مشاهدة النسخة كاملة : الإصلاح الدستوري في السعودية
مواطن
01-03-2005, 01:05 AM
اهداء إلى طارق وكل مهتم بقضية الاصلاح الدستوري
كتاب
" الإصلاح الدستوري في السعودية "
القضايا والأسئلة الأساسية
الدكتور متروك الفالح
الطبعة الأولى 2004
جميع الحقوق محفوظة
الناشر
المؤسسة العربية الأوربية للنشر (باريس)
اللجنة العربية لحقوق الإنسان
الأهالي للنشر والتوزيع
سورية- دمشق ص.ب 9503
هاتف 00963113320299
فاكس 00963113335427
بريد إلكتروني
odat-h@scs-net.org (odat-h@scs-net.org)
منشورات أوراب Editions Eurabe
Commission Arabe des Droits Humains
5, rue Gambetta 92240 Malakoff
Tél 0033140921588 Fax 0033146541913
E. mail: achr@noos.fr (achr@noos.fr)
الترقيم الدولي
ISBN : 2-914595-33-6
EAN : 9782914595339
Buds : Studies of the Arab Commission for Human Rights
Constitutional Reform in Saudi Arabia
مواطن
01-03-2005, 01:06 AM
تقديم
يسر اللجنة العربية لحقوق الإنسان أن تنشر في هذا الكتاب آخر ما كتب الدكتور متروك الفالح، أستاذ السياسة المقارنة والعلاقات الدولية في قسم العلوم السياسية في جامعة الملك سعود، قبيل اعتقاله (مسودات كتبت في نهاية يناير وأوائل فبراير 2004). ثلاث محاولات تعطي فكرة عن ما أصبح يعرف بالحركة المطالبة بالإصلاح الدستوري والتي يسميها أبو بلال، الدكتور عبد الله الحامد، المملكة السعودية الرابعة.
تتناول هذه الأوراق نظرة الدكتور الفالح للدستور والملكية الدستورية والإسلام والدستور. وقد ارتأينا أن نضم لها نصا نشر بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر. ذلك لإعطاء فكرة
عن رمز من رموز التحركات التي عرفتها المملكة العربية السعودية على صعيد النشاطات السلمية المختلفة والتصورات الفكرية-السياسية.
سيجد القارئ ما يمكن تسميته بالقوة الهادئة واللهجة الحكيمة للتغيير دون صاعق كهربائي ودون عملية "كسر عظم وكسر عظم مضاد". إنه تشريح عميق للنتائج الكارثية التي يحملها الخيار العنفي والخيار الأمني، وإدراك لضرورة إعادة بناء اللحمة المجتمعية بالإسهام الجماعي الرافض للاستئصال أو التهميش أو احتكار السلطة والثروة. من هنا الاستهجان الفائق في المجتمع لعملية الاعتقال التي طالت هذا التيار وبقي من رموزه في المعتقل اليوم الدكتور عبد الله الحامد والدكتور متروك الفالح والشاعر علي الدميني.
من لا يتقاسم السلطات يتقاسم الأحقاد، ومن لا يتأطر في العلني العام يتأطر في السري الخاص، ومن لا يجد نشاطا سلميا يخوض به يستهويه الرفض العنيف للسائد. فكل صد للمواطن عن المشاركة والفعل والتعبير يخلق بالضرورة حالة اضطراب للحاكم وليس فقط للمحكوم.
قد لا يفهم السوري أو المغربي أو المصري خصوصية النقاش الذي يطرحه التيار الإصلاحي الدستوري في مملكة الصمت والعزلة والقطيعة مع الآخر (بالجمع) من داخل وخارج الحدود، لكنه بالتأكيد سيبصر خطابا وتحليلا ينم عن شعور عميق بالمسؤولية ورغبة صارمة في الانتقال السلمي لمجتمع المواطنة. إنه تأكيد لتصور، يدافع عنه الإصلاحيون،مضمونه أن الحقوق السياسية والمدنية ليست بحال من الأحوال في صراع مع قيم ومبادئ إسلامية تمكنت يوما من بناء حضارة لا تغيب عنها الشمس. كما أن عملية الخروج من التسلط تتم عبر اكتشاف المحطات الخلاقة فيها واستلهام إنجازات العصر.
لقد بدا لنا من الضروري، وكاتب هذه الأسطر في السجن، أن يضم الكتاب ملحقا يعرف القارئ ببعض الحيثيات التي تجعلنا نطرح السؤال لحظة رفع جلسة المصلحين الثلاثة لأجل غير مسمى: من يحاكم من؟ وإلى متى سيشكل الاعتقال وسيلة السلطة للحوار مع من تختلف عنه؟
وضع اللمسات الأخيرة على هذا العمل كان يوم 11 سبتمبر، ذكرى المأساة الأمريكية التي تحولت لكارثة إنسانية عالمية بعولمة حالة الطوارئ. وهو يوم الجلسة الرابعة لمحاكمة الشيخ سعيد بن زعير المضرب عن الطعام والممنوع من الزيارات ومن حقه في الدفاع والقابع في سجن الحائر (الرياض) للشهر الخامس، بعد خمس دقائق تحدث فيها على قناة الجزيرة. وربما، لكسر هذا المشهد الرمادي، يوم صدور "نعم في الزنزانة لحن" للشاعر علي الدميني، صاحب متروك وعبد الله في منتجعهما وراء القضبان.
باريس 11/9/2004
الدكتور هيثم مناع
مواطن
01-03-2005, 01:08 AM
الإصلاح الدستوري " في السعودية " القضايا والأسئلة الأساسية
الملكية الدستورية : إقصاء أم إعادة تأسيس
قبل سنتين عندما كتبت عن المستقبل السياسي للسعودية في ضوء أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 م، طرحت فكرة إن المشهد المنقذ في وجه احتمالات مشاهد الانهيار أو التقسيم للبلد، هو ولوج الإصلاح الشامل وعن طريق البدء في الإصلاح السياسي أولاً وتبني إعلان " الملكية الدستورية" [1] وعندما تداعى دعاة الإصلاح والمجتمع الأهلي المدني إلى فكرة الإصلاح الدستوري السلمي كانت مذكرة وخطاب " نداء للقيادة والشعب معاً : الإصلاح الدستوري أولاً " والتي وقعها أكثر 116 شخصاً من النخب المثقفة والأكاديمية بما في ذلك أساتذة بارزين في العلم الشرعي في عدة جامعات سعودية، دعاة وقضاة وكذلك إعلاميين ورجال أعمال، وقدمت إلى القيادة السعودية بعد منتصف شهر ديسمبر 2003 م. وقد طالبت تلك المذكرة بإصلاحات سياسية شاملة تنطلق من المطالبة بالدستور ومن إعلان الملكية الدستورية، وكان هناك آلية مقترحة لتشكيل هيئة وطنية مستقلة، من أهل الرأي والخبرة والعلم في الفقه الدستوري والعلوم الاجتماعية الأخرى وكذلك أهل العلم الشرعي، لكي يعدوا مسودة عناصر الدستور، لعرضها بشكلها النهائي على الشعب للتصويت عليها، لكي تشكل عقد اجتماعي لعلاقة قانونية ملزمة بين المجتمع والسلطة، تتحدد بها الحقوق والواجبات وآليات الرقابة والمحاسبة على السلطات فيما بينها، ويبدأ بتطبيق الإصلاح الدستوري في غضون ثلاثة سنوات.
وإذا كان الأمر كذلك ، فهل يعني تبني الدستور وبالذات الملكية الدستورية أنه يهدف إلى إقصاء العائلة المالكة "الأسرة السعودية"عن الحكم ؟ لكي "تملك ولا تحكم" وتكون كالأسرة المالكة البريطانية، باعتبار إن بريطانيا ذات "ملكية دستورية" مجرد رمزية شرفية. هناك من المسئولين من طرح هذه التساؤلات مباشرة على بعض من دعاة الإصلاح الدستوري السلمي والمجتمع الأهلي المدني. وقال أنتم تريدون ملكية دستورية، يعني تريدوننا "نملك ولا نحكم". كذلك طرح آخرون من بعض الكتاب أطروحات قريبة من هذا وبعضهم هاجم مطلب الملكية الدستورية على إنه حرق للمراحل. [2] هل هذه التساؤلات تنطلق من مخاوف مشروعة أم من محاولة لأحباط الاصلاح ؟ سؤال مفتوح، ولكن جدلاً هل هذه التساؤلات صحيحة أم لا ؟ بداية نقول أن هذه التساؤلات والمخاوف ليست صحيحة البتة، وسبق إن قلنا ذلك، ولكن نعيد بعض النقاط للتأكيد عليها ولتوضيح فكرة الملكية الدستورية وإنها لا تعني البتة إقصاء "آل سعود عن الحكم". في مذكرة "الإصلاح الدستوري أولاً" كانت العناصر الدستورية التي حددت:
1) إقرار الحقوق والحريات العامة والأساسية التي أقرتها الشريعة الإسلامية والمواثيق الدولية والتي التزمت بها الدولة السعودية بما في ذلك حق التعبير والرأي والاجتماع والمشاركة الشعبية في اتخاذ القرارات (إدارة الشئون العامة).
2) فصل السلطات وانتخاب سلطة نيابية " مجلس شورى ملزم" انتخاباً شعبياً مباشرة من أهل الرأي والخبرة والعلم والاختصاصات، فهم الذين تنطبق عليهم " أولي الأمر" وإنهم أهل الحل والعقد. وهذه السلطة النيابية "مجلس شورى ملزم" المنتخبة شعبياً ودورياً تتمتع بسلطات رقابية ومحاسبة على السلطات الآخرى وخاصة السلطة التنفيذية ، بمعنى رقابة أعمال وسياسات الحكومة " الوزارة " ، على أن تكون لها امكانية القدرة على المسائلة بما في ذلك مسائلة الوزراء عن أعمالهم وكذلك مراقبة المال العام والميزانية.
3) وفي سياق فصل السلطات ، مسألة تعزيز استقلال القضاء وذلك ليؤدي دوره في إقامة العدل عن طريق التقاضي والتخاصم دون أن تخضع لضغوط وتأثيرات من السلطات الأخرى وخاصة السلطة التنفيذية مما يدخل في العدالة القضائية. واستقلال القضاء الذي يراد الوصول إليه هو ليس استقلال القضاة أنفسهم وإن كان هذا مطلوباً وإنما استقلال القضاء كاستقلال "مؤسساتي" وهذا يتطلب معايير دولية على الدولة أن تضمنها للسلطة القضائية في حدود الصلاحيات الدستورية لها.
4) وفي سياق الحقوق والحريات العامة، السماح بتكوينات المجتمع الاهلي المدني بالتشكيل والقيام من قبل الأفراد والجماعات في المجتمع على أسس مهنية في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية وفي مرحلة لاحقة قد تكون السياسية مستقلة، والهدف من هذه الجمعيات الاهلية والمدنية أن ترعى مصالحها وحقوقها وما يتعلق بالاحتساب المؤسسي على السلطة في سياق الامر بالمعروف والنهي عن المنكر كل في مجاله وفي المجال العام. إضافة إلى ذلك فإن هذه التكوينات الاجتماعية الأهلية المدنية تقوم بدور هام وهي إنها تساهم في انخراط الأفراد والمواطنين وخاصة الشباب في تلك الأطر الاجتماعية، مما يتيح لها أن تفصح عن رغباتها ومطالبها وإيجاد منافذ لها في التعبير وطرح الآراء والمشاركة الاجتماعية بطريقة سلمية، تبعدهم عن الانحرافات والإتجاهات ووسائل العنف، والتي قد تكون الوسيلة المتاحة في غياب تلك المؤسسات الأهلية المدنية.
هذا الدستور بهذه العناصر والآليات للرقابة والمحاسبة فيما بينها والاحتساب عليها، يصوت عليه شعبياً بأن تتم صياغته من هيئة وطنية مستقلة من أهل العلم والرأي والاختصاصات في كافة المجالات بما في ذلك الفقه الدستوري والشريعة الإسلامية لكي يؤصل على الإســلام.
إذا تم التصويت عليه، يكون لدينا "عقد اجتماعي جديد"، يقنن العلاقة الملزمة بين السلطة والمجتمع، الشعب، الأمة، بحيث تحدد الحقوق والواجبات والحريات، وكذلك يصبح المواطن جزءاً أصيل داخل العملية السياسية وليس خارجاً عنها عن طريق ممارسة حق الترشيح أو التصويت لانتخاب ممثلي الشعب في السلطة النيابية"مجلس شورى منتخب ملزم"، وبالتالي يحقق حقه وحريته في المشاركة الشعبية وفي اتخاذ ورسم السياسات والرقابة عليها . وتكون المرجعية في هذه المشاركة وللرقابة وللسلطة النيابية "الشورى الملزمة" هي مرجعية شعبية، "سلطة الأمة في تحقيق مقاصد الشريعة"، وتتحقق دائماً بالانتخابات الدورية وهذه " المرجعية الشعبية" هي التي تعطي السلطة النيابية مجلس الشورى الملزم، الحق في ممارسة اتخاذ القرارات والقوانين والأنظمة ، ولكن مصادر أحكام تلك القرارات والأنظمة في بلد إسلامي مثل السعودية، مثلاً، تبنى على أولوية النصوص القطعية في الكتاب والسنة "الشريعة الإسلامية في حالة وجودها". ومع تحقيق قدر كبير من استقلال القضاء أيضاً وكذلك قيام وعمل تكوينات المجتمع الاهلي المدني لاتمام عملية المحاسبة والرقابة والاحتساب على السلطات، بما في ذلك على السلطة النيابية نفسها "مجلس الشورى المنتخب الملزم"، نكون بالفعل وصلنا إلى دولة وحكومة دستورية حيث تكون سلطتها مقيدة عن طريق الرقابة والاحتساب.
