بدر سليم
02-14-2008, 01:57 AM
الخليوي يقدم مجموعته الأولى بعد ربع قرن من الزهد..<O:p</O:p
<O:p</O:p
جريدة عكاظ/ عبدالعزيز الخزام (جدة)<O:p</O:p
عندما وقع عقد "النشر المشترك" مع النادي الأدبي بحائل, كان يبدو سعيدا ومرتاحا للحفاوة التي استقبل بها ابداعه القصصي, وكان يبدو في غاية الرضا وهو يعلن: "سأكرر نشر وطباعة ما لدي من أعمال أدبية لا تقتصر على السرد فحسب". واليوم يطل "فهد الخليوي" متأخرا لأكثر من ربع قرن, بمجموعته القصصية الاولى "رياح وأجراس", والتي صدرت في كل من: حائل وبيروت, لدى: النادي الأدبي بحائل ومؤسسة الانتشار العربي, ضمن مشروع النشر المشترك الموقع بين المؤسستين الثقافيتين.
ولايخلو هذا الإصدار المميز والمهم من بعض المفارقات: مجموعة كبيرة من نصوص المجموعة ترجمت الى الفرنسية ونشرت قبل فترة طويلة من نشرها بالعربية.
وقد قام بذلك المترجم التونسي ابراهيم درغوثي منذ أكثر من عامين, في مبادرة شخصية من المترجم الذي اعتبرها بمثابة "تحية صغيرة" لهذا المبدع الذي عرفته الساحة المحلية بوصفه واحدا من ابرز الكتاب الصادقين والزاهدين في الاضواء والشهرة.
ويبدو الخليوي في هذه المجموعة مشدودا الى القصة القصيرة جدا, ليجعل القارئ يستحضر البعد الزمني الكامن خلف هذه التجربة الثرية التي كان الخليوي, وهو أحد الرواد في الصحافة الثقافية ايضا, ويعد واحدا من الاسماء الاولى التي خاضت تجربة الكتابة القصصية القصيرة جدا في الساحة المحلية.
مقدمة الزهد والصمت
ولايخفي الشاعر علي الدميني, الذي كتب مقدمة المجموعة, مشاعر البهجة الخاصة باحتفائه بموافقة الخليوي على اصدار مجموعته الاولى, ويقول الدميني في المقدمة التي جاءت تحت عنوان "فهد الخليوي: الزهد في الاضواء وكتابة الصمت", بأن هذا الاحتفاء يتيح لنا رؤية كاتب وقاص عمل في سياق تطور مفهوم الكتابة الادبية في بلادنا, منذ أوائل السبعينات الميلادية وحتى اليوم.
جماليات القصص
ومن "المقدمة" نقتطف الأجواء التالية:
فهد الخليوي اسم يحتل في الذاكرة مساحة أكثر غنى وتأثيرا من جماليات نصوصه التي استمتعت بقراءتها ضمن هذه المجموعة وخارجها, لأن كتابته الثقافية والإبداعية, التي احتفظ قراؤه ومجايلوه بفاعلية حضورها أكثر مما زهد الكاتب في الحفاظ على نصوصها الاصلية (حيث مزق الكثير منها), تؤرخ لمرحلة انتقال من ذائقة الى ضدها, ومن حساسية إلى بديلها, على الصعيدين الدلالي والجمالي معا"."منذ كتاباته المبكرة في الصحافة المحلية في مطلع السبعينات, اختط "فهد الخليوي" لنفسه مسارا واضح المعالم, لايركن الى المهادنة أو استمراء مجانية الكلمة, كما لم ينخدع بما تعد به من مغانم زائفة.
