما في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم كما يقوله صاحب البردة رحمه الله تعالى :
يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به ***** سواك عند حلول الحادث العمم
فانظر كيف نفى كل ملاذ ما عدا عبدالله ورسوله صلى الله عليه وسلم وغفل عن ذكر ربه ورب رسول الله صلى الله عليه وسلم إنا لله وإنا إليه راجعون .
وهذا باب واسع ، قد تلاعب الشيطان بجماعة من أهل الإسلام حتى ترقوا إلى خطاب غير الأنبياء بمثل هذا الخطاب ، ودخلوا من الشرك في أبواب بكثير من الأسباب .
ومن ذلك قول من يقول مخاطباً لابن عجيل :
هات لي منك يابن موسى إغاثة ***** عاجلاً في سيرها حثاثة
فهذا محض الاستغاثه التي لاتصلح لغير الله لميت من الأموات قد صار تحت أطباق الثرى من مئات السنين .
وقد وقع في البردة والهمزية شيء كثير من هذا الجنس ، ووقع أيضاً لمن تصدى لمدح نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ولمدح الصالحين والأئمة الهادين ما لا يأتي عليه الحصر ، ولا يتعلق بالاستكثار منه فائدةٌ فليس المراد إلا التنبيه والتحذير لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد ( وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين ) .
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
الدر النضيد في إخلاص كلمة التوحيد ( 59 / 60 )

..........
كلام العلامة عبدالله بن عبدالرحمن أبابطين في البردة
قال العلامة عبدالله بن عبدالرحمن أبابطين في كتابه الرد على البردة :
قوله :
يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به ***** سواك عند حلول الحادث العمم
إن لم تكن في معادي آخذاً بيدي ***** فضلاً وإلا فقل : يا زلة القدم
فإن من جودك الدنيا وضرتها ***** ومن علومك علم اللوح والقلم
مقتضى هذه الأبيات إثبات علم الغيب للنبي صلى الله عليه وسلم وأن الدنيا والآخرة من جوده وتضمنت الاستغاثة به صلى الله عليه وسلم من أعظم الشدائد ورجاءه لكشفها وهو الأخذ بيده في الآخرة وإنقاذه من عذاب الله ، وهذه الأمور من خصائص الربوبية والألوهية التي ادعتها النصارى في المسيح عليه السلام وإن لم يقل هؤلاء إن محمداً هو الله أو ابن الله ولكن حصلت المشابهة للنصارى في الغلو الذي نهى عنه صلى الله عليه وسلم بقوله : " لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد فقولوا عبدالله ورسوله " والإطراء هو المبالغة في المدح حتى يؤول " الأمر إلى " أن يجعل المدح شيء من خصائص الربوبية والألوهية .
وهذه الألفاظ صريحة في الاستغاثة بالنبي صلى الله عليه وسلم كقوله :
يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به ***** سواكأي وإلا فأنا هالك والنبي
أي وإلا فأنا هالك والنبي صلى الله عليه وسلم يقول في دعائه : " لا ملجأ منك إلا إليك " .
وقوله :
إن لم تكن في معادي آخذاً بيدي ***** ومنقذي من عذاب الله والألم
أو شافعاً لي ...... إلخ . [ أي ] وإلا هلكت ، وأي لفظ في الاستغاثة أبلغ من هذه الألفاظ وعطف الشفاعة على ما قبلها بحرف أو في قوله : " أو شافعاً لي " صريح في مغايرة ما بعد أو لما قبلها وأن المراد مما قبلها طلب الإغاثة بالفعل والقوة . فإن لم يكن فبالشفاعة .
والناظم آل به المبالغة في الإطراء الذي نهى عنه الرسول صلى الله عليه وسلم إلى هذا الغلو والوقوع في هذه الزلقة العظيمة ونحو ذلك قوله في خطابه للنبي صلى الله عليه وسلم :
الأمان الأمان إن فؤادي ***** من ذنوب أتيتهن هراء
هذه علتي وأنت طبيبي ***** ليس يخفى عليك في القلب داء
فطلب الأمان من النبي صلى الله عليه وسلم وشكا إليه علة قلبه ومرضه من الذنوب فتضمن كلامه سؤاله من النبي صلى الله عليه وسلم مغفرة ذنبه وصلاح قلبه ، ثم أنه صرّح بأنه لا يخفى عليه في القلب داء فهو يعلم ما احتوت عليه القلوب . وقد قال سبحانه : { وممن حولكن من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم ( التوبة آية 101 ) وقال : { وآخرون من دونهـم لا تعلمونهم الله يلعمهم } ( الأنفال آية 60 ) وخفى عليه صلى الله عليه وسلم أمر الذين أنزل الله فيهم : { ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم } ( النساء آية 107 ) الآيات حتى جاء الوحي وخفى عليه صلى الله عليه وسلم أمر أهل الإفك حتى أنزل الله القرآن ببراءة أم المؤمنين رضي الله عنها وهذا في حياته فكيف بعد موته وهذا يقول : " وليس يخفى عليه في القلب داء " يعني أنه يعلم ما في القلوب والله سبحانه يقول : { والله عليم بذات الصدور } ( آل عمران آية 154 / والمائدة آية 7 ) وقال النبي صلى الله عليه وسلم : " إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إليّ ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو ما أسمع فمن قضيت له بحق أخيه فلا يأخذه فإنما اقطع له قطعة من النار " .
ـــــــــــــ
كتاب الرد على البردة للعلامة عبدالله بن عبدالرحمن أبابطين ( ت / 1282 هـ ) ( ص 361 / 362 / 363 / 387 / 388 / )
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كلام العلامة عبدالله بن عبدالرحمن أبابطين في البردة من كتابه كتاب تأسيس التقديس في كشف تلبيس داود بن جرجيس .
قال العلامة عبدالله بن عبدالرحمن أبابطين :
قول الناظم : إن من جودك الدنيا وضرتها : أ ي من عطائك وإنعامك وإفضالك الدنيا والآخرة ، وهذا كلام لا يحتمل تأويله بغير ذلك ، ووازن بين قول الناظم من جودك الدنيا وضرتها وبين قوله تعالى : ( قل إني لا أملك لكم ضراً ولا رشداً) [ الجن : 21 ] . وقوله ( قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ) [ الأنعام : 50 ] .
قال ابن كثير : " قل لا أقول لكم عندي خزائم الله " أي خزائن رزقه فأعطيكم ما تريدون ( ولا أعلم الغيب ) فأخبركم بما غاب مما مضى وما سيكون ( ولا أقول لكم إني ملك ) ؛ لأن الملك يقدر على ما لا يقدر عليه الآدمي ويشاهد ما لا يشاهده الآدمي .
وقوله تعالى : ( قل لا أملك لنفسي نفعاً ولا ضراً إلا ما شاء الله ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السـوء إن أنا إلا نذير وبشير لقوم يؤمنون) [ الأعراف : 118 ] . ص / 25
ــــــــــــ
وازن بين قول يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به سواك ، وبين قول الذي له النبي صلى الله عليه وسلم : " أجعلتني لله ندًّا حيث قال له ما شاء الله وشئت " . فهذا لو قال ما لي من ألوذ به إلا الله وأنت ، لكان أقبح من قول القائل ما شاء الله وشئت ؛ لأن الله أثبت للعبد مشيئة لقوله : لمن شاء منكم أن يستقيم [ التكوير 28 ] فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا [ الإنسان : 29 ] فكيف إذا أفرد الرسول باللياذ والالتجاء من عذاب ذلك اليوم لا تكلم فيه نفس إلا بإذنه ! . ص / 45
ـــــــــــ
قول صاحب البردة
إن لم تكن في معادي آخذاً بيدي ***** ومنقذي من عذاب الله والألم
هو استغاثة بل من أبلغ ألفاظ الاستغاثة، كقول الأبوين ( ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنـا وترحمنا لنكونن من الخاسرين ) [ الأعراف : 23 ] . وقول نـوح : (وإلا تغفر لي وترحمني أكـن من الخاسرين [ هود : 47 ] . وقول بني إسرائيل : لئن لم يرحمنا ربنا ويغفر لنا لنكونن من الخاسرين ) [ الأعراف : 149 ] . أترى أن الأبوين وجميع المذكورين يخبرون الله بأنه إن لم يغفر لهم ويرحمهم فهم خاسرون وأن هذا منهم مجرد إخبار ، بل كل أحد يعرف أن هؤلاء الذين أخبر الله عنهم بهذا الكلام يسألون الله ويرغبون إليه في أن يغفر لهم ويرحمهم ومعترفون بأنه إن لم يغفر لهم ويرحمهم فهم خاسرون .
وأما قول صاحب البردة وقول المشطِّر :
يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به ***** سواك عند حلول الحادث العم
إن لم تكن في معادي آخذاً بيدي**** ومنقذي من عذاب الله والألم
................................. ***** فضلاً وإلا فقل يا زلة القدم
أي وإن لم تأخذ بيدي وتنقذني من عذاب الله فقل يا زلة القدم . أي فأنا خاسر أو هالك ، فهـو كقول الأبوين ( وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكـونن من الخاسريـن ) [ الأعراف : 23 ] . وقول نـوح : ( وإلا تغفـر لي وترحمني أكن من الخاسرين ) [ هود : 47 ] . وقول بني إسرائيل ( لئن لم يرحمنا ربنا ويغفر لنا لنكونن من الخاسرين) [ الأعراف : 149 ] . ص / 58 / 59
ـــــــــــ
كتاب تأسيس التقديس في كشف تلبيس داود بن جرجيس . ص ( 25 / 45 / 58 / 59 )
للعلامة عبدالله بن عبدالرحمن أبابطين ـ رحمه الله ـ