عند الوصول إلى ذلك، نستطيع أن نضمن مزيدًا من العدل بكافة أشكاله ومجالاته في الاقتصاد والاجتماع والحقوق والتخاصم والتقاضي والادارة ... الخ ، والذي أمر الله به وأنزل البينات على رسله ليقوم الناس به. عندها نستطيع أن نقضي على الفساد ونحارب الظلم والجور والرشوة والفساد المالي والإداري وهدر المال العام والإختلالات الاقتصادية في التنمية وسوء توزيع الثروة والموارد على المواطن والمناطق، وكذلك الاختلالات الاجتماعية والثقافية والفكرية والتعليمية والطغيان والاستبداد ، عندها يمكن اصلاح التعليم، وإصلاح الثقافة والاقتصاد. أما قبلها وبدون الإصلاح السياسي القائم على " الدستور" فإننا لا نستطيع، بل فوق ذلك لاندرك إننا نخادع أنفسنا و أننا سوف نصل إلى انهيار عاجلٍ أم آجلٍ.
نختصر القول عن لماذا الدستور، فنقول : أن لا عدل بكافة المجالات بدون شورى ولا شورى ملزمة دون أن تكون منتخبة شعبياً ودورياً وبسلطات رقابية ومحاسبة على المال وسياسات الحكومة "السلطة التنفيذية" "الوزارة" ولا سلطات رقابية ومحاسبية بدون دستور مصوت عليه شعبياً ومتضمناً لتلك العناصر وتلتزم الدولة به باعتباره عقداً اجتماعياً لا يجوز ابداً الإخلال به.
في المقابل فإن النظام الأساسي للحكم 1412هـ ـ 1992م في المملكة، ينص على أن الملك، هو الذي تنتقل إليه السلطة ، بالوراثة، ومن أبناء وأحفاد الملك عبد العزيز آل سعود. وهو ما يعني ان ليس بوسع الغالبية من آل سعود أن تتبوأ هذا المنصب ويحرمها الحق في هذا رغم إنها من الأسرة، - هو مرجع كل السلطات، السلطة التنفيذية وما يسمى بالسلطة التنظيمية" السلطة التشريعية في الدول الأخرى " والسلطة القضائية وهو الذي يعين ولي العهد. إذ نحن أمام أولي الأمر على أنه سلطة مطلقة كاملة مهيمنة على كل شئ بما في ذلك السلطة القضائية" المحاكم" حيث إن الملك من خلال نظرية "ولي الأمر" هو القاضي الأول والأساس وما القضاة المعينين سواء وكلاء او نواب عنه. ولذلك في قضايا " التعزير" ومنها القضايا السياسية والأمنية والتي ليس فيها نصوص قطعية ، فإن الملك " ولي الامر " له الحق في عدم قبول الحكم ورده ورفضه وطلب تغييره ، أما بالتشديد أو التخفيف. وإذا أضفنا إلى ذلك مشكلة تأثير وضغوط السلطة "ولي الأمر على السلطة القضائية"، رغم القول إنها مستقلة طبقاً للنظام الأساسي للحكم، وإن لا سلطات عليها سوى الشريعة الإسلامية، وكذلك عدم وجود معايير محددة واضحة لاستقلال القضاء كمؤسسة وليس كأفراد، فإن هناك خلل كبير في إقامة العدل على مستوى التقاضي والتخاصم، وخاصة عندما تكون الدولة هي الخصم المدعي تجاه المتهمين في قضايا سياسية، فما بالك على مستوى عمل السلطة التنفيذية والتي تجمع في عملها، أعمال السلطة التشريعية أو التنظيمية. في الوقت نفسه الملك هو رئيسها (رئيس مجلس الوزراء) وهو المرجع لها، وهو الذي يصدر معظم القرارات إما بمراسيم أو بقرارات من مجلس الوزراء، ورئيسه وهو الملك أو من ينوب عنه، والسلطة القضائية بوضعها الحالي وضمن صلاحياتها لا سلطات لها على السلطة التنفيذية والتشريعية "مجلس الوزراء"، وأما مجلس الشورى "المعين" فهو بالنظام الاساسي للحكم وكذلك نظامه الاساسي أصلاً لا يتمتع بسلطات أو صلاحيات رقابية ولا في إصدار قرارات ملزمة تجاه الحكومة " مجلس الوزراء" باعتبارها سلطة تشريعية وتنفيذية، لها أن تأخذ بتوصيات مجلس الشورى او ترفضها، وللملك وحده الحق في أن يفصل في المسألة، علماً بأنه رئيس مجلس الوزراء ، وفي موازاة ذلك عدم وجود جمعيات اهلية مدنية تقوم بالاحتساب على السلطة لمصالحها وحقوقها وللمصلحة العامة. إذا نحن أمام "سلطة مطلقة" في النظام الاساسي للحكم الحالي، يتمتع بها الملك، ولا توجد آليات للمحاسبة والرقابة، وحتى ديوان المظالم، هذا ديوان أو جهاز وإن كان يسمح نظامه بشكوى الموظفين الحكوميين لأجهزتهم الحكومية، إلا أنه جهاز أصلاً غير مستقل وبالتالي لا يوجد آلية للرقابة والمحاسبة المطلوبة.
بناءاً على ما تقدم ، هل النظام الاساسي للحكم يعتبر دستورياً ؟ الجواب، بالتأكيد لا، ذلك لأن النظام الأساسي للحكم أولاً، لا يتضمن الآليات والهياكل والعناصر الدستورية التي تضمن اقامة العدل من خلال وجود آليات المحاسبة والرقابة على السلطة التنفيذية "الحكومة" من قبل سلطة ذات مرجعية شعبية "الشورى المنتخبة الملزمة" وثانياً، إضافة إلى عدم اكتمال العناصر الأخرى من حيث الحقوق والحريات العامة والأساسية للناس وعدم وجود آلية ملزمة بها وكذلك خلل في استقلال القضاء لذلك فإن النقطة الأهم هي أن أي نظام للحكم لكي يصبح دستور أو دستورياً لا بد أن يحظى بموافقة شعبية عن طريق التصويت ليصبح الشعب وإرادته هي التي تقرر مصالحه, ويصبح دور الحاكم تنفيذيا، وليس أي مرجعية أخرى على أن تكون ممارسة الدولة "الحكومة" تدل بوضوح على التزامها بالحقوق والحريات، والرقابة والمحاسبة عليها من قبل السلطات الأخرى او بالاحتساب عليها من قبل المجتمع، عبر هياكل ومؤسسات المجتمع الاهلي المدني الجمعيات والاتحادات والروابط ... الخ.
إذ نحن أمام نظام للحكم ليس دستورياً على الإطلاق، بل ومن خلال الجمع بين السلطات الثلاثة، فإنه يؤسس لنظام الحكم الفردي بالسلطات الشمولية "سلطات مطلقة"، دون رقابة أو محاسبة لا من السلطات ولا من المجتمع ولا حتى مـن الأسرة نفسها.
إذ نحن أمام حكم ملكي ذو سلطة مطلقة، وهذه بدورها تولد أنظمة استبدادية تسلطية في الأجهزة والمؤسسات الحكومية، ولذلك يستشري الفساد والمحسوبية وعدم المبالاة وهدر المصلحة العامة، وذلك لغياب أيضاً آليات المحاسبة, والرقابة, ويصبح الخلل في كافة المجالات متغلغلاً إلى درجة يصعب السيطرة عليه, بل أيضاً في ظل غياب آليات المحاسبة والرقابة، تصبح عملية السيطرة أمراً مستحيلاً، ولذلك ليس غريباً أن تؤدي تلك الاختلالات إلى تنامي روح عدم الانتماء للوطن وغياب الشعور بالوحدة الوطنية وكذلك تنامي بذور العنف، واحتمالات مفتوحة من الصراع الاجتماعي ليست بعـيدة.
وهـذه الإشكالية وتداعياتها، ليست عيباً لصيقاً "بالملكية المطلقة" فقط وإنما هي أيضاً عيباً ومشكلة حتى في الأنظمة العربية المسماة "جمهورية" طالما هي ايضاً أنظمة سلطوية استبدادية، حتى وأن كانت تزعم بوجود دساتير، ولكنها دساتير لا تقيد سلطات الحكومات ولا تعبر عـن إرادة شـعبية.
إذن فنحن في السعودية أمام نظام حكم ملكي وملكية "ذات السلطات المطلقة"، بمعنى غير دستورية. في المقابل فإن الأخذ بالدستور، من حيث إننا نصل بالفعل إلى سلطة "غير مطلقة" يعني أننا سنصل إلى الملكية الدستورية، فما الذي يحدث بالنسبة للسعودية في هذه الحاله؟ هل ذلك يلغي العائلة (أو بعضاً منها لأنه ليس لكلها الحق في ذلك من خلال النظام الأساسي للحكم حيث يقتصر ذلك على أولئك الأبناء والأحفاد من أبناء الملك عبد العزيز فقط)، من الحكم ؟ أم ماذا؟.
الذي يحدث من تبني "الملكية الدستورية" هو إعادة تأسيس وتجديد للدولة ومشروعيتها على أسس جديدة تقوم على "عقد اجتماعي" بحيث نكون أمام صياغة جديدة تسير العملية السياسية واتخاذ القرارات، يكون المواطن فيها جزءاً أصيلاً، عن طريق المشاركة الشعبية عبر جمعيات المجتمع الاهلي المدني عامة, وعبر مجلس النواب المنتخب في السلطة النيابية و خاصة المجالس الثانوية و البلدية, والمناطقيه وبذلك يصبح المجتمع هو الأدرى بمصالحه وله السلطة العليا في تحقيق مقاصد الشريعة.
مواطن
01-03-2005, 01:09 AM
إذن تبني "الملكية الدستورية" يعني إعلان ميلاد وقيام "الدولة السعودية الرابعـة"[3] إذا صح التعبير، باعتبارها دولة ذات حكومة دستورية، مما يجعلها شورية عادلة ذات شرعية جديدة، تقوم على التعاقد أو العقد الإجتماعي الملزم للطرفين بين المجتمع والأسرة "آل سعــود"، بحيث يصبح المجتمع عن طريق من يمثلونه "سلطة نيابية ـ مجلس شورى ـ منتخب ملـزم" شريكاً ومشاركاً في الحكم وليس بديلاً عن الأسرة أو مقصياً لها. هذه الصيغة الجديدة للدولة السعودية الدستورية "الشوروية العادلة " وعن طريق ذلك العقد الإجتماعي "الدستور" تمكن الأسرة " آل سعود من الاستمرار والتواصل لعقود بل لقرون مفتوحة، ضمن تلك الصيغة التشاركية مع المجتمع.
إذن الذي يحدث في تبني ملكية دستورية في السعودية هو إنه بدلاً من نظام حكم ملكي "بسلطات مطلقة" فإننا نصبح أمام نظام حكم ملكي "بحكومة أو سلطة مقيدة". هل يفقد الملك أو الأسرة حكمها ؟ أو أن تحكم ؟ طبعاً هذا ليس صحيحاً، الذي يحدث هو أن الملك لا يزال يتمتع بالسلطات قد تكون واسعة ولكنها ليست شاملة أو شمولية أو مطلقة، كما كانت في السابق، وذلك لإدخال البعد الشعبي في المشاركة في صناعة القرار والسياسات والرقابة والمحاسبة. إن الملك يبقى ضمن عناصر أخرى من الأسرة له القيادة العليا في الدولة، وهو المسؤول الأول عن الدولة ويعين الوزارات ويقيلها ويجري عليها التعديلات لمقتضيات الضرورة والمصلحة العامة وهو القائد الأعلى للقوات المسلحة، وهو المسئول عن السياسة العامة للدولة. ولكن هذه السياسة العامة للدولة باعتبار إن التي تعدها الحكومة "الوزارة" تخضع للرقابة والمحاسبة من قبل "سلطة نيابية مجلس شورى ملزم" يمثل الشعب. إذن بالقدر الذي تم التنازل عنه، هو القدر الذي أتاح للشعب والمواطن الحق بالمشاركة وصنع السياسات وأعمال الرقابة والمحاسبة. إذ هو تنازل في سياق تعاقد اجتماعي عن جزء من السلطة وبقيت أجزاء واســعة منها.
وإذا كان هذا لا يوضح الصورة بمعنى أن تبني الملكية الدستورية في السعودية لا يعني اقصاء الأسرة الحاكمة من الحكم، فإن لدينا تجربة كل من الأردن والبحرين، فكل من الدولتين تبنت الملكية الدستورية وخاصة في تطبيقاتها الجديدة، في الأردن منذ 1989م وفي البحرين منذ 2002 م . فهل تطبيق الملكية الدستورية في كل من البلدين ازاح الأسرتين المالكتين عن الحكم ؟ الجواب طبعاً معروف، ملك الأردن وملك البحرين لا زالا يتمتعان بسلطات دستورية واسعة وكل ما حدث إنهما قبلا مشاركة الشعب والدخول في آلية المحاسبه والرقابة المجتمعية على أعمال الحكومة، وإما مكانتهما والأسرة فقد زادت شعبياً وتاييداً والتفافاً أكبر عن ذي قبل. فلماذا إذن، لا نقيس على هذه التجربة العربية في الملكية الدستورية ؟ ولماذا نقيس على نموذج الملكية الدستورية البريطانية أو الأوروبية ؟ هذه النماذج الأوروبية وبالذات البريطانية لها أكثر من قرنين من الزمن حتى وصلت إلى ملكية دستورية رمزية بالنسبة للاسرة المالكة. الذين يقيسون على الملكية الدستورية الأوروبية وبالذات البريطانية، والذين يقولون إن تبني الملكية الدستورية يعني حرق للمراحل، هؤلاء إما يريدون ايجاد مخاوف لدى الأسرة السعودية، أو أن تتخذ ذريعة لضرب مطالب الإصلاح الدستوري، أو انهم يقدمون المبررات والمسوغات لتلك التوجهات وذلك لتداخل مصالحهم ونفوذهم ومحاولة استدامة الأوضاع، بكل ما يعني ذلك وما تحمله من مخاطر تواصل مشاهد الإنهيار وتزايد حالات الاحتقانات واتجاهات العنف. لذلك فإنهم يتحملون كل مسئولية تترتب على الاخلال بمستقبل هــذا البلد والمجتمع.