ولذلك ذهب الى صومعة "الزهد" الفاضلة منذ مطلع التسعينات, بعد أن أسهم بشكل فاعل في الاشراف على الصفحات الثقافية في مجلة "إقرأ", وحفر اسمه خلالها كمثقف تنويري, ومبدع يعمل ضمن سياق الباحثين عن رؤى متسائلة, وآفاق ممكنة لكتابة جديدة".<O:p</O:p
<O:p</O:p
http://www.okaz.com.sa/okaz/osf/20080208/Con20080208171567.htm (http://www.okaz.com.sa/okaz/osf/20080208/Con20080208171567.htm)<O:p></O:p>
<O:p</O:p
الزهد في الأضواء و كتابة الصمت..<O:p</O:p
علي الدميني الحياة - 12/02/08//<O:p></O:p>
باطمئنان مبكر يمكنني القول بأن فهد الخليوي الإنسان والكاتب والمبدع، ينتمي إلى شجرة صحراوية تمتلك قدرتها على التعاطي مع وسطها الحياتي - في مختلف أبعاده - وفق منطلقين هما: الزهد في الأضواء، والاحتفاظ بالقدرة على متابعة «كتابة الصمت» الفاعلة، مدفوعاً بوعيه الثقافي وحساسيته الفنية، في صياغة معادلة ذهبية تضمن للذات استقلاليتها وتفردها، إزاء تعالقاتها مع الواقع وإكراهاته.
وهذه الشجرة من الكتاب الذين عرفتهم ساحتنا الثقافية المحلية في المملكة، (من «حمزة شحاته، ومحمد العلي إلى فهد الخليوي، وأقرانه)، تمتعت بقدرات متفردة مكنتها من المحافظة على معادلات الحرية والاستقلالية الذاتية، إزاء اشتراطات التواصل مع الآخر، وامتلكت الجرأة والجلد على نقد إنجاز الذات المبدعة أولاً، من خلال نسيانه أو حجبه عن الظهور، وبالتالي امتلكت الشجاعة والصدقية في نقد منجز الآخر تالياً، بحيث استطاعت من خلال ما انطوت عليه من ملكات «الزهد» في الأضواء والشهرة، أن تمضي في العمل على إبداع كتابة تتسم بالجرأة والصدق والتقشف في آن.
لا نحتفي بمجموعة فهد الخليوي الأولى، من خلال النص الماثل بين أيدينا فحسب، وإنما نستحضر البعد الزمني العميق الكامن خلف هذه الإطلالة المتأخرة، لأكثر من ربع قرن على الأقل، لنرى كاتباً وقاصاً عمل في سياق تطور مفهوم الكتابة الأدبية في بلادنا، منذ أوائل السبعينات الميلادية، وحتى اليوم. ذلك أن الكاتب ومجايليه، المهمومين بقضايا الكتابة الواعية والمتجاوزة، كانوا من الأسماء المؤسسة لحساسية كتابة مغايرة، ومغامرة أيضاً، شهدت على أزمنة التحولات المفصلية في حياتنا الثقافية، فغدوا نصاً آخر اختط طريقه، وأثث بيته الأدبي وفق ما استدعته المرحلة من معادلات التحدي والاستجابة... التفاعل والتراكم... الحنين والإفاقة.
فهد الخليوي اسم يحتلّ في الذاكرة مساحة أكثر غنى وتأثيراً من جماليات نصوصه، التي استمتعت بقراءتها ضمن هذه المجموعة وخارجها، لأن كتابته الثقافية والإبداعية، التي احتفظ قراؤه ومجايلوه بفاعلية حضورها أكثر مما زهد الكاتب في الحفاظ على نصوصها الأصلية (حيث مزق الكثير منها)، تؤرخ لمرحلة انتقال من ذائقة إلى ضدها، ومن حساسية إلى بديلها، على الصعيدين الدلالي والجمالي معاً.
فهد الخليوي «شكّل مع آخرين قنطرة للعبور ما بين حالين، وما بين مناخين، مشتبكين بجدل المبنى والمعني، وأخطوطة الرؤيا والتعبير، وشراسة البحث عن أفق دال على ذاته، إلى مدلول يبحث عن تحقق تلك الذات.
... ومنذ كتاباته المبكرة في الصحافة المحلية في مطلع السبعينات، اختط فهد الخليوي لنفسه، مساراً واضح المعالم، لا يركن إلى المهادنة أو استمراء مجانية الكلمة، كما لم ينخدع بما تعد به من مغانم زائفة. ولذلك ذهب إلى صومعة «الزهد» الفاضلة منذ مطلع التسعينات، بعد أن أسهم بشكل فاعل في الإشراف على الصفحات الثقافية في مجلة «اقرأ»، وحفر اسمه خلالها مثقفاً تنويرياً، ومبدعاً يعمل ضمن سياق الباحثين عن رؤى متسائلة، وآفاق ممكنة لـ «كتابة جديدة».