...............
كلام العلامة محمد بن صالح بن عثيمين ـ رحمه الله ـ في البردة
قال الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين رحمه الله في كتابه "القول المفيد على كتاب التوحيد " (1/218) :
وقد ضل من زعم أن لله شركاء كمن عبد الأصنام أوعيسى بن مريم عليه السلام ، وكذلك بعض الشعراء الذين جعلوا المخلوق بمنزلة الخالق ؛ كقول بعضهم يخاطب ممدوحاً له :
فكن كمن شئت يامن لاشبيه له ***** وكيف شئت فما خلق يدانيك
وكقول البوصيري في قصيدته في مدح الرسول صلى الله عليه وسلم :
يا أكرمَ الخلْقِ مالي مَن ألوذُ به ***** سواك عند حدوثِ الحادثِ العَمــم
إن لم تكن في معادي آخذاً بيدي ***** فضلاً وإلا فقل يازلة القدم
فإن مِن جودك الدنيا وضَرتهـــا ***** ومن علومك علم اللوح والقلم
قال الشيخ ابن عثيمين حفظه الله: وهذا من أعظم الشرك لأنه جعل الدنيا والآخرة من جود الرسول صلى الله عليه وسلم، ومقتضاهُ أن الله جل ذكره ليس له فيهما شيء.
وقال -أي: البوصيري - [ومن علومك علم اللوح والقلم]، يعني : وليس ذلك كل علومك ؛ فما بقي لله علمٌ ولا تدبيرٌ ـ والعياذ بالله ـ . أ. هـ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
‍ "القول المفيد على كتاب التوحيد " (1/218)