نقطة قبل الأخيرة، بالنسبة للحديث عن الملكية الدستورية وماذا يترتب عليها في حالة تبنيها انطلاقاً من الموافقة على دستور مكتوب مصوت عليه شعبياً، بما يعني إنه يمثل "تعاقد اجتماعي ملزم" بين الأسرة المالكة والمجتمع، أي لتأسيس دولة دستورية شوروية عادلة يمكن أن يطلق عليها "الدولة السعودية الرابعة" تلك النقطة تتعلق بأن ذلك التبني للملكية الدستورية لا يعني فقط ايجاد حل لمسالة العدل والحقوق العامة للمجتمع، وإنهاء الاحتقانات والاختلالات وإيجاد حياة مدنية اسلامية شوروية عادلة متقدمة، وإنما أيضاً يساهم في حل دستوري داخل الأسرة المالكة نفسها، بحيث تقلل من الاختلافات والتنازع على المناصب وولايه العهد وغيرها، حسم هذا الأمر يجب أن يضمن في ذلك الدستور والذي يصوت عليه شعبياً بحيث تكون هناك شرعية دستورية شعبية مسبقة ومحددة تقضي على احتمالات الصراع والتنافس وتجعل هناك آلية دستورية مسبقة تطمئن الأسرة المالكة نفسها وكذلك المجتمع نفسه بأن لا تتفجر الأوضاع يوماً ما.
ختاماً نقول إذن من هو المستهدف من تبني الملكية الدستورية في السعودية؟ هل هو القضاء على الجور والظلم والفساد وضياع الحقوق والثروات وكرامة الإنسان ؟ أم هو إقصاء آل سعود عن الحكم ؟ إن تبني " الملكية الدستورية " في سياق الإصلاح الدستوري يستهدف إنقاذ البلد مجتمعاً وسلطة من أجل حياة مدنية إسلامية شوروية عادلة تقيم وتصون العدل والحقوق والكرامة الإنسانية . إنما نخشاه ويخشاه دعاة الإصلاح الدستوري والمجتمع الأهلي المدني، إن أي تأخير وعرقلة لقيام ملكية دستورية في السعودية في الوقت الراهن، قد يجعل منها مطلباً غير معروض أصلاً في المستقبل، بل قد يكون مرفوضاً من قبل قوى الاعتراض خارج السلطة حتى لو أن السلطة عرضت أو قبلت به في وقت لاحق حينئذٍ تكون الفرصة قد ذهبت ولربما بدون رجعة. فهل هناك من عاقل رشيد يبصر ويسمع ويبادر باتخاذ الخطوة التاريخية برؤية واضحة للمستقبل ، ويطلق قيام الدولة السعودية الرابعة الدستورية الشوروية العادلة قبل فوات الآوان.
الدستور : هــو الآليات العصرية المؤسسية للاحتساب على السلطات فيما بينها لإقامــة حــياة مدنية إسلامية عــادلة شوروية
من أكثر القضايا ذات الحساسية هي قضية الإصلاحات الدستورية في السعودية, وعلى وجه التحديد، قضية مدى تعارض أم توافق الدستور مع الشريعة الإسلامية "القرآن والسنة". ففي بلد عربي مسلم مثل السعودية بني مجتمعها وسلطانها على ثقافة إسلامية محددة ، تولد لدى عامتها ونخبها السياسية والثقافية والدينية تصوراً. قد يكون متعمداً أو تغطية، خاصة من قبل النخب السياسية والدينية، أو قد يكون جهلاً من عامة الناس ومثقفيهم، بأن دستورنا ودستور البلاد هو "القرآن والسنة" وإن أي حديث عن دستور للبلاد أو المطالبة بالدستور يعني إحلال دستور بديل ينافي "القرآن والسنة"، وبالتالي فإن ذلك يعني في ما يعني إن تلك مفاهيم وأطروحات علمانية، بمعنى أنها تهدف إلى فصل الدين في الأحكام الشرعية عن الحياة العامة، أي خروجاً عن المجتمع وثقافته وعلى الدولة وسلطانها. فهل هذا التصور أو سوء الفهم صحيح أم لا من الناحية الموضوعية لمفهوم الدستور والعلاقة الصحيحة مع الإسلام ؟.
بداية نقول إننا بهذا الحديث لا نهدف إلى تقديم تأصيل نظري في الفقه السياسي الإسلامي, وإنما طرح بعض الأفكار للمساهمة في إزالة اللبس في مسألة العلاقة بين الدستور و"القرآن والسنة"، وثانياً نتوجه بشكل أساسي للنخب الدينية, والتي غالباً ما يكون لديها فهم خاطئ عن, التعارض بين الدستور والإسلام "القرآن والسنة", وذلك لنوضح عدم صحة ذلك التصور. وثالثاً سيكون هذا الحديث رداً على النخب الدينية والسياسية، والتي تدرك في تصورها، التعارض ليس صحيحا، وإنما تهدف إلى التدليس على الناس وعامتهم لاستخدام الدين سلاحاً ضد الإصلاح والتقدم ودعاته ، من أجل إبقاء الأوضاع على ما هي، خدمة لمصلحة استمرار نفوذها واستبدادها.
بداية، لننطلق من الجانب النظري وبالذات فيما ورد في "القرآن والسنة" ونسأل: هل الإسلام مع الظلم أم ضده ؟. هل الإسلام مع العدل أم ضده وهل الإسلام مع الاستبداد والطغيان أم ضدهما ؟ هل الإسلام مع الحرية أم العبودية "غير العبودية لله " ؟ هل الإسلام مع المساواة وكرامة الإنسان أم ضدهما؟. لعل أهم قضية أرسل الرسل بها لتبليغها للناس والعمل بها هي، إقامة العدل "القسط" قال الله سبحانه وتعالى: "لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط" (آية 25 من سورة الحديد). ويقول الله سبحانه وتعالى مخاطباً المؤمنين، ومطالبتهم بإقامة العدل: "يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الأقربين: فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا" (آية 135 من سورة النساء). ويقول الله تعالى مطالباً الناس "المؤمنين" بالعدل حتى مع الخصوم: "يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يحرمنكم شنئان قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون" (آية 8 سورة المائدة).
القسط بمعنى العدل الوارد في الآيات، ليس المقصود به فقط ما يتعلق بالتقاضي والتخاصم في مسائل الحقوق، وإنما هو إضافة إلى ذلك يشمل إقامة التوازن العادل في كافة المجالات الاجتماعية والاقتصادية وغيرها من مناحي الحياة الروحية والمدنية، في سياق إقامة حياة مدنية إسلامية . نظام مدني اسلامي ينسجم مع الحاضر المتطور انطلاقاً من قاعدة صلاحية الإسلام لكل زمان متوازنة ومستقرة قابلة للتطور والتقدم.
وعن الموقف ضد الظلم أو الفسق أو البطر أو الترف وهي أمور تعني غياب العدل وانتشار المفاسد، يقول الله سبحانه وتعالى، رابطاً بين الظلم والهلاك، فيقول: " وتلك القرى أهلكناهم لما ظلموا وجعلنا لمهلكهم موعداً" (الآية 59 من سورة الكهف). ويقول الله تعالى في نفس الاتجاه: "وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون" ( الآية 59 من سورة القصص ). وعن الربط بين البطر وإهدار المال العام وسوء الإدارة وبالتالي تدهور الحياة، يقول الله سبحانه وتعالى: "ضرب الله مثلاً قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغداً من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون" (الآية 112 من سورة النحل). وفي الربط بين الترف والفسق والهلاك يقول الله تعالى :"وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميراً"(الآية16 من سورة الإسراء).
والظلم هنا ليس محصوراً فقط بمسألة الكفر وعدم الإيمان، وهو ما يشمله، وإنما يتجاوز ذلك إلى عدم وجود الحياة الصالحة، وحسن الإدارة، والأعمال الصالحة، بما في ذلك غياب العدل وانتشار المفاسد. لذلك فإن الله سبحانه وتعالى قد أهلك قوم "لوط" ليس لكفرهم وحده، وإنما لفسادهم الأخلاقي، وتجاوزهم في ممارساتهم الحياتية، الحياة الكريمة الصالحة مع العلاقات الزوجية مع النساء، المستقيمة مع الفطرة, إلى العلاقات الجنسية الشاذة مع الرجال. لذلك يقول الله سبحانه وتعالى: "ولوطاً إذ قال لقومه إنكم لتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين"( آية 28). "إنكم لتأتون الرجال وتقطعون السبيل وتأتون في ناديكم المنكر..."(أية 29). "ولما جاء ت رسلنا إبراهيم بالبشرى قالوا إنا مهلكوا أهل هذه القرية إن أهلها كانوا ظالمين" ( الآية 31). "إنا منزلون على أهل هذه القرية رجساً من السماء بما كانوا يفسقون" (الآية 34 والآيات لسورة العنكبوت).
وفي الموقف من الطغيان باعتباره مفضياً إلى الفساد والاستعباد، فإن الله أهلك فرعون وقومه لما طغى، فقال الله تعالى مخاطباً موسى أولاً: "اذهب إلى فرعون إنه طغى" (آية 24)، ثم مخاطباً موسى وهارون سوياً "اذهبا إلى فرعون إنه طغى" (43 الآيات من سورة طه). واستعبد فرعون الناس واستبد بهم، واستخف قومه وأطاعوه، ولذلك يقول الله سبحانه وتعالى: "ونادى فرعون قومه قال يا قوم أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي أفلا تبصرون" (الآية 51 الزخرف). وحيث أن قومه لم ينكروا عليه هذا الزعم وقبلوا بالذل فاستخفهم، فأطاعوه، وفي ذلك يقول الله تعالى: "فاستخف قومه فأطاعوه إنهم كانوا قوماً فاسقين" (الآية 54). "فلما اسفونا انتقمنا منهم فأغرقناهم جميعاً" (آية 55 الزخرف). وفي الربط أيضاً بين الطغيان المفضي للفساد فالعذاب، يقول الله تعالى في الإشارة إلى أقوام عاد وثمود وفرعون، فيقول سبحانه وتعالى: "الذين طغوا في البلاد * فأكثروا فيها الفساد * فصب عليهم ربكم سوط عذاب". ( 11-13 الآيات من سورة الفجر).
وفي التأكيد على المساواة، وإن أصل البشر واحد، مع ملاحظة فكرة التنوع والاختلاف لإقامة العلاقات الاجتماعية، وإن الفروقات بينهم فيما يخص العلاقة مع الله هي في "التقوى" قال الله تعالى: "يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير" (آية 13 سورة الحجرات). ويقول الله تعالى: "هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها ... "(آيه 189 سورة الأعراف). إضافة إلى ذلك فقد أكد القرآن على الكرامة الإنسانية " بني آدم " ، حيث قال تعالى:"ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلاً" (آية 270 الإسراء). وهذه المساواة، في الأصل بين الناس، لا تلغي فكرة التفاضل والتراتب في الحياة والعلاقات الاجتماعية، وفي ذلك يقول الله سبحانه وتعالى: "أهم يقسمون رحمة ربك نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضاً سخرياً ورحمة ربك خير مما يجمعون "( 32 الزخرف ) . و"السخريا" الواردة هنا لا تعني تحول البعض إلى عبيد وسخره وإنما الفكرة ترتبط بالتفاوت بين الناس في قدراتهم وإمكاناتهم وطبائع نفوسهم وبالتالي احتياجاتهم لبعضهم البعض في تقديم الحاجات والخدمات وتلك مما يؤسس لإقامة حياه مدنيه (دوله) وفي السياق نفسه تفاضل الناس بالرزق، يقول الله سبحانه وتعالى: "والله فضل بعضكم على بعضكم في الرزق...."(71 النحل). والمساواة في الأصل بين البشر، لا تلغي أيضاً التمايز بين الرجال والنساء نتيجة الاختلاف في تكوينهم الفسيولوجي والنفسي ولذلك ترتب عليه اختلاف في بعض الحقوق والواجبات, كما أشار إلى ذلك القرآن في قضايا الإرث والشهادة والطلاق.
وفي الحرية، يؤكد القرآن على آفاق واسعة من الاختيار والتصرف، المربوط بالمسؤولية في الثواب والعقاب الدنيوي والأخروي ، بما في ذلك حرية الإيمان وفي ذلك يقول الله سبحانه وتعالى: "ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعاً أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين" (99 يونس)، ويقول الله سبحانه وتعالى: "لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي...." (256 البقرة) ويقول سبحانه وتعالى: "وهديناه النجدين"(10 البلد). وكذلك يقول الله سبحانه وتعالى:" لست عليهم بمسيطر"(آية 22 الغاشية). وفي سياق الحرية بما هي ضد الاستعباد، ومع التحرر من العبودية، في غير الله، فإن الله أرسل موسى عليه السلام إلى فرعون، في جزء من رسالته، بمطالبة فرعون أن يخلي سبيل بني إسرائيل من الإذلال والعبودية والقهر، فقال سبحانه وتعالى: "اذهبا إلى فرعون إنه طغى" (آية 43 من سورة طه) ... "فأتياه فقولا إنا رسولا ربك فأرسل معنا بني إسرائيل ولا تعذبهم ... " ( آية 47 طه ) .