... وإذ لا يتيح لي فضاء كهذا الذي اخترته مقدمة احتفائية، بموافقة «مبدعنا» على المضي في تجربة نشر مختارات من نصوصه القصصية، لتدوين قراءة مستمتعة بالنص، فسأكتفي بالإشارة إلى ما تحفل به هذه المختارات من ممكنات القراءة التأويلية المبنية على مفهوم النص القصصي القصير، من حيث ارتباطه بالسرد البدائي وبناه الأسطورية الرمزية، القريبة من تشكيل البنية الشعرية، في ارتكازهما على «التكثيف لا التوسع، والتركيز لا التشتيت»، بحسب الناقد عواد علي، (وأذكِّر القارئ هنا بأن القاص يكتب القصيدة إلى جانب كتابته للقصة القصيرة، والقصيرة جداً).
ولذا فإننا نلحظ في هذه القصص غياب البعد الواقعي (الكنائي) للشخصيات والأمكنة، وحضورها كشخصيات وأمكنة مؤسلبة، أكثر من حضورها كذوات حقيقية، كما يقول بذلك نورثورب فراي. فالمرأة في قصة «سطور من تراث الوأد» التي تتعرض إلى عملية وأد جماعية، لا تحيل إلى مخيال امرأة محددة الملامح والسيرة الحياتية، وإنما تتحول إلى مكمن للتأمل والتأويل، يستذكر تراث الوأد القديم والمعاصر للمرأة، مثلما تغدو موازياً رمزياً لوأد الحقيقة... وأد المستقبل... ووأد الحرية أيضاً.
والمرأة في قصة «ظلام» لا تشير إلى كينونة إنسانية بذاتها فحسب، وإنما إلى حال اجتماعية عامة تشمل الوجود بين الفردي والجمعي معاً، حتى يصبح التعبير عنها في النص دالاً على صراع رغبات مقموعة وهواجس مضمرة لكسر حواجز القيد، تتهيأ لكشف الحجاب عن مكنوناتها، التي غشيتها الظلمة من شدة لبس (القناع/الأقنعة).
فالقناع لا يخص المرأة المؤسلبة في النص، وإنما يغدو دالاً شديد الاتساع لحال مجموعة من الناس، أو قوم من الأقوام، هم في أمسّ الحاجة إلى نزع الحجاب عن أعينهم، لكي يروا واقعهم كما هو، ولكي يبلغوا مساحات الأزمنة المضيئة. ... وفي هذا السياق لا أجد أجمل من اجتزاء مفتتح كتابة الدكتورة «شادية شقروش» من الجزائر عن مجموعة الخليوي بعنوان: «سلطة الكتابة بين المبدع والمتلقي قراءة في نصوص فهد الخليوي السردية»، والتي نشرتها في صحيفة «عكاظ» على مدى ثلاث حلقات، قائلة: «يرتكز المقياس الجمالي والفني والحضاري على إنتاج المتميز والأجمل والخالد، وبصورة أدق، المختلف».
من هذا المنطلق يكون الإبداع الحقيقي في براعة البناء والسعي إلى مخالفة السائد، والمألوف، وبالتالي فالتمرد الأدبي القائم على رؤيا فيها نوع من الصفاء والحكمة، سيقودنا بالضرورة إلى الاختلاف، لذا كان لكل انحراف وعدول منطقه الخاص.
من هذا المنطلق تصبح الكتابة عنتاً والقراءة متعة أو ما يسميه رولان بارتRoland Barth- «لذة النص».