...........
كلام العلامة صالح بن فوزان الفوزان في على البردة
قال العلامة صالح بن فوزان الفوزان في كتابه إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد :
قوله تعالى ; ولا شفيعٌ ; أي : واسطة ، يتوسط له عند الله ، ما أحد يشفع لـه يوم القيامة إلا بإذن الله سبحانه وتعالى ، وبشرط أن يكون هذا الشخص ممن يرضى الله عنه ، هذه شفاعة منفيّة فبطل أمر هؤلاء الذين يتخذون الشفعاء ويظنون أنهم يخلصونهم يوم القيامة من عذاب الله كما يقول صاحب " البردة " :
يا أكرم الخلق ما لي من أولذ به ***** سواك عند حلول الحادث العمم
إن لم تكن في معادي آخذاً ***** بيدي فضلاً وإلا فقل يا زلّة القدم
هذا على اعتقاد المشركين أن الرسول يأخذ بيده ويخلصه من النار ، وهذا ليس بصحيح ، لا يخلصه من النار إلا الله سبحانه وتعالى إذا كان من أهل الإيمان .
إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد ( 1 / 241 )
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عن أنس رضي الله عنه : أن أناساً قالوا يارسول الله ، ياخيرنا وابن خيرنا ، وسيدنا وابن سيدنا ، فقال (( يا أيها الناس قولوا بقولكم ، ولايستهوينكم الشيطان ، أنا محمد رسول ؛ عبد الله ورسوله ، ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله عز وجل )) رواه النسائي بسند جيد .
فهذان الحديثان يُستفاد منهما فوائد عظيمة :
الفائدة الأولى : فيه التحذير من الغلوّ في حقِّه صلى الله عليه وسلم عن طريق المديح ، وأنّه صلى الله عليه وسلم إنّما يوصف بصفاتِه التي أعطاهُ الله إيَّاها : العبوديّة والرِّسالة ، أمّا أن يُغلي في حقَّه فيوصف بأنّه يفرِّج الكُروب ويغفر الذنوب ، وأنه يستغاث به - عليه الصلاة والسلام بعد وفاته ، كما وقع فيه كثيرٌ من المخرِّفين اليوم فيما يسمّونه بالمدائح النبوية في أشعارهم : " البردة " للبوصيري ، وما قيل على نسجها من المخرفين، فهذا غلو أوقع في الشرك،
كما قال البوصيري :
يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به ***** سواك عند حلول الحادث العمم
إن لم تكن في معادي آخذاً بيدي ***** فضلاً وإلا فقل يا زلة القدم
فإن من جودك الدنيا وضرتها ***** ومن علومك علم اللوح والقلم
فهذا غلوٌّ - والعياذ بالله - أفضى إلى الكفر والشِّرْك ، حتى لم يترُك لله شيئاً ، كلّ شيء جعله للرسول صلى الله غليه وسلم : الدنيا والآخرة للرسول ، علم اللوح والقلم للرسول ، لا ينقذ من العذاب يوم القيامة إلا الرسول ، إذاً ما بقي لله عز وجل ؟
وهذا من قصيدةٍ يتناقلونها ويحفظونها ويُنشدونها في الموالد .
وكذلك غيرُها من الأشعار ، كلّ هذا سببه الغلوّ في الرّسول صلى الله عليه وسلم .
وأمّا مدحُه صلى الله عليه وسلم بما وصفه الله به بأنّه عبدٌ ورسول ، وأنه أفضل الخلق ، فهذا لا بأس به ، كما جاء في أشعار الصحابة الذين مدحوه ، كشعر حسان بن ثابت ، وكعب بن زهير ، وكذلك كعب بن مالك ، وعبدالله بن رواحة ، فهذه أشعار نزيهة طيبة ، قد سمعها النبي صلى الله عليه وسلم وأقرها ، لأنها ليس فيها شيءٌ من الغلو ، وإنما فيها ذكر أوصافه صلى الله عليه وسلم .
إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد ( 2 / 312 )
ـــــــــــــــــــــــ
ففي قوله : " عبدالله " ردٌّ على الغلاة في حقه صلى الله عليه وسلم .
وفي قوله : " رسوله " ردٌ على المكذبين الذين يكذّبون برسالته صلى الله عليه وسلم ، والمؤمنون يقولون : هو عبدالله ورسوله .
هذا وجهه الجمع بين هذين اللفظين ، أن فيهما رداً على أهل الإفراط وأهل التفريط في حقه صلى الله عليه وسلم .
وفيه : ردٌ على الذين غلو في مدحه صلى الله عليه وسلم من أصحاب القصائد ، كقصيدة البُردة والهمزية وغيرهما من القصائد الشركية التي غلت في مدحه صلى الله عليه وسلم ، حتى قال البوصيري :
يا أكرم الخلق ما لي من أولذ به ***** سواك عند حلول الحادث العمم
فنسي الله سبحانه وتعالى .
ثم قال :
إن لم تكن في معادي آخذاً بيدي ***** فضلاً وإلا فقل يا زلة القدم
يعني : ما ينجيه من النار يوم القيامة إلاّ الرسول .
ثم قال :
فإن من جودك الدّنيا وضرّتها ***** ومن علومك علم اللّوح والقلم
الدنيا والآخرة كلها من وجود النبي صلى الله عليه وسلم ، أما الله فليس له فضل ، هل بعد هذا الغلو من غلو ؟؟ .
واللّوح المحفوظ والقلم الذي كتب الله به المقادير هذا بعض علم النبي صلى الله عليه وسلم ، ونسي الله تماماً - والعياذ بالله - .
وكذلك من نهج على نهج البردة ممن جاء بعده ، وحاكاه في هذا الغلو ، هذا كله من الغلو في مدح النبي صلى الله عليه وسلم ومن الإطراء .
أما المؤمنون فيمدحون الرسول صلى الله عليه وسلم بما فيه من الصفات الحميدة والرسالة والعبودية ، كما أرشد إلى ذلك النبي صلى الله عليه وسلم ، كما عليه شعراء الرسول صلى الله عليه وسلم الذين مدحوه وأقرّهم ، مثل : حسّان بن ثابت ، وكعب بن مالك ، وكعب بن زُهير ، وعبدالله بن رواحة ، وغيرهم من شعراء الرسول صلى الله عليه وسلم الذين مدحوه بصفاته صلى الله عليه وسلم ، وردوا على الكفّار والمشركين .
هذا هو المدح الصحيح المعتدل ، الذي فيه الأجر وفيه الخير ، وهو وصفه صلى الله عليه وسلم بصفاته الكريمة من غير زيادة ولا نُقصان .
ومن الغلو في حقه صلى الله عليه وسلم : إحياء المولد كل سنة ، لأن النصارى يحيون المولد بالنسبة للمسيح على رأس كل سنة من تاريخهم ، فبعض المسلمين تشبه بالنصارى فأحدث المولد في الإسلام بعد مضي القرون المفضلة ، لأن المولد ليس له ذكر في القرون المفضلة كلها ، وإنما حدث بعد المائة الرابعة ، أو بعد المائة السادسة لما انقرض عهد القرون المفضلة ، فهو بدعة ، وهو من التشبه بالنصارى .
وتبين هنا ما يُستفاد من هذه الأحاديث باختصار :
المسألة الأولى : التحذير من الغلو في مدحه صلى الله عليه وسلم ، لأن ذلك يؤدي إلى الشرك ، كما أدى بالنصارى إلى الشرك .
المسألة الثانية : فيه الرد على أصحاب المدائح النبوية التي غلوا فيها في حقه صلى الله عليه وسلم ، كصاحب البردة ، وغيره .
المسألة الثالثة : فيه النهي عن التشبه بالنصارى ، لقوله : " كما أطرت النصارى ابن مريم " .
إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد ( 1 / 274 / 280 / 281 )
ــــــــــ
فإذا كان الرسول أنكر الاستغاثة به فيما يقدر عليه ، فكيف بالاستغاثة به فيما لا يقر عليه إلا الله سبحانه وتعالى ؟ ، وكيف بالاستغاثة بالأموات ؟ . هذا أشد إنكاراً.
وإذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم منع من الاستغاثة الجائزة في حياته تأدُّباً مع الله ، فكيف بالاستغاثة به بعد وفاته ؟ ، وكيف بالاستغاثة بمن هو دونه من الناس ؟ . هذا أمر ممنوع ومحرّم . وهذا وجه استشهاد المصنّف رحمه الله بالحديث للترجمة .
إذاً فقول البوصيري :
يا أكرم الخلق ما لي من أولذ به ***** سواك عند حلول الحادث العمم
إن لم تكن في معادي آخذاً ***** بيدي فضلاً وإلا قل يا زلّة القدم
فإن من جودك الدّنيا وضرّتها ***** ومن علومك علم اللّوح والقلم
أليس هذا من أكبر الشرك ؟
يقول : ماينقذ يوم القيامه إلا الرسول صلى الله عليه وسلم ، ولايخرج من النار إلا الرسول صلى الله عليه وسلم ، أين الله سبحانه وتعالى ؟ .
ثم قال : إن الدنيا والآخرة كلها من جود الرسول صلى الله عليه وسلم ، وعلم اللوح المحفوظ والقلم الذي كتب في اللوح المحفوظ بأمر الله هو بعض علم الرسول صلى الله عليه وسلم ، إذ الرسول صلى الله عليه وسلم يعلم الغيب .
وهذه القصيدة ـ مع الأسف ـ تطبع بشكل جميل وحرف عريض ، وتوزع ، وتقرأ ، ويُيعتنى بها أكثر مما يعتنى بكتاب الله عز وجل ، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .
إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد ( 1 / 202 )
ـــــــــــــــــــــ
بل إن بعض الغلاة يقول : إن التسمي بمحمد يكفي ، يقول صاحب البردة :
فإن لي ذمة منه بتسميتي محمداً ***** وهو أوفى الخلق بالذمم
لاينفع عند الله إلا العمل الصالح ، لا الأسماء ولا القباءل ، ولا شرف النسب ، ولا كون إنسن من بيت النبوة ، كل هذا لاينفع إلا مع العمل الصالح والاستقامة على دين الله عز وجل .
نعم القرابة من الرسول صلى الله عليه وسلم إذا كانت مع العمل الصالح لها فضل لاشك فيه ، فأهل البيت الصالحون المستقيمون على دين الله لهم حق ، ولهم شرف كرامة ، ويجب الوفاء بحقهم ، طاعة للرسول صلى الله عليه وسلم ، فإنه أوصى بقرابته وأهل بيته ، لكن
يريد القرابة وأهل البيت المستقيمين على طاعة الله عز وجل ، أما المخرّف والدجّال والمشعوذ الذي يعتمد على قرابته من الرسول صلى الله عليه وسلم ، ولكنه في العمل مخالف للرسول صلى الله عليه وسلم ، فهذا لا يُعنيه شيئاً عند الله ، لو كان هذا ينفع أبا لهب ، ونفع أبا طالب، ونفع غيرهم ممن لم يدخلوا في دين الله ، وهم من قرابة الرسول صلى الله عليه وسلم ، فالواجب أن نتنبّه لهذا .
إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد ( 1 / 201 )
ـــــــــــــــــــ
راجع كتاب إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد للشيخ العلامة / صالح بن فوزان الفوزان