وفي سياق الحرية بما هي التحرر من العبودية والرق فقد تعامل معها القرآن، بالحث على التخلص تدريجياً, باعتبارها كانت ضمن الواقع الاجتماعي في بداية الرسالة. يقول سبحانه وتعالى: "لا يؤاخذكم الله باللغو في إيمانكم ولا يؤاخذكم بما عقدتم الأيمن فكفارته.... أو تحرير رقبة.... " (آية 89 المائدة)، ويقول الله تعالى أيضاً: "وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمناً إلا خطئا ومن قتل مؤمناً خطئا فتحرير رقبة مؤمنة .... فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة... وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق ... وتحرير رقبة مؤمنة .... ( الآية 92 سورة النساء )
وفي هذه المعاني للحرية الجسدية والنفسية، كانت مقولة عمر بن الخطاب الشهيرة ، في معرض مساءلة ابن عمرو بن العاص، والذي اشتكاه أحد أقباط مصر إلى الخليفة عمر ، حيث قال " متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً". وإذا كانت حرية التعبير لم تذكر مباشرة في القرآن الكريم ، إلا إن حرية الاعتقاد والرأي, آنفة الذكر, وكذلك ما ورد من آيات بالحث على التفكير والتأمل العقلي "أفلا تعقلون"... "أفلا تتفكرون" ... "وكذلك ما ورد في آية "وأمرهم شورى بينهم" (آية 38 سورة الشورى)، تتطلب بيئة لطرح الآراء وتنوعها والحق في قولها للوصول إلى الرأي المجتمع عليه. وفي حديث رسول الله (ص) كما ورد في صحيح مسلم : "من سكت عن الحق فهو شيطان أخرس"، وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم : "أفضل الجهاد قول كلمة حق أو( عدل) أمام سلطان جائر," إشارة واضحة إلى الحق والحض على المجاهرة بالرأي وبالحق، وهو ما يرقى إلى أن تصبح حق وحرية الرأي والتعبير واجب طرحه طالما تتعلق بالحقوق.
ورغم أن القرآن والسنة اشتمل كل منهما، أيضاً على منظومة من الحقوق والواجبات والقيم في العلاقات الاجتماعية والاقتصادية، لم نشا التطرق لها، مثل قضايا الزكاة والإرث والموقف من العدوان والعلاقة مع الآخر، ومحاربة الفساد المالي والرشوة والتجسس والعلاقة مع الآخر..."، إلا أن التركيز كان على الأسس والقضايا والمبادئ الكبرى لإقامة حياة مدنية إسلامية، وأهمها التشديد على إقامة العدل ومحاربة الظلم والفساد في كافة المجالات والحقوق المادية والمعنوية وكذلك على التركيز على أصل المساواة المنسجمة على مسألة التفاضل والتمايز الطبيعي، وكذلك الحرية في وجه الاستبداد والطغيان بكافة أشكاله ومجالاته وكذلك حرية ومشيئة التصرف بما في ذلك حرية الإيمان وكذلك إبداء الآراء والتشاور حولها.
ومع ذلك فإن القرآن والسنة في أغلب الأحيان لم يحدد الآليات والهياكل والإجراءات، باستثناء الشورى، والتي طبقها الرسول صلى الله عليه وسلم، والتزم بها الخلفاء الراشدون والخليفة عمر بن عبد العزيز، لذلك أمكن ضمان العدل إلى حد كبير في أزمانهم، لإقامة الحياة المدنية الإسلامية، لتحقيق تلك المقاصد والمبادئ. إذا ترك القرآن والسنة تلك الآليات، باستثناء الشورى التي لم ترسخ آلياتها بسبب قصر فترة الخلافة الراشدة، والتي تم إقصائها بتجاهلها, أو بتهميشها بالقول بعدم إلزاميتها وذلك من قبل الحكام والسلاطين والأمراء وفقهائهم، بما في ذلك عدم تحديد آلية وكيفية انتقال السلطة "الخلافة" وكذلك لم يتطرق القرآن ولا السنة إلى الأنظمة والأساليب الإدارية والتنظيمية في قضايا الاجتماع والاقتصاد والإدارة والعلاقات فيها . وما دام المبدأ موجوداً, فان ترك وسائله ناتج عن تقصير المسلمين ,على أن هذا الترك وعدم التحديد ، ليس عيباً بذاته ، بل مقصودا هدفه انسجام الإسلام مع متطلبات وتطورات العصور ذلك أنه مما حسب للإسلام بصلاحيته للزمان والمكان ، وذلك بأن ترك للناس الذين هم أعلم بأمور دنياهم كما جاء في الحديث الشريف تقرير تلك الآليات والهياكل والتنظيمات والأنظمة في كافة المجالات لإقامة حياة مدنية إسلامية حسب مقتضيات ظروفهم الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية، بحيث يصار إلى إيجاد الوسائل والآليات المناسبة والمتوازية مع تطور الأحوال.
مواطن
01-03-2005, 01:10 AM
كان لدى الفقهاء وعي بأن للحكومة الشرعية شرطان؛ العدل والشورى وهذا ما تحقق في فترة الخلافة الراشدة وإلى حد ما في عهد عمر بن عبد العزيز، والذي وصف بأنه راشد لأنه "عدل وشاور"، هي الاستثناء في الدولة العربية الإسلامية" الخلافة" والتي تم فيها إقامة العدل بسبب أنه ربط بآلية الشورى المرتبطة والنابعة من إرادة المجتمع "المسلمين والأمة" آنذاك خاصة وإن طريقة وآلية تسلم الخليفة الأول أبو بكر رضي الله عنه كانت مسنودة إلى الآلية المؤسسية الشورية وهي "سقيفة بني ساعدة"، تلك المؤسسة والتي للأسف لم تتطور كمؤسسة انتخابية لانتقال السلطة بحيث تعبر عن إرادة شعبية "مجتمع وأمة".
مع إقصاء الشورى عن السلطة في قيامها وانتقالها، أصبحت مسألة العدل غير مربوطة بآلية يمكن أن يضمن تحققها في آفاقها. عندما أسست السلطة الوراثية تم إقصاء الشورى فحدث الخلل، الاستبداد على حساب العدل والشورى والحرية. كانت في الدولة الإسلامية، منذ الخلافة الأموية، باستثناء عهد عمر بن عبد العزيز, كما أسلفنا، وهي السبب الأساسي لما شهده التاريخ الإسلامي من توالي ثورات على الاستئثار بالسلطة والثروة والقرار طوال قرون اتسمت بانعدام الاستقرار ونجم عنها تشظي الدولة لدويلات. وحتى وقتنا الحاضر تقريباً، وخاصة في عدد من البلاد العربية ، كانت هناك ثلاثة آليات لإدارة الدولة والعلاقات الاجتماعية بكافة أبعادها.
1) وجود حاكم أو خليفة أو سلطان أو أمير يأمل أن يكون عادلاً ؟ حتى لو كان مستبداً، ومن هنا كان إقصاء الشورى في عملية اختيار وانتقال السلطة وإدارتها. تم حصر السلطة والسياسة في أشخاص بعينهم، وبالتالي إعطائهم الحق دون غيرهم، ومن هنا كانت شمولية السلطة مشفوعة بفكرة ونظرية طاعة "ولي الأمر". وشمولية سلطاته وعدم الفصل بينهم، بررت عن طريق قياس ذلك على حال الخلفاء الراشدين، باعتبار أنهم يجمعون بين سلطة القيادة وسلطة القضاء في أحيان متكررة. ومع ذلك فإن كان صحيحاً بالنسبة لعدد من الخلفاء الراشدين، ومن في صفتهم وهم محدودين على أية حال، فإن نقاء وتقوى ونزاهة أولئك الخلفاء، وقربهم من عهد رسول الله ومن بداية الدولة، وكذلك عدم تعقيداتها في معظم المجالات، فقد مكنهم ذلك الجمع بين السلطات ولكن في نفس الوقت كانوا ملتزمين بآلية الشورى. أما غيرهم، وهو القياس مع الفارق بدرجة كبيرة، فإنهم أولاً لا يتحلون بصفات أولئك الخلفاء ولم يتمسكوا بها، ثانياً، آلية الشورى لتضمن إقامة العدل والحياة المدنية الإسلامية المتوازنة وحيث أن السياسة بقت فقط "الرئاسة" والإمارة, فإن الأمير أصبح هو كل شئ، وأما بقية الناس فليست سوى رعايا لا شأن لها بالسياسة وخاصة في ظل وتبرير ذلك فقهياً, ثم استخدام مفاهيم في سياق فقه التغلب والضرورة بنيت على أحاديث عن الرسول (صلى الله عليه وسلم)، لتطور أيضاً فكرة وشمولية الحكام والسلاطين والأمراء إلى آخره. في ضوء تلك الخلفية من إقصاء الشورى وبعده المجتمعي إرادة " المجتمع ـ الأمة " والتي كانت نواته المغيبة هي مؤسسة "سقيفة بني ساعدة"، فإن فكرة الصراع والتنافس والتعاون بين الأفراد والجماعات، وكذلك فكرة المساهمة والمشاركة في إدارة الشئون العامة في الدولة الإسلامية، لم تؤخذ على محمل الجد، بل نظر إليها على أنها محاولة لاغتصاب السلطة. من هنا، كانت حالة من عدم الاستقرار في الدول الإسلامية، حيث التصفيات ومحاولة الانتقام والتغلب على السلطة، على حساب آلية, سلمية لإدارة الصراع والتنافس والتعاون على توزيع الموارد و إقامة العدل, وبالتالي على حساب إرادة وسلطة المجتمع والأمة، والتي لم تتطور ولم تتاح لها فرصة التطور رغم وجود بذور إمكاناتها. إذاً، مع إقصاء آلية الشورى المسئولة أو المناط بها, ضبط العدل ومنع الاستبداد ومع استبعاد مركزها الجماعي في الإدارة (الأمة والمجتمع) المتمثل في نواة مؤسسة "سقيفة بني ساعدة" وحصر السلطة بوكلاء الوالي *[4] والذي يجمع السلطات كلها بيده,مبعداً نفسه عن المحاسبة والشمولية الواردة في الحديث الشريف وكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته, وأما الشعب والمجتمع فهم الرعية فما عليهم إلا أن يتبعوا ما يريده الراعي"الولي" . تطور الاستبداد وغياب العدل في ظل ثقافة أساسها لم تكن مدنية، جمعت بين البطش والقسوة. من هنا أصبحت الدولة هي السلطان والخليفة والأمير ... الخ ولكنها "الدولة- الفـرد".
وللأسف فأن الكتابات الحديثة في الفقه السياسي لم يتغلغل اجتماعيا ولم يتيح لها التطبيق الفعال وكذلك حتى الفكر السياسي العربي الحديث، والمهتم بقضايا الدولة، لم يعط فكرة الدولة والمؤسسات المدنية كثير اهتمام، ولم يتبنها إلا منذ وقت قريب جداً، ولا زال هناك من يفكر بنفس الطريقة القديمة، في تبرير وجود "الدولة ـ الفرد" وكذلك " الفرد ـ البطل" "والمحرر" "العادل ـ المستبد" وغيرها من مسميات تبجيلية خادعة. من هنا فإن ثقافة الحياة المدنية وآليات الدولة المعاصرة باعتبارها مؤسسات وليست أفراداً, أهملت وأغفلت عمداً أو جهلاً بل إن هناك مع الأسف من لا زال يؤصل للاستبداد والطغيان بالتشديد على شمولية سلطة الحاكم في الدولة الإسلامية وعدم الفصل بين السلطات.
2) الآلية الأخرى والتي كانت ولا زالت مستمرة في كثير من البلدان العربية والإسلامية هي وجود "قاض أو قضاة" يتميزون بالنزاهة والأمانة والصدق وعن طريقهم يتم تطبيق العدل وخاصة في نقاط التقاضي والتخاصم بين الناس. كان القاضي أو القضاة في السابق وفي فترات الدولة الإسلامية غير الحديثة، وبتلك المواصفات ولعدم تعقيدات الحياة يمكن أن يحققوا قدراً مقبولاً من العدل ولكن في ظروف الدولة الحديثة وتكاثر سكانها وتنوع وتضارب مصالحها والاحتياجات، فإن هذه الآليات بالتأكيد لن تكون كافية، وستكون قاصرة عن تحقيق مقاصد الشريعة الإسلامية، وخاصة لن تحقق القدر اليسير من العدل. لذلك بدأ أنه مع تزايد الاستبداد لدى "الدولة ـ الفرد"، فإن استقلال القضاة ـ ليس من حيث القضاة أنفسهم فقط وإنما بوجود معايير وآليات تمنع تدخل الحاكم "السلطة التنفيذية" وأجهزتها بشئون القضاة كسلطة قضائية وكمؤسسة. وطبقاً لنظرية ولي الأمر، فإن الحاكم. كما هي مطبقة في بعض من البلاد العربية ومنها السعودية على وجه التحديد، يعتبر هو القاضي الأول وما القضاة إلا وكلاء ينوبون عنه، وبالتالي فإن الحاكم ـ الملك يستطيع في العقوبات التعزيرية رفض الأحكام وطلب تغييرها، هذا فضلاً عن عدم وجود مدونة لأحكام وعقوبات التعزير معروفة وواضحة "محددة وموحدة ومعلنة"
3) آليات الاحتساب على السلطة "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر"
لنبدأ أولاً بأدلة من القرآن والسنة على الاحتساب على السلطة أو السلطات والأمر وبالمعروف أو النهي عن المنكر:
أولاً : الأدلة من القرآن الكريم:
1) قال تعالى "ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون" (104 سورة آل عمران). ويلاحظ في هذه الآية الكريمة أن الأمر لم يقتصر فقط على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، على العموم، وإنما قدم لها بالدعوة إلى الخير وتلك يمكن الاستدلال فيها على القيام بكل الأعمال الخيرة بما في ذلك مسألة تقديم الاقتراحات والآراء والأفكار الإصلاحية لخير المجتمع وتقدمه .