ولا شك عندي في أن ما يكتبه القاص فهد الخليوي يقع ضمن هذا الإطار الذي نستمتع به، ونتشوّف معه إلى مزيد من العمل الدؤوب على الاستمرار في تطوير فاعلية ما يضمره من إضافة وتميز.<O:p</O:p
<O:p</O:p
http://www.alhayat.com/culture/02-2008/Article-20080211-0a442f88-c0a8-10ed-01dd-6f82d1f55b06/story.html<O:p></O:p>
<O:p</O:p
جريدة عكاظ/ عبدالعزيز الخزام (جدة)<O:p</O:p
عندما وقع عقد "النشر المشترك" مع النادي الأدبي بحائل, كان يبدو سعيدا ومرتاحا للحفاوة التي استقبل بها ابداعه القصصي, وكان يبدو في غاية الرضا وهو يعلن: "سأكرر نشر وطباعة ما لدي من أعمال أدبية لا تقتصر على السرد فحسب". واليوم يطل "فهد الخليوي" متأخرا لأكثر من ربع قرن, بمجموعته القصصية الاولى "رياح وأجراس", والتي صدرت في كل من: حائل وبيروت, لدى: النادي الأدبي بحائل ومؤسسة الانتشار العربي, ضمن مشروع النشر المشترك الموقع بين المؤسستين الثقافيتين.
ولايخلو هذا الإصدار المميز والمهم من بعض المفارقات: مجموعة كبيرة من نصوص المجموعة ترجمت الى الفرنسية ونشرت قبل فترة طويلة من نشرها بالعربية.
وقد قام بذلك المترجم التونسي ابراهيم درغوثي منذ أكثر من عامين, في مبادرة شخصية من المترجم الذي اعتبرها بمثابة "تحية صغيرة" لهذا المبدع الذي عرفته الساحة المحلية بوصفه واحدا من ابرز الكتاب الصادقين والزاهدين في الاضواء والشهرة.
ويبدو الخليوي في هذه المجموعة مشدودا الى القصة القصيرة جدا, ليجعل القارئ يستحضر البعد الزمني الكامن خلف هذه التجربة الثرية التي كان الخليوي, وهو أحد الرواد في الصحافة الثقافية ايضا, ويعد واحدا من الاسماء الاولى التي خاضت تجربة الكتابة القصصية القصيرة جدا في الساحة المحلية.
مقدمة الزهد والصمت
ولايخفي الشاعر علي الدميني, الذي كتب مقدمة المجموعة, مشاعر البهجة الخاصة باحتفائه بموافقة الخليوي على اصدار مجموعته الاولى, ويقول الدميني في المقدمة التي جاءت تحت عنوان "فهد الخليوي: الزهد في الاضواء وكتابة الصمت", بأن هذا الاحتفاء يتيح لنا رؤية كاتب وقاص عمل في سياق تطور مفهوم الكتابة الادبية في بلادنا, منذ أوائل السبعينات الميلادية وحتى اليوم.
جماليات القصص
ومن "المقدمة" نقتطف الأجواء التالية:
فهد الخليوي اسم يحتل في الذاكرة مساحة أكثر غنى وتأثيرا من جماليات نصوصه التي استمتعت بقراءتها ضمن هذه المجموعة وخارجها, لأن كتابته الثقافية والإبداعية, التي احتفظ قراؤه ومجايلوه بفاعلية حضورها أكثر مما زهد الكاتب في الحفاظ على نصوصها الاصلية (حيث مزق الكثير منها), تؤرخ لمرحلة انتقال من ذائقة الى ضدها, ومن حساسية إلى بديلها, على الصعيدين الدلالي والجمالي معا"."منذ كتاباته المبكرة في الصحافة المحلية في مطلع السبعينات, اختط "فهد الخليوي" لنفسه مسارا واضح المعالم, لايركن الى المهادنة أو استمراء مجانية الكلمة, كما لم ينخدع بما تعد به من مغانم زائفة.