منقول من موقع صيد الفوائد

في حفظ الله

ذات
03-14-2008, 01:45 AM
أولاً : سأعرضْ القصيدة البوصيريّة كاملة ،



1 أمِـنْ تذَكُّـرِ جيـرانٍ بـذي سلـمِ
............ مزجتَ دمعاً جرى من مقلـة ٍ بـدمِ
2 أمْ هبَّتِ الريحُ من تلقـاءِ كاظمـة
............ٍوأوْمَضَ البَرْقُ في الظلْماءِ مِنْ إضَمِ
3 فما لعينيكَ إن قلـتَ اكففـا هَمَتـا
............ ومَا لِقَلْبِك إنْ قُلْـتَ اسْتَفِـقْ يَهِـمِ
4 أَيَحْسَبُ الصَّـبُّ أنَّ الحُـبَّ مُنْكتِـمٌ
............ما بَيْنَ مُنْسَجِـم منـهُ ومضطَـرِمِ
5 لولاَ الهَوَى لَمْ تُرِقْ دَمْعاً عَلَى طَلَـلٍ
............ ولا أرقـتَ لذكـرِ البـانِ والــعَ ِ
6 فكيفَ تُنْكِرُ حُبَّـا بعـدَ مـا شَهِـدَتْ
............ بهِ عليـكَ عـدولُ الدَّمْـعِ والسَّقَـم
7 وَأثْبَتَ الوجْدُ خَطَّيْ عَبْـرَة ٍ وضَنًـى
............مِثْلَ البَهـارِ عَلَـى خَدَّيْـكَ والعَنَـمِ
8 نعمْ سرى طيفُ من أهوى فأرقنـي
............ والحُـبُّ يَعْتَـرِضُ اللَّـذاتِ بالأَلَـمِ
9 يا لائِمِي في الهَوَى العُذْرِيِّ مَعْـذِرَةً
............ منِّي إليكَ ولـو أنصفـتَ لـم تلُـمِ
10 عَدَتْـكَ حالِـيَ لا سِـرِّي بمُسْتَتِـرٍ
............ عـن الوُشـاة ِ ولادائـي بمنحسـمِ
11 مَحَّضَتْنِي النُّصْحَ لكِنْ لَسْتُ أَسْمَعُـهُ
............إنَّ المُحِبَّ عَن العُـذَّالِ فـي صَمَـمِ
12 إني اتهمتُ نصيحَ الشيبِ فـي عـذلٍ
............ والشَّيْبُ أَبْعَدُ في نُصْحٍ عَـنِ التُّهَـم
13 فـإنَّ أمَّارَتـي بالسـوءِ مااتعظـتْ
............من جهلها بنذيـرِ الشيـبِ والهـرمِ
14 ولا أَعَدَّتْ مِنَ الفِعْلِ الجَمِيـلِ قِـرَى
............ ضيفٍ المَّ برأسـي غيـر محتشـمِ
15 لو كنـتُ أَعْلَـمُ أنِّـي مـا أوَقِّـرُهُ
............ كتمتُ سِراً بـدا لـي منـهُ بالكتـمِ
16 من لي بِـرَدِّ جمـاٍ مـن غوايتهـا
............ كمـا يُـرَدُّ جمـاحُ الخيـلِ باللجـمِ
17 فلا تَرُمْ بالمعاصِي كَسْـرَ شَهْوَتِهـا
............ إنَّ الطعـامَ يُقَـوِّي شهـوة َ النهـمِ
18 والنفسُ كالطفلِ إن تهملهُ شَبَّ على
............ حُبِّ الرَّضـاعِ وإنْ تَفْطِمْـهُ يَنْفَطِـم
19 فاصرفْ هواها وحـاذرْ أنْ تُوَلِّيَـهُ
............ إنَّ الهوى ما تولَّى يُصـمِ أوْ يَصـمِ
20 وَراعِها وهيَ في الأعمالِ سائِمـة
............ ٌوإنْ هِيَ اسْتَحْلَتِ المَرْعَى فلا تُسِـم
21 كَمْ حَسَّنَـتْ لَـذَّة ٍ لِلْمَـرءِ قاتِلَـة
............ ًمن حيثُ لم يدرِ أنَّ السُّمَّ في الدَّسَـمِ
22 وَاخْشَ الدَّسائِسَ مِن جُوعٍ وَمِنْ شِبَع
............ فَرُبَّ مَخْمَصَـة ٍ شَـرٌّ مِـنَ التُّخَـمِ
23 واسْتَفْرِغ الدَّمْعَ مِنْ عَيْنٍ قد امْتَلأتْ
............ مِنَ المَحارِمِ وَالْـزَمْ حِمْيَـة َ النَّـدَمِ
24 وخالفِ النفسَّ والشيطانَ واعصهما
............ وإنْ هُما مَحَّضـاكَ النُّصـحَ فاتهـم
25 وَلا تُطِعْ منهما خَصْمـاً وَلا حَكمَـاً
............فأنْتَ تَعْرِفُ كيْـدَ الخَصْـمِ والحَكـمِ
26 أسْتَغْفِرُ الله مِـنْ قَـوْلٍ بِـلاَ عَمَـلٍ
............ لقد نسبتُ بـه نسـلاً لـذي عقـمِ
27 أمرتكَ الخيرَ لكـنْ ماائتمـرتُ بـهِ
............ وما استقمتُ فماقولي لـك استقـمِ
28 ولا تَـزَوَّدْتُ قبـلَ المَـوْتِ نافِلـة
ً ............ ولَمْ أُصَلِّ سِوَى فَرْضٍ ولَـمْ أَصُـمِ
29 ظلمتُ سُنَّة َ منْ أحيا الظـلامَ إلـى
............ أنِ اشْتَكَتْ قَدَماهُ الضُّـرَّ مِـنْ وَرَم
30 وشدَّ مِنْ سَغَـبٍ أحشـاءهُ وَطَـوَى
............ تحتَ الحجارة ِ كشحـاً متـرفَ الأدمِ
31 وراودتهُ الجبالُ الُشُّـمُّ مـن ذهـبٍ
............ عـن نفسـهِ فأراهـا أيمـا شمـمِ
32 وأكَّـدَتْ زُهْـدَهُ فيهـا ضـرورتـهُ
............ إنَّ الضرورة َ لاتعدو علـى العصـمِ
33 وَكَيفَ تَدْعُو إلَى الدُّنيا ضَرُورَة ُ مَنْ
............ لولاهُ لم تخرجِ الدنيـا مـن العـدمِ
34 محمدٌسيدُّ الكونينِ والثَّقَلَيْـيـنِ وال
............ فريقينِ مـن عُـربٍ ومـن عجـمِ
35 نبينَّـا الآمـرُ الناهـي فـلا أحـدٌ
............ أبَرَّ في قَوْلِ «لا» مِنْـهُ وَلا «نَعَـمِ»
36 هُوَ الحَبيبُ الـذي تُرْجَـى شَفاعَتُـهُ
............ لكل هـول مـن الاهـوال مقتحـم
37 دعا إلـى اللهِ فالمستمسكـونَ بـهِ
............ مستمسكونَ بحبـلٍ غيـرِ منفصـمِ
38 فاقَ النبيينَ في خلْـقٍ وفـي خُلُـقٍ
............ولـمْ يدانـوهُ فـي علـمٍ ولا كَـرَمِ
39 وكلهـمْ مـن رسـول اللهِ ملتمـسٌ
............ غَرْفاً مِنَ البَحْرِ أوْ رَشْفاً مِنَ الدِّيَـمِ
40 وواقفـونَ لديـهِ عـنـدَ حَـدِّهـمِ
............ من نقطة ِ العلمِ أومنْ شكلة ِ الحكمِ
41 فهْوَ الـذي تَـمَّ معنـاهُ وصُورَتُـه
........... ثمَّ اصطفاهُ حبيبـاً بـارىء ُ النَّسـمِ
42 مُنَّزَّهٌ عـن شريـكٍ فـي محاسنـهِ
............فَجَوْهَرُ الحُسْنِ فيـهِ غيـرُ مُنْقَسِـمَ
43 دَعْ ما ادَّعَتْهُ النَّصارَى فـي نَبيِّهِـمِ
............وَاحكُمْ بما شِئْتَ مَدْحاً فيهِ واحْتَكِـمِ
44 وانْسُبْ إلى ذاتِهِ ما شِئْتَ مِنْ شَرَفٍ
............ وَانْسُبْ إلى قَدْرِهِ ما شِئْتَ منْ عِظَـمِ
45 فإن فضـلَ رسـولِ اللهِ ليـسَ لـهُ
............ حَـدٌّ فيُعْـرِبَ عنـه ناطِـقٌ بـفَـمِ
46 لـو ناسبـتْ قـدرهُ آياتـهُ عظمـاً
............ أحيا اسمهُ حينَ يُدعى دارسَ الرِّمـمِ
47 لَمْ يَمْتَحِنَّا بما تعْمـل العُقـولُ بِـهِ
............ حِرْصاً علينا فلمْ نرتـب ولَـمْ نَهَـمِ
48 أعيا الورى فهمُ معناهُ فليس يُـرى
............ في القُرْبِ والبعدِ فيهِ غيـر منفحِـمِ
49 كالشمسِ تظهرُ للعينيـنِ مـن بُعُـدٍ
............ صَغِيرَة ٍ وَتُكِلُّ الطَّـرْفَ مِـنْ أمـمٍ
50 وكيفَ يُـدْرِكُ فـي الدُّنْيَـا حَقِيقَتَـهُ
............ قـومٌ نيـامٌ تسلَّـوا عنـهُ بالحُلُـمِ
51 فمبلـغُ العلـمِ فيـهِ أنـهُ بـشـرٌ
............ وأنـهُ خيـرُ خـلـقِ اللهِ كلـهـمِ
52 وَكلُّ آيِ أَتَى الرُّسْـلُ الكِـرامُ بهـا
............ فإنمـا اتَّصلـتْ مـن نـورهِ بهـمِ
53 فإنهُ شمـسٌ فضـلٍ هـمْ كواكبهـا