2) وقال الله تعالى "كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر ( 110 آل عمران). ويلاحظ في هذه الآية الكريمة إن القيام في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حق متاح لأي فرد في المجتمع وليس فقط كوظيفة لفئة محددة كما هي الآية الأولى.
1) قال الله تعالى "والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر" (آية 71 التوبة).
2) قال تعالى " فلما نسوا ما ذكروا به أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون" (آية 165 سورة الأعراف). وفي الآية الكريمة فإن الذين ينهون عن السوء فهم أولئك الذين ينكرونه وبالتالي نجاهم الله فسلموا، وأما الذين ظلموا منهم ، فهم أولئك الذين فسقوا "إيماناً أو سلوكاً" وأيضاً الذين سكتوا ولم ينهوا عن الظلم والفسق فعذبوا عذاباً شديداً.
ثانياً: الأدلة من السنة على الاحتساب على السلطة "السلطات" الأمـر بالمعروف والنهي عن المنكر:
1) عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان" رواه مسلم .[5]
ويلاحظ في هذا الحديث أن حق الإنكار واجب على كل فرد وكل حسب طاقته، ولذلك فإنه بالنسبة "لدعاة الإصلاح الدستوري والمجتمع الأهلي المدني" فإن الوسيلة هي الكلمة والآراء والمقترحات والتعبير عنها "باللسان" لأن ذلك مما يقع في قدرتهم وإمكاناتهم المعرفية والقدرة على التعبير عنها بالرأي كتابة أو خطابة .... الـخ .
2) عن ابن مسعود رضي الله عنه أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: "ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمره، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يأمرون، ومن جاهدهم بيده فهو مؤمن ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل" رواه مسلم .[6]
ويلاحظ في الحديث أعلاه أن الرسول صلى الله عليه وسلم, يجعل من الاحتساب, بكافه وسائله, بما في ذلك الاحتساب عن طريق الكلمة "اللسان", جهادا ومجاهدة.
والمقصود من وتعرفون وتنكرون، أي تعرفون أفعالهم الموافقة للشريعة وتنكرون بعضها لمخالفتها لها. وأما المقصود بقول "من رضي وتابع أي من رضي بفعلهم وافقهم عليه فهو العاصي. [7]
3) وعن عدم تناهي بني إسرائيل عن المنكر كما وردت في (الآيات 78ـ 81 .. المائدة)، وإن علمائهم أخذوا يجالسونهم ولا ينكرون عليهم ... قال الرسول صلى الله عليه وسلم في حديث عن ابن مسعود رضي الله عنه، محذراً المسلمين أن يكونوا مثل أولئك من بني إسرائيل، "كلا" والله لتأمرون بالمعروف، ولتنهون عن المنكر ولتأخذن على يدي الظالم ولتأطرنه عن الحق أطراً، ولتقصرنه على الحق قصراً أو ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض ثم ليلعنكم كما لعنهم رواه داوود والترمزي [8] 4) وعن حذيفة رضي الله عنه عن النبي (ص): "والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر، أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقاباً منه، ثم تدعونه فلا يستجاب لكم" رواه الترمذي . [9]
5) عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه قال، سمعت رسول الله يقول: "إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يده أوشك أن يعميهم الله بعقاب منه" رواه أبو داوود والترمذي والنسائي [10] والمقصود بأن يأخذوا على يده، أن يمنعوه من الظلم باليد أو باللسان أو بالقلب. [11]
في سياق الاحتساب على السلطة، بما هي أمر بالمعروف ونهي عن المنكر, بما في ذلك القيام بالنصيحة والدعوة إلى الخير متوجهاً في تحقيق ذلك إلى السلطة والمجتمع والشعب (الأمة)، وهو ما قد يشمل إلقاء الخطب والمحاضرات والندوات في مختلف المنابر العامة وبما يشمل طرح الآراء والرؤى في قضايا الإصلاح وتوعية الناس في أمورهم ومصالحهم ، فهناك حديث الرسول (ص) يقول فيه : "الدين النصيحة قلنا لمن ؟ قال: "لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم". [12]
وكلمة النصيحة هنا كلمة جامعة ، تعنى بأمور الدين الروحية والمدنية" قولاً وعملاً " وبالنسبة لعامة الناس فالنصيحة تشمل إرشادهم لمصالحهم في دنياهم وآخرتهم، بما في ذلك دفع المضار عنهم، وجلب المنافع لهم، والذب عن أموالهم، وغير ذلك من أحوالهم بالقول والفعل [13].
والنصيحة بهذا المعنى الواردة بالحديث ، تعني أولاً إنها وهي تتوجه ليس فقط للحكام, وإنما لعامة الناس فإنها لا يمكن أن تكون سرية بل علنية، وحق للناس على من لديهم المعروفة والإمكانية في تقديم النصيحة في أمور حياتهم، ومنها بدرجة أساسية الدفاع عن قضايا العدل ومحاربة الظلم والفساد وما ينتهك حرياتهم وحقوقهم المادية والمعنوية، في كافة المجالات، بما في ذلك المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وتوعيتهم لها بكل وسيلة سلمية ممكنة.
تلك الأدلة من القرآن والسنة على الاحتساب على السلطة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ونود أن نشير إلى أن الاحتساب على السلطة من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويركز على الأمر بالمعروف السياسي والنهي عن المنكر السياسي، وأهم أمر بالمعروف السياسي، هو إقامة العدل والأمر به، والدعوة إليه كتابة أو خطابة أو تقديم رؤى، ولتحقيق ذلك، بما في ذلك ما يتعلق بالوسائل والآليات والهياكل والطرق والأساليب السياسية الحديثة لتحقيق ذلك. وأما النهي عن المنكر السياسي فإنه يشمل أيضاً النقد، ومحاربة الفساد والظلم والمظالم والمحسوبية وتبيان ذلك للسلطة وعامة الناس بكل طريقة ووسيلة سلميه ممكنة. ورغم إن الأدلة القرآنية والسنن النبوية الشريفة تقدم تلك الإمكانية للاحتساب على السلطة لصالح الأفراد والجماعة وفي سبيل إقامة حياة إسلامية عادلة شورية، إلا إن الممارسة بهذه الإمكانية كانت أولاً تـتـم فـي:
أولاً : إما على شكل فردي يحاذر السلطة.
ثانياً : أو على شكل هيئة ولكنها خاضعة للدولة أو السلطان، وبالتالي غير مستقلة وعادة تركز تلك الهيئة على أمور الاحتساب الأخلاقي والآداب والسلوك الإسلامية وهذا أمر هام, كما هو حال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في السعودية، ولكنها لم تكن تمارس الاحتساب السياسي "الأمر بالمعروف، الأمر بالعدل والنهي عن المنكر، عن الظلم". بل فوق ذلك فإن تاريخ الدولة الإسلامية في قديمها وحديثها، كما هي حالة السعودية وبعض البلدان العربية، لا تسمح بالاحتساب عليها، من قبل الأفراد من أهل العلم والرأي والخبرة والاختصاص في كافة المجالات, والذين يمتلكون القدرة المعرفية والتحليلية لتقديم الرؤى والمقترحات والإصلاحات، من خلال الهياكل والآليات المحايدة، والتي في حالة تبنيها يمكن أن تساهم في ضمان إقامة العدل ومحاصرة الظلم والفساد وإقامة حياة مدنية إسلامية شورية عادلة. وعادة ما تنظر مثل هذه الدول للاحتساب الفردي عليها بحساسية مفرطة، وغالباً ما تحاول تقييده ومحاصرته واتهام من يقوم به بالتحريض والفتنة، رغم إن أراء بعض الفقهاء تشدد على إن الاحتساب على السلطة في المجال السياسي لا يحتاج إلى إذن وموافقة منها، كما قال في ذلك عديد من الفقهاء كابن تيمية وأبو حامد الغزالي وغيرهم، لأن القيام بالاحتساب حق للفرد والجماعة، بل إنه يتجاوز الحق إلى كونه واجباً لمن لديه قدرة، ولذلك فإن القيام به تجاه الاستبداد والسلطة الجائرة اعتبر على إنه يوازي الجهاد حيث إن في ممارسته "أثمان ومشقة" يمكن للمحتسب والمصلح أن يدفعها بأي لحظة.
مواطن
01-03-2005, 01:11 AM
إذن الاحتساب الفردي غير مسموح به من قبل السلطات والدول، وخاصة في عدد من الدول العربية، وإذا قبلت به فتقبله على مضض وتحاول أن يكون في أضيق الحدود (وغير علني ... سري ... النصيحة والمناصحة سراً)، وذلك للتحكم وإغفال المجتمع وعامتهم، رغم ما لهم من حق على المحتسبين بالنصح لهم وتوعيتهم كما مر بنا في الحديث السابق.
وإذا كان الاحتساب على السلطة فردياً وغير مسموح به من تلك الدول، فإنها في المقابل، سوف تشعر بقلق أكبر من الاحتساب الجماعي "المجتمعي- المؤسسي" على السلطة. ولضمان عدم حدوث الاحتساب المجتمعي المؤسسي عليها، قامت معظم الدول العربية, أ كانت تقول أنها تطبيق الشريعة الإسلامية أم لا، ولضمان عدم حدوث الاحتساب المجتمعي المؤسسي عليها، بشكل كبير ومنهجي وخاصة بعضها، بمنع أي إمكانية لقيام تكوينات المجتمع الأهلي المدني "الجمعيات والاتحادات والنقابات" المهنية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والعلمية والسياسية أو بالهيمنة عليها وتحويلها إلى مؤسسات شكليه. وفي حالة قيامها أو وجودها, فإن تلك الدول والسلطات تعمل على عدم فعاليتها الاحتسابية "الامر والنهي عن المنكر" وخاصة في المجال السياسي في قضايا الحقوق والحريات والمصالح والعدالة في كافة مجالاتها، وكل حسب مجاله واهتماماته وتتم عادة عدم الفعاليات لتلك التكوينات الأهلية المجتمعية ، من خلال محاولة تلك الدول السيطرة عليها باختراقها أو التضييق عليها.
بموازاة ذلك عملت عديد من الدول العربية، بوعي أو بجهل بتدمير التكوينات الاجتماعية الأهلية التقليدية (الأسر والعشائر والطوائف ... الخ) . نتج عن هذه وتلك نتيجتان متلازمتان: الأولى، من خلال غياب الرقابة والمحاسبة سواء أكانت مؤسساتياً على مستوى تركيب السلطة نفسها "عدم وجود فصل السلطات والرقابة فيما بينها" أم على مستوى الاحتساب الفردي أو المجتمعي المؤسسي، مدعوماً دعماً واضحاً في استقلال القضاء، أصبحنا أمام دول عربية، ومنها من يقول إنها تطبق الإسلام وإن دستورها القرآن والسنة، وفيها الاستبداد "الانفراد بالسلطة" والسلطة المطلقة والاستئثار بها هو السائد المهيمن، فاستشراء الظلم والمظالم، بما في ذلك الفساد المالي والإداري وسيطرة نخب من عائلات متحالفة مع السلطة أفرغت قضايا التنمية وتوزيع الموارد لمصلحتها ونفوذها، وانتهكت الحقوق, والحريات تم مصادرتها, فضاعت الكرامة الإنسانية للمواطنين، وقل الاهتمام بالمصلحة العامة، وتناقص الانتماء والولاء، فأصبحنا أمام دول هشة غير قادرة على مسايرة ومواجهة التحديات الداخلية والمخاطر الخارجية مما يجعلها تعرض مجتمعاتها لأشد احتمالات الخطر إلا وهو التفتيت ومشاريع التقسيم ومشاريع إعادة صياغة خرائط وإخضاع المنطقة بما ينطوي على تلك من مخاطر حقيقية.
ثانياً : كان ولا زال اندلاع الصراع الاجتماعي والحرب الأهلية والعنف، في عدد من الدول العربية، نتيجة متلازمة للاستبداد وغياب المشاركة الشعبية تماما مثلما كان في الدولتين الأموية والعباسية، عن طريق إقصاء آلية الشورى الملزمة والمنتخبة دورياً وبتفويض من المجتمع (الأمة)، وبالتالي خلل أو غياب العدل في كافة المناحي والمجالات. ولذلك فإن انخراط أعداد متزايدة من الشباب في العنف، كان نتيجة طبيعية ولربما حتمية للاستبداد السياسي، مع غياب المشاركة وآلياتها، وكذلك عدم وجود أطر وتكوينات مؤسسات المجتمع الأهلية والمدنية، لكي يتيح لهؤلاء الشباب الانخراط فيها والإفصاح عن رغباتهم وآرائهم ورؤاهم ومطالبهم وإمكانية إيجاد أطر تقدم لهم التوجه والقيادة والمشاركة والأمل في حياة أفضل.