ولذلك ذهب الى صومعة "الزهد" الفاضلة منذ مطلع التسعينات, بعد أن أسهم بشكل فاعل في الاشراف على الصفحات الثقافية في مجلة "إقرأ", وحفر اسمه خلالها كمثقف تنويري, ومبدع يعمل ضمن سياق الباحثين عن رؤى متسائلة, وآفاق ممكنة لكتابة جديدة".<O:p</O:p
<O:p</O:p
http://www.okaz.com.sa/okaz/osf/20080208/Con20080208171567.htm (http://www.okaz.com.sa/okaz/osf/20080208/Con20080208171567.htm)<O:p></O:p>
<O:p</O:p
الزهد في الأضواء و كتابة الصمت..<O:p</O:p
علي الدميني الحياة - 12/02/08//<O:p></O:p>
باطمئنان مبكر يمكنني القول بأن فهد الخليوي الإنسان والكاتب والمبدع، ينتمي إلى شجرة صحراوية تمتلك قدرتها على التعاطي مع وسطها الحياتي - في مختلف أبعاده - وفق منطلقين هما: الزهد في الأضواء، والاحتفاظ بالقدرة على متابعة «كتابة الصمت» الفاعلة، مدفوعاً بوعيه الثقافي وحساسيته الفنية، في صياغة معادلة ذهبية تضمن للذات استقلاليتها وتفردها، إزاء تعالقاتها مع الواقع وإكراهاته.
وهذه الشجرة من الكتاب الذين عرفتهم ساحتنا الثقافية المحلية في المملكة، (من «حمزة شحاته، ومحمد العلي إلى فهد الخليوي، وأقرانه)، تمتعت بقدرات متفردة مكنتها من المحافظة على معادلات الحرية والاستقلالية الذاتية، إزاء اشتراطات التواصل مع الآخر، وامتلكت الجرأة والجلد على نقد إنجاز الذات المبدعة أولاً، من خلال نسيانه أو حجبه عن الظهور، وبالتالي امتلكت الشجاعة والصدقية في نقد منجز الآخر تالياً، بحيث استطاعت من خلال ما انطوت عليه من ملكات «الزهد» في الأضواء والشهرة، أن تمضي في العمل على إبداع كتابة تتسم بالجرأة والصدق والتقشف في آن.
لا نحتفي بمجموعة فهد الخليوي الأولى، من خلال النص الماثل بين أيدينا فحسب، وإنما نستحضر البعد الزمني العميق الكامن خلف هذه الإطلالة المتأخرة، لأكثر من ربع قرن على الأقل، لنرى كاتباً وقاصاً عمل في سياق تطور مفهوم الكتابة الأدبية في بلادنا، منذ أوائل السبعينات الميلادية، وحتى اليوم. ذلك أن الكاتب ومجايليه، المهمومين بقضايا الكتابة الواعية والمتجاوزة، كانوا من الأسماء المؤسسة لحساسية كتابة مغايرة، ومغامرة أيضاً، شهدت على أزمنة التحولات المفصلية في حياتنا الثقافية، فغدوا نصاً آخر اختط طريقه، وأثث بيته الأدبي وفق ما استدعته المرحلة من معادلات التحدي والاستجابة... التفاعل والتراكم... الحنين والإفاقة.
فهد الخليوي اسم يحتلّ في الذاكرة مساحة أكثر غنى وتأثيراً من جماليات نصوصه، التي استمتعت بقراءتها ضمن هذه المجموعة وخارجها، لأن كتابته الثقافية والإبداعية، التي احتفظ قراؤه ومجايلوه بفاعلية حضورها أكثر مما زهد الكاتب في الحفاظ على نصوصها الأصلية (حيث مزق الكثير منها)، تؤرخ لمرحلة انتقال من ذائقة إلى ضدها، ومن حساسية إلى بديلها، على الصعيدين الدلالي والجمالي معاً.
فهد الخليوي «شكّل مع آخرين قنطرة للعبور ما بين حالين، وما بين مناخين، مشتبكين بجدل المبنى والمعني، وأخطوطة الرؤيا والتعبير، وشراسة البحث عن أفق دال على ذاته، إلى مدلول يبحث عن تحقق تلك الذات.
... ومنذ كتاباته المبكرة في الصحافة المحلية في مطلع السبعينات، اختط فهد الخليوي لنفسه، مساراً واضح المعالم، لا يركن إلى المهادنة أو استمراء مجانية الكلمة، كما لم ينخدع بما تعد به من مغانم زائفة. ولذلك ذهب إلى صومعة «الزهد» الفاضلة منذ مطلع التسعينات، بعد أن أسهم بشكل فاعل في الإشراف على الصفحات الثقافية في مجلة «اقرأ»، وحفر اسمه خلالها مثقفاً تنويرياً، ومبدعاً يعمل ضمن سياق الباحثين عن رؤى متسائلة، وآفاق ممكنة لـ «كتابة جديدة».