............ يُظْهِرْنَ أَنْوارَها للناسِ فـي الظُلَـم
54 أكـرمْ بخلـقِ نبـيٍّ زانـهُ خُلُـقٌ
............ بالحُسْنِ مُشْتَمِـلٍ بالبِشْـرِ مُتَّسِـمِ
55 كالزَّهرِ في تَرَفٍ والبَدْرِ في شَـرَفٍ
............ والبَحْر في كَرَمٍ والدهْرِ فـي هِمَـمِ
56 كأنـهُ وهـو فـردٌ مـن جلالتـهِ
............في عَسْكَرٍ حينَ تَلْقاهُ وفـي حَشَـمِ
57 كَأَنَّما اللُّؤْلُؤُ المَكْنـونُ فـي صَـدَفِ
............ من معدني منطـقٍ منـهُ ومبتسـمِ
58 لا طِيبَ يَعْدِلُ تُرْبـاً ضَـمَّ أَعْظُمَـهُ
............ طُوبَـى لِمُنْتَشِـقٍ منـهُ ومُلْتَـئِـم
59 أبان مولـدهُ عـن طيـبِ عُنصـرهِ
............يـا طِيـبَ مُبْتَـدَإٍ منـه ومُخْتَـتَـمِ
60 يومٌ تفـرَّسَ فيـهِ الفـرسُ أنهـم
............ ُقد أنذروا بحلـولِ البـؤسِ والنقـمِ
61 وباتَ إيوانُ كسرى وهـو منصـدعٌ
............ كشملِ أصحابِ كسرى غيـرَ ملتئـمِ
62 والنَّارُ خامِدَة ُ الأنفاس مِـنْ أَسَـفٍ
............ عليه والنَّهرُ ساهي العين من سـدمِ
63 وساء سلوة َ أن غاضـتْ بحيرتهـا
............ ورُدَّ واردها بالغيـظِ حيـن ظمـى َ
64 كأنَّ بالنارِ مابالماء من بلـلٍ حُزْنـاً
............ وبالمـاءِ مـا بالنَّـارِ مـن ضـرمِ
65 والجنُّ تهتـفُ والأنـوار ساطعـة
............ٌوالحَقُّ يَظْهَرُ مِنْ مَعْنى ً ومِنْ كَلِـم
66 عَموُا وصمُّوا فإعلانُ البشائـرِ لـمْ
............ تُسْمَعْ وَبارِقَة ُ الإِنْـذارِ لَـمْ تُشَـم
67 مِنْ بَعْدِ ما أَخْبَـرَ الأقْـوامَ كاهِنُهُـمْ
............ بـأَنَّ دينَهُـمُ المُعْـوَجَّ لَـمْ يَـقُـمِ
68 وبعدَ ما عاينوا في الأفقِ من شُهُـبٍ
............منقضة ٍ وفقَ مافي الأرضِ من صنمِ
69 حتى غدا عن طريقِ الوحيِ مُنهـزمٌ
............من الشياطينِ يقفـو إثـرَ منهـزمِ
70 كأَنُهُـمْ هَرَبـاً أبـطـالُ أَبْـرَهَـة ٍ
............ أوْ عَسْكَرٌ بالحَصَى مِنْ رَاحَتَيْهِ رُمِي
71 نَبْـذاً بـهِ بَعْـدَ تَسْبِيـحِ بِبَطْنِهمـا
............ نَبْذَ المُسَبِّـحِ مِـنْ أحشـاءِ مُلْتَقِـمِ
72 جاءتْ لدَعْوَتِهِ الأشجـارُ ساجِـدَة
............ًتَمْشِي إليهِ عَلَى سـاقٍ بِـلا قَـدَمِ
73 كأنَّما سَطَـرَتْ سَطْـراً لِمَـا كَتَبَـتْ
............ فروعها من بديعِ الخطِّ فـي اللقـمِ
74 مثلَ الغمامة ِ أنـى َسـارَ سائـرة
............ ٌتقيهِ حـرَّ وطيـسٍ للهجيـرِ حمـي
75 أقسمـتُ بالقمـرِ المنشـقِّ إنَّ لـهُ
............ مِنْ قَلْبِهِ نِسْبَـة ً مَبْـرُورَة َ القَسَـمِ
76 ومَا حَوَى الغارُ مِنْ خَيْرٍ ومَنْ كَـرَم
........... وكلُّ طرفٍ من الكفارِ عنـه عمـي
77 فالصدقُ في الغارِ والصديقُ لم يرِما
............ وَهُمْ يقولونَ مـا بالغـارِ مِـنْ أَرمِ
78 ظَنُّوا الحَمامَ وظَنُّو العَنْكَبُـوتَ علـى
............ خيْرِ البَرِيَّة ِ لَمْ تَنْسُـجْ ولـمْ تَحُـم
79 وقاية ُ اللهِ أغنتْ عـن مضاعفـة ٍ
............من الدروعِ وعن عالٍ مـن الأطـمِ
80 ما سامني الدهرُ ضيماً واستجرتُ بهِ
............إلاَّ ونلتُ جـواراً منـهُ لـم يضـمِ
81 ولا الْتَمَسْتُ غِنَى الدَّارَيْنِ مِـنْ يَـدِهِ
............ إلاَّ استلمتُ الندى من خيـرِ مُستلـمِ
82 لاتنكرُ الوحيَ مـن رؤيـاهُ إنَّ لـهُ
............ قَلْبـاً إذا نامَـتِ العَيْنـانِ لَـمْ يَنـمِ
83 وذاكَ حيـنَ بُلـوغٍ مِـنْ نُبُـوَّتِـهِ
............ فليـسَ يُنْكَـرُ فيـهِ حـالُ مُحْتَلِـمِ
84 تَبَـارَكَ الله مـا وحْـيٌ بمُكْتَسَـبٍ
............ وَلا نَبِـيٌّ عَلَـى غَـيْـبٍ بِمُتَّـهَـمِ
85 كَمْ أبْرَأَتْ وَصِبـا باللَّمْـسِ راحَتـهُ
............ وأَطْلَقَتْ أرِبـاً مِـنْ رِبْقَـة ِ اللَّمَـمِ
86 وأحْيَتِ السنَـة َ الشَّهْبَـاءَ دَعْوَتُـهُ
............حتى حَكَتْ غُرَّة ً في الأَعْصُرِ الدُّهُـمِ
87 بعارضٍ جادَ أو خلتَ البطـاحَ بهـا
............ سيبٌ من اليَمِّ أو سيلٌ مـن العـرمِ
88 دعني ووصفي آيـاتٍ لـه ظهـرتْ
............ ظهورَ نارِ القرى ليـلاً علـى علـمِ
89 فالدرُّ يـزدادُ حُسنـاً وهـو منتظـمٌ
............ وليسَ ينقصُ قـدراً غيـر منتظـمِ
90 فمـا تَطـاوَلُ آمـالُ المَدِيـحِ إلـى
............ ما فيهِ مِنْ كَرَمِ الأَخْـلاَقِ والشِّيَـمِ
91 آياتُ حقٍّ مـن الرحمـنِ محدثـة
........... ٌقَدِيمَة ٌ صِفَـة ُ المَوْصـوفِ بالقِـدَم
92 لم تقتـرنْ بزمـانٍ وهـي تخبرنـا
............عَن المعادِ وعَـنْ عـادٍ وعَـنْ إرَمِ
93 دامَتْ لَدَيْنـا فَفاقَـتْ كـلَّ مُعْجِـزَة
............ ٍمِنَ النَّبِيِّيـنَ إذْ جـاءتْ ولَـمْ تَـدُمِ
94 مُحَكَّماتٌ فمـا تبقيـنَ مـن شبـهٍ
............ لذي شقاقٍ وما تبغيـنَ مـن حكـمِ
95 ما حُورِبَتْ قَطُّ إلاَّ عادَ مِنْ حَـرَبٍ أَ
............ عْدَى الأعادي إليهـا مُلقِـيَ السَّلَـمِ
96 رَدَّتْ بلاغَتُهـا دَعْـوى مُعارِضِهـا
............ ردَّ الغيور يدَ الجانـي عـن الحُـرمِ
97 لها مَعانٍ كَمَوْجِ البَحْـر فـي مَـدَدٍ
............ وفَوْقَ جَوْهَرِهِ فِي الحُسْـنِ والقِيَـمِ
98 فمـا تُعَـدُّ وَلا تُحْصَـى عَجَائبُهـا
............ ولا تُسـامُ عَلَـى الإكثـارِ بالسَّـأَمِ
99 قرَّتْ بها عينُ قاريهـا فقلـت لـه
............ لقـد ظفِـرتَ بِحَبْـلِ الله فاعْتَصِـمِ
100 إنْ تَتْلُها خِيفَة ً مِنْ حَرِّ نـارِ لَظَـى
............ أطْفَأْتَ نارَ لَظَى مِنْ وِرْدِها الشَّجـمِ
101 كأنها الحوضُ تبيضُّ الوجـوه بـه
............ مِنَ العُصاة ِ وقد جـاءُوهُ كَالحُمَـمِ
102 وَكالصِّـراطِ وكالمِيـزانِ مَعـدِلَـة
............ ًفالقِسْطُ مِنْ غَيرها في الناس لَمْ يَقُمِ
103 لا تعْجَبَـنْ لِحَسُـودٍ راحَ يُنكِـرُهـا
........... تَجاهُلاً وهْوَ عَيـنُ الحـاذِقِ الفَهِـمِ
104 قد تنكرُ العينُ ضوء الشمسِ من رمدٍ
............ويُنْكِرُ الفَمُّ طَعْمَ المـاء مـنْ سَقَـم
105 يا خيرَ منَ يَمَّـمَ العافُـونَ ساحَتَـهُ
............سَعْيـاً وفَـوْقَ الأَيْـنُـقِ الـرُّسُـمِ
106 وَمَنْ هُو الآيَة ُ الكُبْـرَى لِمُعْتَبِـرٍ وَ
............مَنْ هُوَ النِّعْمَـة ُ العُظْمَـى لِمُغْتَنِـمِ
107 سريتَ من حـرمٍ ليـلاً إلـى حـرمِ