ولكي نضمن تحقيق العدل والقضاء على الاستبداد، فإننا بحاجة إلى آليات وهياكل وإجراءات تتضمن عناصر أساسية من خلالها يمكن أن نصل إلى انتظار الوسائل المناسبة للتحقيق الأمثل لمقاصد الشريعة الإسلامية والتي لم تعد الوسائل والأدوات السابقة الماضية كافية أو قادرة على تحقيقها وضمان تطبيقها وتلك الوسائل والآليات والهياكل والإجراءات والعناصر التي يمكن أن تحقق لنا العدل وتقضي على الاستبداد وتضمن حقوق الناس وحرياتهم يوفرها ويتضمنها "الدستور".
والدستور بهذا المعنى "ليس كفراً ولا إيماناً"، بل هو آليات وهياكل وإجراءات وعناصر محايدة لإقامة حياة مدنية إسلامية ( أو سواها حسب المرجعية)، وهنا المرجعية الإسلامية "القرآن والسنة". وقبل أن ندخل في تفصيل عام عن هياكل وآليات الدستور، نقول إن الدستور يمكن أن يقاس على تنظيمات وأنظمة وآليات وهياكل، تستخدمها الدول للمساعدة في تسيير بعض شئون الحياة، ومنها على سبيل المثال وليس الحصر نظام المرور. ونظام المرور يتكون من عناصر تتعلق بالقيادة للسيارات ، والإشارة الضوئية التلقائية، وكاميرات المراقبة، وأجهزة رصد السرعات "الرادار" والشبكات الإلكترونية إضافة إلى نظام العقوبات والجزاءات للمخالفات ..... الخ. وفي السعودية، وقبل أكثر من خمسين عام أو حولها، لم يكن هناك نظام مرور، ولا مسارات ولا طرق معبدة ولا رقابة على السير. ومع الوقت أصبحت الحاجة ملحة لاستخدام تلك المنظومة من عناصر نظام المرور، وهذه لم تكن أصلاً موجودة في البلاد العربية أو الإسلامية، وإنما تطورت في الغرب، كنتيجة طبيعة لتطور مجتمعاتها وتقنياتها، بما في ذلك السيارات والآليات والنقل والحاجة إلى تنظيمها. فهل نظام المرور "حرام أم حلال"؟ وهل نظام المرور "إيمان أو كفر"؟ وإذ لم يرد في القرآن والسنة فهل يعني إن أي نظام أو تنظيم حياتي يأتي من تجارب الآخرين والحضارة الإنسانية، يعتبر مخالفاً للقرآن والسنة والدستور؟.
والدستور في جوهره آليات وهياكل وإجراءات وعناصر، تضمن العدل، وتقضي على أو تحد من الاستبداد، وصولاً إلى إن الدستور ما هو في النهاية إلا "السلطة المقيدة" "الحكومة المقيدة" (أ والملتزمة) بذلك، من خلال الممارسة وتطبيق تلك الآليات والهياكل، مسنوداَ ذلك بدعم شعبي يصوت عليه، بحيث يكون المجتمع ـ الشعب "الأمة وإرادتها" الأمر باعتبار السلطة للأمة في تحقيق مقاصد الشريعة, فهي أي الأمة المخولة بتقرير مصالحها واتخاذ الوسائل المناسبة لتحقيق مقاصد الشريعة والتي تتجلى من خلال الانتخابات العامة الدورية النزيهة للمواطنين مع ضمان حرية التصويت. والدستور من حيث هو آليات وهياكل وعناصر يتكون ببساطة من العناصر والهياكل الآتية:
إقرار الدولة بالحقوق والحريات الأساسية.
فصل السلطات وآليات الرقابة والمحاسبة. أ – السلطة التنفيذية ب- السلطة النيابية ( الشورى المنتخبة الملزمة) .ج- السلطة القضائية.
3) ضمان وتعزيز استقلال القضاء "تعزيز استقلال القضاء(السلطة القضائية عن طريق وجود معايير معترف بها دولياً تقبلها الدولة وتأخذ بها).
4) السماح بتكوينات المجتمع الأهلي المدني من جمعيات واتحادات ونقابات بالتشكل والعمل والمحافظة على مصالح المنتمين لها والقيام بحماية الحقوق والحريات والرقابة في الشئون العامة والاحتساب على السلطات وعلى التكوينات الاجتماعية الأخرى.
وبدون الدخول في التفاصيل [14]، فإن المهم في تلك الآليات والهياكل هو أن نصل بالفعل إلى "السلطة المقيدة" وذلك عن طريق:
آلية فصل السلطات وآلية الرقابة والمحاسبة أو يمكن تسميتها في الإسلام "التراقب والتحاسب المؤسساتي في الإسلام للسلطات على بعضها البعض وفيما بينها". إن كل سلطة من تلك السلطات الثلاث لها اختصاصها وصلاحياتها في أداء وظائفها ومهامها: "السلطة التنفيذية" أو الحكومة، تختص أساساً بالتنفيذ ورسم السياسات العامة وتصريف أمور إدارة الشئون العامة والخارجة عن طريق الأجهزة الحكومية - الوزارات وفروعها، وما تسمى "الإدارة العامة" أو البيروقراطية؛ السلطة النيابية المنتخبة شعبياً ودورياً يتولد لها من تلك الانتخابات التفويض الشعبي ومشروعية ممارسة سلطتها نيابة عن المجتمع ـ الشعب أو الأمة, ومهمة هذه السلطة النيابية هو إصدار القوانين والقرارات وسنها طبقاً لأحكام الدستور ومرجعيته في مصادر الأحكام؛ والسلطة القضائية تقوم بتطبيق الأحكام المنصوص عليها دستورياً والمؤسسة على مرجعيات محددة في مصادر الأحكام، وكذلك بالبث بمشروعية وشرعية القرارات الصادرة من السلطات الأخرى، وذلك عن طريق وجود محكمة دستورية عليا (شرعية)، بالفصل في المنازعات بين الأفراد والأطراف بما يحفظ ويصون الحقوق وعلى قدم المساواة.
إضافة إلى ذلك، وهذا هو المهم أيضاً، فإن تلك السلطات ورغم أنها تقوم في أداة وظائف واختصاصات كل في مجالها، إلا أن كل منها، مناط بها، طبقاُ للدستور، القيام بمراقبة عمل السلطات الأخرى وإمكانية التدخل للحد من تجاوز الصلاحيات والمخولة دستورياً وعدم إساءة استخدام السلطة وهذه هي آلية ووظيفة يمكن تسميتها بالتراقب والتحاسب. فالسلطة النيابية "ممثلة للشعب والمجتمع" تراقب أعمال وسياسات الحكومة وتحتاج الحكومة والسلطة التنفيذية إلى إقرار وموافقة السلطة النيابية على كثير من أعمالها؛ فالميزانية العامة للدولة وصرفها تحتاج إلى موافقة من السلطة النيابية ، وكذلك تعيين الوزراء ومسائلتهم عن أعمالهم وأيضاً المصادقة أو رفض توقيع الاتفاقات الدولية وخاصة الأمنية والعسكرية... الخ. والسلطة القضائية عن طريق المحكمة الدستورية العليا الشرعية تراقب أعمال وقرارات كل من السلطات التنفيذية والنيابية، فإذا وجدت أن تلك القرارات تتعارض مع الدستور وأحكامه، بما في ذلك عدم انتهاك حقوق وحريات المواطنين الأساسية فإنها تصدر أحكاماً ملزمة تجاه السلطة المخالفة، بإلغاء تلك القرارات أو القرار. إضافة إلى ذلك، تكون مؤسسات المجتمع الأهلي المدني وتكويناته المختلفة، والتي يضمن الدستور قيامها وعملها واستقلاليتها، بالرقابة المؤسسية المجتمعية على السلطات، وهو ما يمثل "آلية الاحتساب على السلطة" إسلامياً ولكن بطريقة مؤسسية وليست فردية وبكافة المجالات ذات الصلة بالعدل والحقوق والحريات والمصالح الخاصة والعامة وضد الفساد والمظالم ... الخ، وكذلك تقوم مؤسسات المجتمع الأهلي المدني بالاحتساب على بعضها البعض للحفاظ على الحقوق والمصالح والتوازن في سياق المصلحة العامة .
هناك عدة نقاط تحتاج إلى توضيح فيما يتعلق بتلك الآليات الدستورية وعدم تناقضها مع القرآن والسنة. الأولى تتعلق بمسألة الحقوق والحريات العامة للمواطنين "حقوق الإنسان" وكذلك بمصادر الأحكام ذات الصلة بالدستور أو بالحقوق أو بعمل السلطة النيابية. فنقول أن المرجعية ذات الأولوية في كل ذلك هي الأحكام القطعية الواردة في القرآن والسنة فيما يتعلق بالحقوق والحريات، ومصادر أحكام الدستور لعمل السلطات. إضافة إلى ذلك فإن الحقوق والحريات الأساسية التي تقرها السلطة النيابية المتصلة بالمواثيق الدولية المنسجمة مع الإسلام وغير المتعارضة تعتبر جزءاً من تلك المنظومة الحقوقية. الثانية: تتعلق بآلية فصل السلطات وخاصة فيما يتعلق بالسلطة النيابية فهذه في بعدها الإسلامي والقرآني وسنة النبي وسيرة الخلفاء الراشدين هي "الشورى الملزمة" والمنتخبة شعبياً ودورياً في المجتمع. وأما من المؤهل لذلك التمثيل "تمثيل الناس والمجتمع" "في تلك السلطة ـ الشورى الملزمة " فهم من يطلق عليهم أهل الحل والعقد من أهل الرأي والخبرة والعلم والاختصاص في كافة المجالات الحياتية بما في ذلك أهل الاختصاص في الشريعة الإسلامية، وأولئك وهؤلاء جميعاً هم من يطلق عليهم القرآن "أولي الأمر" والذي تنطبق عليهم الآية الكريمة التالية قال الله تعالى : "وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به، ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم، ولو لا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلاً" (الآية 83 من سورة النساء). "أولوا الأمر" في الآية السابقة هم، كما قال بذلك، النووي في شرح صحيح ومسلم، أهل العلم والمعروفة والرأي . [15] ، ويقول بذلك أيضاً الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي، حيث يقول "أولي الأمر" المقصود بهم، أهل الرأي والعلم والنصح والرزانة الذين يعرفون الأمور. [16]
والثالثة تتعلق بمؤسسات المجتمع الأهلي المدني وهذه تمثل الجمعيات والاتحادات والنقابات في المجالات المهنية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية ... الخ . والمهم هنا إن هذه الآلية تسمح للمجتمع والجماعات والأفراد المنتمين لها بالاحتساب على السلطات بطريقة "مؤسسية سلمية ومشروعة"، وفي سياق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، في الشئون العامة، وما يتصل بالعدل باعتباره من أهم وأولويات الأمر بالمعروف، والنهي عن النظم والفساد باعتباره من أهم أولويات الإنكار السياسي. إذن تصبح هذه الآلية بالاحتساب على السلطة، هي الآلية المؤسسية "المجتمعية" للأفراد والجماعات المنخرطين بها، للقيام بالاحتساب على السلطة، وفيما بين تلك المؤسسات الأهلية المدنية، وبطريقة سلمية دستورية مشروعة ، وبما يحقق أيضاً آليات وأطر اجتماعية بانخراط المواطنين من أبناء المجتمع بما في ذلك الشباب منهم في تلك التكوينات، مما يساهم في الحد من العنف واتجاهاته، مع تكامل ذلك مع الحد من الاستبداد، عن طريق آلية فصل السلطات ودخول المواطن العملية السياسية، وأن يكون جزءاً أساسياً منها وبحق وضمان دستور مصوت عليه شعبياً يؤكد على "إرادة الأمة والمجتمع في تحقيق مصالحه المشروعة في الشريعة" باعتبارها منبـع الولاية و مناط الحكم ومرجعيته، ويشكل أساساً المشاركة الشعبية بآلية الشورى الملزمة (السلطة النيابية المنتخبة).
فإذا كان الدستور بهذه الآليات يصل بنا إلى ضمان تحقيق العدالة في آلية الشورى الملزمة، ضمن آليات فصل السلطات والقيام بالرقابة والمحاسبة والتراقب والمحاسبة بين السلطات وعلى بعضها البعض، وضمن آلية استقلال القضاء، وكذلك آلية المجتمع المدني في الاحتساب على السلطات من خلال الأمر بالمعروف والنهي المنكر، ويحد عن طريقها من الاستبداد ويصون الحقوق والحريات العامة، والكرامة الإنسانية، إسناداً إلى مرجعية إسلامية بالأحكام، حيث أن " أحكام الشريعة الإسلامية" تمثل المصادر الأولى وذات الأولوية في التطبيق كلما كان هناك نصوصاً قطعية عليها, فهل الدستور بديل " القرآن والسنة " أم هو التطبيق الأمثل للشريعة الإسلامية وتحقيق مقاصدها؟ في تحقيق وضمان العدل ومنع الاستبداد، وإقامة حياة مدنية إسلامية عادلة، تؤسس لخير المواطن والمواطنين من أبناء المجتمع والأمة، بما يعمل على نموهم وتقدمهم، وإمكانية أن يتنافسوا فعلياً مع الأمم الأخرى في المساهمة في الحضارة الإنسانية، ولربما تقديم نموذج للتقدم والحياة وفي سياق روحي ومدني متوازن. وباختصار نقول إنه لا عدل من دون شورى، ولا شورى من دون إلزام، ولا إلزام من دون محاسبة ومراقبة واحتساب، ولا محاسبة أو مراقبة أو احتساب من دون دستور.