... وإذ لا يتيح لي فضاء كهذا الذي اخترته مقدمة احتفائية، بموافقة «مبدعنا» على المضي في تجربة نشر مختارات من نصوصه القصصية، لتدوين قراءة مستمتعة بالنص، فسأكتفي بالإشارة إلى ما تحفل به هذه المختارات من ممكنات القراءة التأويلية المبنية على مفهوم النص القصصي القصير، من حيث ارتباطه بالسرد البدائي وبناه الأسطورية الرمزية، القريبة من تشكيل البنية الشعرية، في ارتكازهما على «التكثيف لا التوسع، والتركيز لا التشتيت»، بحسب الناقد عواد علي، (وأذكِّر القارئ هنا بأن القاص يكتب القصيدة إلى جانب كتابته للقصة القصيرة، والقصيرة جداً).
ولذا فإننا نلحظ في هذه القصص غياب البعد الواقعي (الكنائي) للشخصيات والأمكنة، وحضورها كشخصيات وأمكنة مؤسلبة، أكثر من حضورها كذوات حقيقية، كما يقول بذلك نورثورب فراي. فالمرأة في قصة «سطور من تراث الوأد» التي تتعرض إلى عملية وأد جماعية، لا تحيل إلى مخيال امرأة محددة الملامح والسيرة الحياتية، وإنما تتحول إلى مكمن للتأمل والتأويل، يستذكر تراث الوأد القديم والمعاصر للمرأة، مثلما تغدو موازياً رمزياً لوأد الحقيقة... وأد المستقبل... ووأد الحرية أيضاً.
والمرأة في قصة «ظلام» لا تشير إلى كينونة إنسانية بذاتها فحسب، وإنما إلى حال اجتماعية عامة تشمل الوجود بين الفردي والجمعي معاً، حتى يصبح التعبير عنها في النص دالاً على صراع رغبات مقموعة وهواجس مضمرة لكسر حواجز القيد، تتهيأ لكشف الحجاب عن مكنوناتها، التي غشيتها الظلمة من شدة لبس (القناع/الأقنعة).
فالقناع لا يخص المرأة المؤسلبة في النص، وإنما يغدو دالاً شديد الاتساع لحال مجموعة من الناس، أو قوم من الأقوام، هم في أمسّ الحاجة إلى نزع الحجاب عن أعينهم، لكي يروا واقعهم كما هو، ولكي يبلغوا مساحات الأزمنة المضيئة. ... وفي هذا السياق لا أجد أجمل من اجتزاء مفتتح كتابة الدكتورة «شادية شقروش» من الجزائر عن مجموعة الخليوي بعنوان: «سلطة الكتابة بين المبدع والمتلقي قراءة في نصوص فهد الخليوي السردية»، والتي نشرتها في صحيفة «عكاظ» على مدى ثلاث حلقات، قائلة: «يرتكز المقياس الجمالي والفني والحضاري على إنتاج المتميز والأجمل والخالد، وبصورة أدق، المختلف».
من هذا المنطلق يكون الإبداع الحقيقي في براعة البناء والسعي إلى مخالفة السائد، والمألوف، وبالتالي فالتمرد الأدبي القائم على رؤيا فيها نوع من الصفاء والحكمة، سيقودنا بالضرورة إلى الاختلاف، لذا كان لكل انحراف وعدول منطقه الخاص.
من هذا المنطلق تصبح الكتابة عنتاً والقراءة متعة أو ما يسميه رولان بارتRoland Barth- «لذة النص».
ولا شك عندي في أن ما يكتبه القاص فهد الخليوي يقع ضمن هذا الإطار الذي نستمتع به، ونتشوّف معه إلى مزيد من العمل الدؤوب على الاستمرار في تطوير فاعلية ما يضمره من إضافة وتميز.<O:p</O:p
<O:p</O:p
http://www.alhayat.com/culture/02-2008/Article-20080211-0a442f88-c0a8-10ed-01dd-6f82d1f55b06/story.html<O:p></O:p>