............ كما سرى البدرُ في داجٍ من الظلـمِ
108 وَبِتَّ تَرْقَى إلَـى أنْ نِلْـتَ مَنْزِلَـة
............ًمن قابِ قوسينِ لم تدركْ ولم تـرمِ
109 وقدَّمتـكَ جميـعُ الأنبيـاءِ بـهـا
............ والرُّسْلِ تَقْدِيمَ مَخْـدُومٍ عَلَـى خَـدَم
110 وأنتَ تخترق السبـعَ الطِّبـاقَ بهـمْ
............ في مَوْكِبٍ كنْتَ فيهِ صاحِـبَ العَلَـمِ
111 حتى إذا لَمْ تَـدَعْ شَـأْواً لمُسْتَبِـقٍ
............ مـن الدنـوِّ ولا مرقـيً لمستـنـمِ
112 خفضـتَ كـلَّ مقـامٍ بالإضافـة إذ
............ نُودِيتَ بالرَّفْعِ مِثْـلَ المُفْـرَدِ العَلَـم
113 كيمـا تفـوزَ بوصـلٍ أيِّ مستتـرٍ
............ عـن العيـونِ وسـرٍّ أيِ مُكتـتـمِ
114 فَحُزْتَ كـلَّ فَخَـارٍ غيـرَ مُشْتَـرَكٍ
............ وجُزْتَ كـلَّ مَقـامٍ غيـرَ مُزْدَحَـمِ
115 وَجَلَّ مِقْدارُ مـا وُلِّيـتَ مِـنْ رُتَـبٍ
............ وعزَّ إدْراكُ مـا أُولِيـتَ مِـنْ نِعَـمِ
116 بُشْرَى لَنا مَعْشَرَ الإسـلامِ إنَّ لنـا
............ مـن العنايـة ِ رُكنـاً غيرَمنهـدمِ
117 لمَّـادعـا الله داعيـنـا لطاعـتـهِ
............ بأكرمِ الرُّسـلِ كنَّـا أكـرمَ الأمـمِ
118 راعتْ قلـوبَ العـدا أنبـاءُ بعثتـهِ
............ كَنَبْأَة ٍ أَجْفَلَـتْ غَفْـلاً مِـنَ الغَنَـمِ
119 ما زالَ يلقاهـمُ فـي كـلِّ معتـركٍ
............حتى حَكَوْا بالقَنا لَحْماً علـى وضَـم
120 ودوا الفرار فكـادوا يغبطـونَ بـهِ
............أشلاءَ شالتْ مع العقبـانِ والرَّخـمِ
121 تمضي الليالي ولا يـدرونَ عدتهـا
............ ما لَمْ تَكُنْ مِنْ ليالِي الأَشْهُرِ الحُـرُمِ
122 كأنَّما الدِّينُ ضَيْـفٌ حَـلَّ سَاحَتَهُـمْ
............ بِكلِّ قَـرْمٍ إلَـى لحْـمِ العِـدا قَـرِم
123 يَجُرُّ بَحْرَ خَمِيـسٍ فـوقَ سابِحَـة
............ ٍيرمي بموجٍ مـن الأبطـالِ ملتطـمِ
124 مـن كـلِّ منتـدبٍ لله محتـسـبٍ
............ يَسْطو بِمُسْتَأْصِـلٍ لِلْكُفْـرِ مُصطَلِـم
125 حتَّى غَدَتْ مِلَّة ُ الإسلام وهْيَ بِهِـمْ
............ مِنْ بَعْدِ غُرْبَتِها مَوْصُولَـة َ الرَّحِـم
126 مكفولـة ً أبـداً منهـم بخـيـرٍ أبٍ
............وخير بعـلٍ فلـم تيتـم ولـم تئـمِ
127 هُم الجِبالُ فَسَلْ عنهـمْ مُصادِمَهُـمْ
............ ماذا رأى مِنْهُمُ فـي كـلِّ مُصطَـدَم
128 وسل حُنيناً وسل بدراً وسـلْ أُحُـداً
............فُصُولَ حَتْفٍ لهُمْ أدْهَى مِـنَ الوَخَـم
129 المصدري البيضَ حُمراً بعدَ ما وردت
............ من العدا كـلَّ مُسْـوَّدٍ مـن اللمـمِ
130 وَالكاتِبِينَ بِسُمْرِ الخَـطِّ مَـا تَرَكَـتْ
............ أقلامهـمْ حرفَجسـمٍ غبـرَ منعجـمِ
131 شاكي السِّلاحِ لهم سيمـى تميزهـمْ
............ والوردُ يمتازُ بالسيمى عـن السلـمِ
132 تُهدى إليكَ ريـاحُ النصـرِ نشرهـمُ
............ فتحسبُ الزَّهرَ في الأكمامِ كلَّ كمـي
133 كأنهمْ في ظهورِ الخيـلِ نبـتُ رُبـاً
............ مِنْ شِدَّة ِ الحَزْمِ لاَ مِنْ شِدَّة ِ الحُـزُم
134 طارت قلوبُ العدا من بأسهمِ فرقـاً
............فما تُفَرِّقُ بيـن البهمـش والبُهـمِ
135 ومن تكـنْ برسـول الله ونصرتُـه
............ إن تلقهُ الأُسدُ فـي آجامهـا تجـمِ
136 ولن ترى من ولـيٍّ غيـر منتصـرِ
............ بهِ ولا مِـنْ عَـدُوّ غَيْـرَ مُنْعَجِـمِ
137 أحـلَّ أمَّتَـهُ فـي حــرزِ ملَّـتـهِ
............ كاللَّيْثِ حَلَّ مَعَ الأشبـال فـي أجَـم
138 كمْ جدَّلَـتْ كلمـاتُ اللهِ مـن جـدلٍ
............ فيهِ وكم خَصَمَ البُرْهانُ مِـنْ خَصِـمِ
139 كفاكَ بالعِلْمِ فـي الأُمِـيِّ مُعْجِـزَة
........... ًفي الجاهلية ِ والتأديـبِ فـي اليتـمِ
140 خَدَمْتُـهُ بِمَديـحٍ أسْتَقِـيـلُ بِــهِ
............ ذُنُوبَ عُمْرٍ مَضَى في الشِّعْرِ والخِدَم
141 إذ قلدانـي مـا تُخشـى عواقـبـهُ
............ كَأنَّنـي بهمـا هَـدْيٌ مِـنَ النَّعَـم
142 أطَعْتُ غَيَّ الصِّبَا في الحَالَتَيْنِ ومَـا
............حصلـتُ إلاَّ علـى الآثـامِ والنـدمِ
143 فياخسـارة َ نفـسٍ فـي تجارتهـا
............لم تشترِ الدِّينَ بالدنيـا ولـم تَسُـمِ
144 وَمَـنْ يَبِـعْ آجِـلاً منـهُ بِعاجِلِـهِ
........... يَبِنْ لهُ الغَبْنُ في بَيْـعِ وَفـي سَلَـمِ
145 إنْ آتِ ذَنْباً فمـا عَهْـدِي بِمُنْتَقِـضٍ
............ مِـنَ النبـيِّ وَلا حَبْلِـي بِمُنْصَـرِمِ
146 فـإنَّ لـي ذمـة ً منـهُ بتسميتـي
............مُحمـداً وَهُـوَ الخَلْيـقِ بالـذِّمَـمِ
147 إنْ لَمْ يَكُن في مَعادِي آخِـذاً بِيَـدِي
............ فضـلاً وإلا فقـلْ يازَلَّـة َ الـقـدمِ
148 حاشاهُ أنْ يحرمَ الرَّاجـي مكارمـهُ
............أو يرجعَ الجارُ منهُ غيـرَ محتـرمِ
149 ومنـذُ ألزمـتُ أفكـاري مدائحـهُ
........... وَجَدْتُـهُ لِخَلاصِـي خيـرَ مُلْـتَـزِم
150 وَلَنْ يَفُوتَ الغِنى مِنْـهُ يـداً تَرِبَـتْ
............إنَّ الحَيا يُنْبِتُ الأزهـارَ فـي الأكَـمِ
151 وَلَمْ أُرِدْ زَهْرَة َ الدُّنْيا التي اقتطَفَـتْ
............ يدا زُهيرٍ بمـا أثنـى علـى هـرمِ
152 يا أكرَمَ الرُّسْلِ مالي مَنْ أَلُـوذُ بـه
............ سِوَاكَ عندَ حلـولِ الحـادِثِ العَمِـمِ
153 وَلَنْ يَضِيقَ رَسولَ الله جاهُـكَ بـي
............ إذا الكريـمُ تَحَلَّـى باسْـمِ مُنْتَـقِـمِ
154 فإنَّ من جُـودِكَ الدنيـا وَ ضَرَّتهـا
............ ومن علومكَ علـمَ اللـوحِ والقلـمِ
155 يا نَفْسُ لا تَقْنَطِي مِنْ زَلَّة ٍ عَظُمَـتْ
............إنَّ الكَبائـرَ فـي الغُفـرانِ كاللَّمَـمِ
156 لعلَّ رحمة َ ربـي حيـن يقسمهـا
............تأتي على حسب العصيانِ في القسمِ
157 ياربِّ واجعل رجائي غيـر منعكـسٍ
............لَدَيْكَ وَاجعَلْ حِسابِي غَيـرَ مُنْخَـزِمِ
158 والطفْ بعبدكَ في الداريـنِ إنَّ لـهُ
............ صبراً متى تدعـهُ الأهـوالُ ينهـزمِ
159 وائذنْ لِسُحْبِ صلاة ٍ منـكَ دائمـة
............ٍعلـى النبـيِّ بمنهـلٍّ ومنسـجـمِ
160 ما رَنَّحَتْ عَذَباتِ البانِ ريـحُ صَبـاً
............ وأطْرَبَ العِيسَ حادي العِيسِ بِالنَّغَـمِ