الدول والمجتمعات الحديثة أصبحت معقدة في شئونها العامة والخاصة وفي كافة مجالاتها الاقتصادية والاجتماعية والسكانية والثقافية والقيم والمعتقدات السياسية... الخ ، بحيث تطلب إدارتها على نحو فعال لتحقيق العدل والحياة الصالحة ومقاومة الظلم والفساد وتجلياتها إمكانات وآليات جديدة. والدستور هو الآليات والهياكل الحديثة التي تقدم هذه الإمكانيات. والوسائل القديمة لتحقيق مقاصد الشريعة الإسلامية ، لم تعد في ضوء مثل هذه التعقيدات كافية أو قادرة على أن تحقق تلك المقاصد . من هنا فإن الحاجة ماسة إلى الاستفادة من الهياكل والآليات الدستورية التي تحقق ما عجزت عنه تلك الوسائل والآليات القديمة. والدستور بمرجعية إسلامية أساسية وتطبيق آلياته يعيد الآلية "الشورى الملزمة"، السلطة النيابية، فاعليتها وروحها في سياق الدستور الإسلامي. وإذا كان الدستور يحقق العدل (القسط) الذي أمر الله الناس ليقوموا به, فأنه يعتبر من الدين, ذلك أن ابن القيم الجوزية في تفسيره للآية (25 من سورة الحديد). يقول "...فأي طريق أستخرج بها العدل والقسط فهي من الدين ليست مخالفه له, فلا يقال إن السياسة العادلة مخالفه لما نطق به الشرع بل موافقة لما جاء به , بل هي جزء من أجزائه " [17]
مواطن
01-03-2005, 01:12 AM
وكما أشرنا سابقا إلى مثال نظام المرور وأهميته في تسيير المسألة المرورية، وما يتعلق بها وأخذه من قبل تجارب وحضارة الآخرين، فإن تجربة الدولة الإسلامية الأولى في أيام الخلافة الراشدة أيضاً قد مرت بتجربة مشابهة، من حيث استيرادها لمفاهيم وآليات "الدواوين" أو ما يمكن تسميته "بنظام الإدارة"، ولم يكن ذلك يمثل تعارضاً مع القرآن والسنة، رغم إنه نظام استخدم من حضارة أخرى وتلك الحضارة كانت كافرة. إن حسن الإدارة والنظم والآليات في حياة مدنية متطورة قد تجعل أمماً كافرة أكثر عدلاً من أمم ودول مسلمة، وكذلك أقدر على مقومات القوة والانتصار وهذا ما نراه هذه الأيام من قبل تلك الدول والأمم، وليس غريباً أن ينصر الله الفئة الكافرة على الفئة المؤمنة نتيجة امتلاك أسباب القوة والإدارة والتعامل مع معطياتها
انطلاقاً من ذلك التصور للعلاقة السليمة بين الدستور والإسلام " القرآن والسنة " ثم صياغة خطاب " نداء إلى القيادة والشعب معاً : الإصلاح الدستور أولاً " ، والذي قدم إلى القيادة السعودية بعد منتصف الشهر الأخير من العام 2003 م ، وذلك على بناء صيغة إسلامية وعلى مرجعية إسلامية ولذلك فقد كان من بين الموقعين عليه ، والذين بلغوا إجمالا مائة وستة عشر شخصاً من أبرز النخب المعرفية والثقافية والشرعية والمهنية السعودية ـ أكثر من خمسة وعشرين من أساتذة عقيدة وتربية إسلامية وقضاة ودعاة ومنهم رموز وفعاليات إسلامية معروفة.
وتمشياً مع مشروعية الاحتساب على السلطة، في سياق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في المجال السياسي، فإن دعاة الإصلاح الدستوري السلمي والمجتمع الأهلي المدني قدموا وطرحوا تلك الرؤى الإصلاحية الدستورية للقيادة والشعب انطلاقاً من أنها تمثل دعوة للخير والإصلاح لإقامة حياة مدنية إسلامية شورية عادلة، وعملاً بقول الرسول (صلى الله عليه وسلم) :"الدين النصيحة قلنا لمن ؟ قال: "لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم. وهذه دعوة إصلاحية دستورية سلمية وأما تطبيقها وتنفيذها فيعود إلى الفعاليات الاجتماعية وإلى تفهم وإدراك القيادة لاغتنام الفرصة واعتبارها من ضرورات الانتقال إلى حياة مدنية إسلامية شوروية عادلة، تنفي مع قيامها مسببات العنف والاحتقانات واحتمالات الصراع الاجتماعي المفتوح ومشاريع التفتيت والتقسيم أو الإعاقة أو التبعية والاستعباد للبلد والمجتمع والمنطقة عموماً .
الإصلاح الدستوري أولا: في السعودية
القضايا والأسئلة الأساسية
الدستور المكونات الجوهـر والــروح
في البلاد العربية تثار قضية أن لديها دستور أو أن دستورها هو القرآن والسنة, كما في السعودية تحديدا, وان نظامها الأساسي يقوم ويؤسس على ذلك، بل أن الدولة في قيامها ومشروعها أسست على ذلك. وبالتالي فإن هناك في السلطة أو خارجها من يثير فكرة أن طرح الإصلاح السياسي وخاصة الإصلاح الدستوري بالتركيز على فكرة "الدستور" لا يأتي بجديد, أو أنه لا حاجة إليه باعتبار أن الإسلام والشريعة الإسلامية ( القرآن و السنة ) هي دستور الدولة والمجتمع. فهل هذه المقولة قناعة أم تشكيكا لغاية ضرب مشروع الإصلاح الدستوري هي مقولة يعتد بها أم لا ؟ وإذا كانت هناك دساتير في بعض الدول العربية لماذا ليست لها الروح الفاعلة ؟
بداية وقبل الإجابة على هذه التساؤلات لا بد من تحديد المقصود بالدستور. ذلك أن هذه الكلمة غير مفهومة ليس فقط لدى عامة الناس, بل حتى من النخب الثقافية والفكرية والدينية, بل وحتى السياسية. ورغم أن هذه الكلمة ربما تسمعها تلك الفئات وترددها خاصة خلال العقد الأخير المنصرم وبالذات خلال السنوات الأخيرة الماضية. إلا أن الكثير منهم بمن فيهم بعض النخب المثقفة لا تعي المعاني والدلالات الأساسية السياسية والحقوقية لها . من هنا فان الحاجة ماسة إلى إعطاء تصور محدد عن ما هو المقصود "بالدستور" حيث ورد في الرؤى الإصلاحية وخاصة في وثيقة "الرؤية" لحاضر الوطن ومستقبله" وبشكل أكثر تحديدا، في وثيقة "الإصلاح الدستوري أولا" والذي قدمت إلى القيادة السعودية في منتصف الشهر الأخير من العام 2003م وانتشرت على نطاق واسع حيث وقعها أكثر من #116 شخصية من أبناء الوطن من مثقفين وعلماء وأساتذة جامعات وقضاة ورجال أعمال ومهتمين بالشأن العام ونشطاء في مجال الدعوة إلى المجتمع الأهلي المدني (1). الوثيقة آنفة الذكر, تطالب بإصلاح سياسي اقتصادي واجتماعي وثقافي شامل في السعودية يقوم على المطالبة بالدستور, وإعلان الملكية الدستورية ,في سياق مبادرة إصلاحية من منظومة متكاملة من العناصر الإصلاحية الدستورية، على أن يصوت على ذلك الدستور وعناصره , والذي يفترض أن يصاغ بعناصره وبنوده من خلال هيئة وطنية مستقلة من بين أهل الخبرة والاختصاص في كافة العلوم وخاصة الفقه الدستوري والشريعة.
ما هو الدستور؟ وما هي عناصره الأساسية؟ ولماذا الدستور وأهميته في الإصلاح الشامل والسياسي خاصة في السعودية ؟ وما هي روح الدستور؟
هناك فهم سائد قديم في الفقه الدستوري بأن الدستور هو مجموعه أحكام وقواعد تحدد نظام الحكم (وشكله وطريقة انتقال السلطة) والسلطات واختصاصاتها وعلاقاتها ببعض والوظائف الاقتصادية والمدنية والاجتماعية والثقافية التي تقوم بها الدولة، وكذلك حقوق وواجبات المواطن. ورغم أن هذا جزء من فهم الدستور إلا أن هذا الفهم لا يبين جوهر وروح الدستور والفهم السليم له، وهذا ما سوف نوضحه تاليا.
إذا كنت في جزيرة ما، وأنت سلطانها الآمر الناهي المتحكم بكل شيء على سكانها, فإن هؤلاء السكان يعتبرون رعايا وأقرب إلى العبيد. ذلك أن سلطة مطلقة لا يحدها حد, ولا يقيدها قيد، وبالتالي فإن العدل والعدالة تصبح مفقودة وكذلك الحرية والحقوق بالنسبة إلى سكان تلك الجزيرة. وحيث السلطة المطلقة هي مفسدة مطلقة، فلا بد من وضع قيد عليها يمكن الناس من حقوقهم وحرياتهم, وكذلك من آفاق مجتمع العدل والمواطنة والعدالة الاجتماعية(توزيع الثروة). من هنا فإن الدستور, بهذا المعنى, يعني أن السلطة (في أي بلد كان ) هي " سلطة مقيدة". مما يفترض أن الرئيس أو الأمير أو الملك، وهو رئيس السلطة التنفيذية أو رئيس الدولة بشكل أساسي، يجب أن تقيد سلطاته لكي تمنع مسألة الاستبداد "(الانفراد) بالسلطات واحتكارها " وبالتالي الحد من القمع ضد المواطنين وحقوقهم وحرياتهم وكذلك ضمان "العدالة والعدل".
إذن الدستور هو في المعاني السياسية والحقوقية السلطة أو "الحكومة المقيدة". وكل حكومة ملتزمة بذلك بالممارسة وليس بالنصوص تكون حكومة دستورية. لكن كيف يتم ضمان أن تكون السلطة مقيدة ؟ ضمان ذلك يتم أولاً عن طريق آلية فصل السلطات والمراقبة : السلطات في أي دولة تتكون بشكل أساسي من ثلاث سلطات لكل منها مجالها واختصاصها: السلطة التنفيذية، السلطة النيابية "التشريعية" والسلطة القضائية. وبالتالي فإن السلطة المطلقة تقيد عن طريق آلية فصل السلطات، وذلك بأن لا يكون الرئيس أو الأمير أو الملك جامع بين السلطات الثلاث, وإنما يقتصر سلطانه على "السلطة التنفيذية", فيما السلطة النيابية "التشريعية" يقوم بها نواب أو ممثلون منتخبون انتخابا مباشرا من الشعب, بحيث أن عملية الانتخاب والتمثيل تقدم التفويض والشرعية للسلطة النيابية "التشريعية" للقيام بمهام اتخاذ القرارات وإصدار القوانين في كافة المجالات. ذلك وفقا لمصادر وأحكام الدستور, والذي في الإسلام يشكل القرآن والسنة المصادر الأساسية له, و التي لها الأولوية في الاعتماد والاستناد إليها في سن القوانين والتشريعات والتنظيمات، وذلك بالانسجام مع تلك الأحكام القطعية الواردة في القرآن والسنة. إضافة إلى سلطة نيابية (مجلس شورى) منتخب انتخابا شعبيا على فترات دورية كل أربع سنوات إلى خمس. مثلا هناك أيضا انتخابات مباشرة ودورية لمجلس الحكم المحلي والبلدية على مستوى المناطق والولايات الإدارية. في موازاة ذلك تكون السلطة القضائية (المحاكم ) ذات استقلالية عن تدخلات السلطة التنفيذية أو النيابية، وتحتاج تلك الاستقلالية لكي يشار إليها بالبنان إلى توفر معايير استقلال القضاء(2), وان يكون ذلك منصوصا عليه في الدستور وكذلك مطبقا فعليا بالممارسة.
استقلال القضاء المقصود به هنا ليس نزاهة واستقلال القضاة أنفسهم، ذلك أن هذا وإن كان أمرا مطلوباً ومحموداً, فإن المقصود باستقلال القضاء وتعزيزه هو استقلال مؤسساتي (القضاء كمؤسسة وليس كقضاة). مع ذلك فان استقلال القضاء لا يعني عدم إمكانية محاسبة القضاة في حالة التعسف أو ارتكاب أخطاء، بل أنه لابد من وجود آلية للمحاسبة عن طريق محاكم قضائية خاصة مثلا بإشراف من المحكمة العليا الدستورية الشرعية.
إن آلية فصل السلطات تلك تتضمن إمكانية وآلية موازية لها وهي الرقابة والمحاسبة من فصل السلطات تجاه بعضها البعض. فالمحكمة العليا الدستورية الشرعية وهي جزء من السلطة القضائية يمكنها أن تلغي قرارات وقوانين وتشريعات "السلطة النيابية " "التشريعية ", إذا وجدت بنفسها أو جهة ما رفعت إليها, بان تلك القوانين والقرارات مخالفة لأحكام الدستور أو أحكام مصادره الأساسية, مثلا إذا تعارضت مع أحكام الشريعة الإسلامية (القرآن والسنة).