تمّت .


لي عودة ن بعون الله .

ذات
03-21-2008, 08:48 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

لا يُصدّق بالكرامات المُحاكة حول ( شفاعة البُردة ... لصاحبها _ هذا أن صحّت الرواية _ أو صحّ راويها ) لا يُصدّق ذلك ، أو مايُزعم من أنها تشفي ... الا ناقص !!
مما يُنسب للشافعي رحمه الله _ أو غيره _ : ( الشعر ... حسنُه حسن ، وقبيحه قبيح ) ، وكذا هذه المزعومة ( أنها بُردة ) ! .... فيها من الحُسن / وعليها من المآخذ ماوضّحه العلماء هنا ، ولا اعتراض على توضيحاتهم ، الا ماسأراه بذوقي الفنّي ... بعيداً عن المدلول الاصطلاحي المُحض .لهذا فأن الأجزاء التي تلوّنت بها القصيدة ، تظلّ بارعة البهاء والحسن والجمال ، والسقط الذي نالها ينال تلك الأبيات والأجزاء ، ولا يُنقص من قدر غيرها شيئاً ،
أعني : الجزء الأول ( التشبيب والنسيب العفيف _ من 1 _ 11 ) ثم يليه الجزء الثاني : ( شكوى المشيب و زجر نفسه الأمارة بالسوء ، من 12 _ 16 ) الجزء الثالث ( في النصح والتزهيد ، من 13 _ 28 ) ثم خَلَص للجزء الذي امتدح فيه سيّد الخلق عليه الصلاة والسلام وهو الجزء الرابع وأطول أجزائها لأنه عمادها : ( من 29 _ 154 ) ، وهذا هو الجزء الذي حمّله البوصيري بكثير من الغلوّ المُحرّم ، والتجاوز لثوابت عقيدة الاسلام ، وان كنت أرى أن بعضها يحِق له أن يُخرّج تخريجاً فنّياً حسناً ، وسأفصّله فيما يأتِ بعون الله ، ثم كان الجزء الخامس و هو خاتمة القصيدة : ( رجاء ودعاء للربّ سبحانه من 155 _ 160 ) ، حتى ختمها بالصلاة والسلام على أشرف المُلرسلين ، صلى الله عليه وسلم .
______________________________________________________

وهذا سبب اعتراضي على عبارة المؤلّف : ( على كل مسلم ولع بهذه القصيدة أن يشتغل بالعلم النافع ) .
ولا أزعم أنها علماً نافعاً ، ولكنها من الشعر الجيّد معنىً وبناءً ، الا فيما ماذمّه العلماء ، وتبقى تلك القوادح قوادح عقدية في أبيات من بردة البوصيري ، وليست في كل القصيدة .

ذات
03-21-2008, 09:19 AM
[ 1 - يقول البوصيري :

وكيف تدعو إلى الدنيا ضرورة من * * * لولاه لم تُخرج الدنيا من العدم

ولا يخفى ما في عَجُز هذا البيت من الغلو الشنيع في حق نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم- حيث زعم البوصيري أن هذه الدنيا لم توجد إلا لأجله -صلى الله عليه وسلم- وقد قال - سبحانه : " ومَا خَلَقْتُ الجِنَّ والإنسَ إلاَّ لِيَعْبُدُونِ " [الذاريات : 56] ، وربما عوّل أولئك الصوفية على الخبر الموضوع : لولاك لما خلقت الأفلاك [10] . ]

لا أحد يُنكر ماسبق ، من أن الله عز وجل خلق الخلق لعبادته ، أم قوله ( لولاه لم تُخرج الدنيا من العدم ) يُمكن تخريجه أن الشاعر يعني أنه لولا مجيئه بالنور والحق ، لظلّت البشرية تتخبط في ظلام العدم الروحي والفكري ، تسير في حياة بلا هدف ، ودون ايمان وعمل للحياة التي بعدها ، أليس ذلك عدماً ، لأنه سيأتي ويرتحل سدىً !

[2 - قال البوصيري :

فاق النبيين في خَلق وفي خُلُق * * * ولم يدانوه في علم ولا كرم
وكلهم من رسول الله ملتمس * * * غرفاً من البحر أو رشفاً من الديم

أي أن جميع الأنبياء السابقين قد نالوا والتمسوا من خاتم الأنبياء والرسل محمد -صلى الله عليه وسلم- فالسابق استفاد من اللاحق !

فتأمل ذلك وقارن بينه وبين مقالات زنادقة الصوفية كالحلاج القائل : إن للنبي نوراً أزلياً قديماً كان قبل أنه يوجد العالم ، ومنه استمد كل علم وعرفان ؛ حيث أمدّ الأنبياء السابقين عليه ..

وكذا مقالة ابن عربي الطائي أن كل نبي من لدن آدم إلى آخر نبي يأخذ من مشكاة خاتم النبيين [11] . ]
:41: ولكن البيت الذي يسبقه جميل وصحيح ، والرد يختص بالبيت الثاني و حسب .

[5 - وقال أيضا :

لا طيب يعدل ترباً ضم أعظمه * * * طوبى لمنتشق منه وملتثم

فقد جعل البوصيري التراب الذي دفنت فيه عظام رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أطيب وأفضل مكان ، وأن الجنة والدرجات العلا لمن استنشق هذا التراب أو قبَّله ، وفي ذلك من الغلو والإفراط الذي يؤول إلى الشرك البواح ، فضلاً عن الابتداع والإحداث في دين الله - تعالى - .

قال شيخ الإسلام - رحمه الله - : واتفق الأئمة على أنه لا يمس قبر النبي - صلى الله عليه وسلم- ولا يقبله ، وهذا كله محافظة على التوحيد [18] . ]

ولمَ لا يكون هو أفضل تراب على هذه الأرض ، نعم ولا طيب يعدل أرضاً ضمّت أعظُمُه ، وهي الروضة الشريفة ، ثم مدينته المحبوبة ، أما قوله ( طوبى ) والذي هي من أسماء جنّة النعيم ، فأنّ من المتعارف عليه شعراً ونثراً ، وحتى حديثاً متداولاً أن يقال : ( طوبى لمن حاز كذا ... أو طوبى لمن قال كذا ) ، وهو من باب الدعاء ، لا التقرير ، كما نقول تماماً ( لا فض فوك ) ، فلماذا لا يكون البوصيري يعني : ( طوبى لمن حلّ هذه الأرض ) من جهة الدعاء للسّاكن ، أرى أن البيت جميلاً ولا غبار عليه . هذا ليس اعتراضاً على أجلاّء علماء الدين ونظراتهم ولكن قصر الأدب على المصطلحات الدينية ، دون تخريجها مخرج المجاز سيهدم الكثير !

[ 9 - وقال البوصيري :

إن لم يكن في معادي آخذاً بيدي * * * فضلاً وإلا فقل يا زلة القدم :41:

والشاعر في هذا البيت ينزل الرسول منزلة رب العالمين ؛ إذ مضمونه أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- هو المسؤول لكشف أعظم الشدائد في اليوم الآخر ، فانظر إلى قول الشاعر ، وانظر في قوله - تعالى - لنبيه -صلى الله عليه وسلم- : " قُلْ إنِّي أَخَافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ " [الزمر : 13] .

ويزعم بعض المتعصبين للقصيدة أن مراد البوصيري طلب الشفاعة ؛ فلو صح ذلك فالمحذور بحاله ، لما تقرر أن طلب الشفاعة من الأموات شرك بدليل قوله - تعالى - : " ويَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ ولا يَنفَعُهُمْ ويَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَوَاتِ ولا فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ " [يونس : 18] ، فسمى الله - تعالى - اتخاذ الشفعاء شركاً [23] .]

ليس تعصّباً للقصيدة ، بقدر ماأرى أن الشاعر يرجو أن ينال الشفاعة الكبرى من النبي _ صلى الله عليه وسلم _ والتي وعدناها نبيّنا يوم المحشر والمعاد ، وظاهر البيت يدل أنه يرجوها يوم المعاد ويدلّ على ذاك قوله ( معادي ) أي يوم أن أعود لربّ العالمين في يوم المعاد وهو من أسماء يوم القيامة ، كما أن قرينة ( زلّة القدم ) تؤكّد ذلك ، لعلّه يشير الى المسير على الصراط !
______________________________________________

هذا وأرى أن قوله :

فإن من جودك الدنيا وضرتها * * * ومن علومك علم اللوح والقلم
بيت فاحش الجُرم ... و لعلّه أشدّ الأبيات قدحاً في العقيدة الصافية .



اللهم صلّ على محمد وأزواجه وذريته كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم ؛ إنك حميد مجيد ... وارزقنا شفاعته يوم الدين .

ذات
03-21-2008, 09:46 AM
( كان -صلى الله عليه وسلم- يقوم لله بالشهادة فيعطي كل ذي حق حقه ، وفي سيرته العطرة مئات الشواهد التي تفيد التزامه المطلق بإنزال الناس منازلهم ، وذكر محاسنهم وميزاتهم ، مهما كان انتماؤهم وحيث كان موقعهم فهذا هو يقول : » أصدق كلمة قالها شاعر كلمة لبيد : ألا كل شيء ما خلا الله باطل « .
مع أن لبيد وقتها كان كافراً ، ومن الجدير بالذكر هنا أن عثمان بن مظعون رضي الله عنه سمع لبيداً ينشد البيت فلما قال :
ألا كل شيء ماخلا الله باطل
قال له عثمان : صدقت ، فلما قال :
وكل نعيم لا محالة زائل
قال له عثمان : كذبت ، نعيم الجنة ليس بزائل .
وإن المرء ليعجب لهذا الإنصاف أيضاً من عثمان المقتبس من مدرسة النبوة حيث أثنى في النصف الأول على لبيد ، ويكذبه في النصف الثاني ! ! . ) :) *
____________________________________________________

* منقول بتصرف عن : شبكة " صيد الفوائد " .

تعقيب : هذا ماأردتُه من ردودي السابقة ، فهذا هو عثمان بن مظعون رضي الله عنه ، لم يثنيه أن يضيف بعد ماأثنى عليه السلام على الشطر الأول وفي وقت لاحق ، وفي غير المجلس ، لم يمنعه ذلك أن يكذب الشاعر في جزء ويصدقه في الآخر . ولم يكتفِ بمديح النبي لأحد شطري البيت .
وهذا هو بيت النابغة مازال يُنشد ، ونتلذّذ به .


والسلام عليكم .

حمد السبر
03-30-2008, 09:42 AM
السلام عليكم

شكراً لك ياذات على متابعتك وإضافة الرأي الآخر.

في حفظ الله

(( مـَـطَـرْ ))
04-20-2008, 07:58 PM
قـرأتـ هذا الموضوعـ بـعيـنـ مبتسمــة ،
جــزاكـ الله كلـ الخيـر أستـاذ ، حمد ،
ومثــلهـ للأختـ الأديـبـة ذاتـ ، فقـد كانتـ تعقـبـاتكـ الـواعيـة تنمـ عنـ أدبيـة عالــيــة جــدا ، ومنهـجيــة حــواريـــة فكــريــة راقيــة ،

قطــراتيـ ،،