أيضا في التوازي, تستطيع السلطة النيابية (التشريعية ) أن تخضع السلطة التنفيذية أو أحد مسؤوليها "الوزراء مثلا" للمحاسبة, وكذلك مراجعة ميزانية الدولة والمال العام والمصادقة عليها، وعلى التعيينات. كذلك بالموافقة أوعدم الموافقة مثلا على الاتفاقيات الدولية, وخاصة منها الأمنية والعسكرية والاقتصادية الثقافية .....الخ , وأيضا الموافقة على تشكيل الحكومة أو حجب الثقة عنها، كما هي في بعض نماذج الحكومات أو الدول. في المقابل تستطيع السلطة التنفيذية ورئيسها تحديدا كملكا أو رئيسا أو أميرا من تقديم مشروعات وقوانين لربما تقرها السلطة النيابية عن طريق مناصريها, أو حق الاعتراض على قوانين تصدرها السلطة النيابية في غضون فترة محددة. كذلك إصدار بعض القوانين والقرارات المفروضة من قبل السلطة التنفيذية في فترات محدودة (الإجازات للضرورات), مع طلب تصديقها لاحقا, وكذلك في بعض الدول الدستورية, تستطيع السلطة التنفيذية أو رئيسها حل السلطة النيابية والدعوة إلى انتخابات جديدة تعاد فيها تشكيل السلطة النيابية لربما وفق توجهات السلطة التنفيذ يه.
ما الذي تعنيه أو تحققه آلية فصل السلطات المنبثقة عن الدستور ؟
إنها تحقق الآتي:
(1) محاصرة الاستبداد وتقييده والوصول إلي السلطة المقيدة, وبالتالي إزالة القمع والقهر أو الحد منهم إلى اكبر درجة ممكنة , عن طريق السلطة النيابية (الشورى المنتخبة والملزمة) شعبيا ودوريا (فترات محدده ), وكذلك انتخابات مباشرة ودوريه لمجالس الحكم المحلي والبلديات لتصبح المشاركة الشعبية أمرا واقعا ويصبح المواطن جزء من العملية السياسية ومساهما فاعلا في اتخاذ القرارات, على مستوى هياكل السلطة المركزية (السلطة النيابية ) أو(مجلس الشورى المنتخب الملزم), أو على مستوى السلطات المحلية مجالس الحكم المحلي والبلديات, وهنا يجمع بين حرية وحق المشاركة وتحمل المسؤولية على مثل القرارات والسياسات المتخذة, وهو ما يعني ويساهم في نفس الوقت بإلغاء أو تقليص الاستبداد ، ويقيد السلطة المطلقة , وفي مقابل ذلك يتم تحقيق الحقوق والحريات ويزداد هامشها.
إضافة إلى ذلك فان المشاركة الشعبية المباشرة تلك, سواء بالانتخابات, أو بالتصويت, أو بالدخول للمجلس, بما يعنيه من تفويض شعبي للسلطة النيابية (الشورى المنتخبة الملزمة) وباعتبار أن الشعب مصدر السلطات، فان مسألة وقضيه العدل والعدالة الاجتماعية من توزيع الثروة والمال والفرص المتكافئة والمساواة القانونية والمواطنة, والتنمية بما يحقق تقدم كرامة الإنسان والمواطن, في كافه المجالات دون تمييز في كافه المناطق ,تصبح هي النتيجة المطلوبة الثانية (العدالة) بعد أو مع الحرية.
إضافة إلى ذلك، فان استقلال القضاء وتأكيده, عن طريق تلك الآلية الدستورية سيضمن حقوق المواطن , سواء فيما بينهم أو اتجاه الدولة, وكذلك ضمان مسألة المساواة والعدالة بين المواطنين في التقاضي والترافع وتطبيق الأحكام.
إضافة إلى تحقيق العدالة والحرية, من خلال آلية فصل السلطات والمراقبة, وبالتالي الوصول إلى فكرة "السلطة المقيدة", والتي تعبر عن المعاني الأساسية والكبرى للمفهوم الحديث للدستور, فان عناصر ومحاور أي (دستور ) لابد أن يتضمن أساسا الإقرار بالحقوق والحريات الأساسية والعامة (حقوق الإنسان ) للمواطن, باعتبارها منظومة متكاملة من الحقوق والحريات اللصيقة بالمكونات والفطرة الإنسانية وأيضا في أساس العلاقات الاجتماعية. تلك الحقوق والحريات الأساسية العامة أبرزها الإسلام في القرآن والسنة وكذلك في الممارسات الإسلامية, مثل "الحرية" وخاصة بعض رموزها وخلفائها, كمقولة لعمر بن الخطاب "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا". تلك الفكرة التي للأسف لم تتبلور إلا مع الطرح الفلسفي الأوروبي وخاصة مع مقولات ( العقد الاجتماعي ) للمفكر الفرنسي جان جاك رسو, كذلك فان المواثيق الدولية كالإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر عن الأمم المتحدة 1948وكذلك العهدين الدوليين الخاصين بالحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية ...الخ , قد أقرتها اغلب الدول بما فيها الدول العربية ومنها السعودية، رغم بعض التحفظات على ما ورد فيها..
من أهم الحقوق والحريات إضافة إلى الحقوق الأساسية في العيش والتملك والعمل، فان هناك حقوق سياسية ومدنية, من أهمها حرية الرأي والتعبير والمشاركة في إدارة الشؤون العامة وحق إنشاء الجمعيات و النقابات والاتحادات والانضمام لها. كذلك الحق في حرية الاشتراك في الاجتماعات والجمعيات السلمية (3).
تلك الحقوق والحريات, وخاصة الأساسية منها, هي إحدى مكونات وهيكل الدستور, والذي لابد أن تقره الدول نظريا وممارسة, وبموافقة شعبية عليه، لكي يكون ضمن العناصر والآليات والضمانات, لكي يمكن للآلية الفصل بين السلطات والمراقبة أن تصل بقصبتي العدالة والحرية إلى آفاقها والقياس عليها, خاصة فيما يتعلق بمسألة قيام القضاء بمهامه ومن خلال استقلاله (ومعايير استقلال القضاء كما في السعودية مثلا), ولتطبيق الأحكام ذات الصلة بالحقوق والحريات وضمانها قضائيا. وبالتالي الوصول إلى فكرة الدستور باعتبارها "السلطة المقيدة " فعلا لا قولا.
في هذا السياق وبالمقارنة، فان كثير من الدول العربية تقر في دساتيرها أوفي نظامها الأساسي للحكم, السعودية مثلا, عدد من الحقوق والحريات، ولكن تلك الحقوق والحريات أولا, تعتبر قاصرة من حيث عدم اشتمالها لحقوق وحريات أساسية خاصة في المجال السياسي والمدني. وثانيا، فان الممارسة في الحياة العملية لا تسندها ولا تشير إلى التزامها بتلك الحقوق والحريات, فضلا عن عدم اكتمالها أصلا. والسبب يعود إلى أن تلك الدول تفتقر إلى الآلية الدستورية الحقيقية وللفصل والمراقبة بين السلطات وبالتالي الحد من السلطة. ذلك لأنها أصلا صادرة بدون تفويض شعبي وبدون وجود آليات للرقابة الشعبية ( إرادة الشعب باعتبارها المرجعية للسلطات، وليس الفرد أو الحزب أو العائلة سواء كان ملكا أو رئيسا أو أميرا).
من هنا فان هذه الدول, التي تزعم بأنها تحافظ على الحقوق والحريات وتصونها في أنظمة كلها أو دساتيرها شكلية, إنما هي لا تخادع فقط شعوبها وإنما تخادع العالم. إذ أن الشعب والعالم يعرف أن حقوقه مهدورة وحقوقه مصادرة, والممارسة خير برهان في الإعتقالات والممارسات القمعية ضد الحقوق في التعبير أو الاجتماع أو حتى السفر. وهي ابسط الحقوق المصادرة. أوليست مثل هذه الممارسات القمعية الصارخة ضد دعاة الإصلاح والمشاريع الإصلاحية داخليا وخارجيا وفي تناقض مفضوح مع أطروحات الإصلاحات العربية الرسمية، سواء على مستوى الدول أو جامعة الدول العربية، دليلا صارخا على الاستبداد والقمع وبالتالي عدم الدستورية ؟
ضمن عناصر ومكونات الدستور، لكي يكون الدستور هو الترجمة الفعلية "للسلطة المقيدة", فانه وفي سياق إقرار الحقوق والحريات الأساسية والعامة (السياسية والاقتصادية) .....الخ , فان على الدولة (أية دولة)، لكي يمكن وصفها بأنها دولة دستورية، أن تقبل وتضمن قيام وضمان عمل تكوينات المجتمع الأهلي المدني.
مفهوم المجتمع الأهلي المدني هو ببساطة شديدة يتكون من :
(1) تكوينات وهياكل مدنية وأهلية (عامة وخاصة)،
(2)منظومة من القيم (التسامح والحوار- التعدد، نبذ العنف) في التعامل والعلاقات والتنافس السلمي،
(3)ارتباطه بالبيئة والهيكل الدستوري،
(4)الوظائف والأغراض والأدوار.
التكوينات والهياكل هي كل الأنواع من الأطر (الجمعيات) الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والمهنية وفي أحيان حتى السياسية, والتي يقوم مجموعة من الأفراد في مجتمع ما بتشكيلها للقيام بتحقيق أهداف أو أغراض خاصة أو عامة، وتكون منسجمة مع الدستور. تلك التشكيلات أو التكوينات هي:
(1)الجمعيات والاتحادات والنقابات, الانتماء إليها بالمهنة مثل جمعيه المزارعين, جمعية التجار، جمعيه المحامين، جمعيه الأطباء....نقابات واتحادات العمال، واتحادات الطلاب,....الخ. والانتماء لهذه التكوينات والجمعيات هو أساسا انتماء طوعي واختياري. تقوم في عملها وأدائها لوظائفها وكذلك في العلاقة مع الآخرين والتعامل معهم على منظومة قيمية معينة ولكن أهمها السلمية, ونبذ العنف، وقبول الآخر، والتعددية والحوار، والتسامح والتنافس السلمي, والتعاون وأن تكون مستقلة عن السلطة.
(2)القوى السياسية ومنها الأحزاب السياسية، هذه التكوينات هناك خلاف بين علماء السياسة والاجتماع على احتسابها من ضمن مكونات المجتمع الأهلي المدني. ففريق يرى بإضافتها, وفريق يرى بعدم إضافتها, باعتبار أن هناك تداخل بينها وبين السلطة, بخلاف الجمعيات المهنية والتي تبدو منفصلة عن السلطة السياسية.
(3) التكوينات والأطر الاجتماعية التقليدية (غير المهنية), والتي تقوم على الرابطة بين من ينتمون لها ليس على أساس المهنة, وإنما على روابط أساسية كالدم والعرق والدين والطائفة (مثل بعض المدني، و الأسر أو العشائر أو القبائل، المناطق أو الطوائف المذهبية، باعتبار أن الانتماء هنا ليس اختياري وإنما إجباري). هناك خلاف أيضا بين علماء السياسة والاجتماع السياسي على اعتبار هذه التكوينات من مكونات المجتمع المدني. والغالب على كثير من العلماء هو استبعاد تلك التكوينات من الانتماء إلى المجتمع المدني، باعتبار أنها تفتقر إلى القيم المدنية مثل التسامح، وقبول التعدد، والحوار، والتشديد على الندية والصراع أكثر من التعاون....الخ.
هب بعض علماء الدين والاجتماع، ونحن منهم، إلى فكرة إضافة تلك المكونات التقليدية إلى المجتمع المدني، خاصة وان ممارسات كثير منها في البلدان العربية والأجنبية (مثل لبنان، “الطوائف"، واليمن، وعمان، والأردن، والسودان، والهند).......الخ .تبين أنها غير معادية للديمقراطية والتنافس السلمي، وأن "الندية" البارزة لديها وفيما بينها ليست بذاتها سيئة, وإنما قد تكون أحد عوامل التوازن ومنع الاستبداد من قبل كل منهما أو تجاه بعضهم البعض (5). لذلك كنا من ذلك التوجه، خاصة مع شيوع وانتشار تلك التكوينات التقليدية (الأهلية) في البلدان العربية وفاعليتها الأكثر مقارنة وموازنة بالمكونات المدنية الحديثة في البلدان العربية، والتي لا زالت تعاني من أسباب عدم الفعالية. يعود جزء كبير منها إلى بنية وطبيعة الدولة العربية التسلطية, حيث اختراقها لتلك التكوينات وبالتالي عدم استقلاليتها، كما هو واضح مثلا بالنسبة لعدد من الدول العربية. كذلك بسبب سياستها التنموية غير المتوازنة بين المراكز والأطراف, بين المدن والأرياف. مما ولد حالة متواصلة من تداخل الأرياف بالمدن، بل وتحول المدن إلى مجمعات سكانية متريفة
(6) نتيجة ذلك التداخل.
ومع فكرة قبول الانخراط بالعملية الديمقراطية من قبل التكوينات التقليدية والأهلية كما بينتها تجارب بعض البلدان العربية وخاصة في لبنان واليمن وكذلك الهند، فإننا وآخرون نرى اعتبار تلك التكوينات الأهلية التقليدية جزء من تكوينات المجتمع المدني. لذلك أطلق أحد الباحثين والمهتمين بالشأن العام والإصلاح الدستوري مفهوم "المجتمع الأهلي المدني"، كمخرج ومفهوم جامع(7).
مواطن
01-03-2005, 01:38 AM
"المجتمع الأهلي المدني آلية للاحتساب المؤسسي على السلطة وفيما بين مكـوناته"
على أن النقطة الأهم المناطة بتكوينات المجتمع الأهلي المدني، ليس بذاتها وهياكلها وإنما بما تقدمه من أهداف وأغراض ووظائف وخاصة في المجال العام، بعض التكوينات المدنية الأهلية، تقوم لتحقيق وظائف خاصة للمتسببين لها وذلك بالحفاظ على مصالحهم وتثمينها وتطويرها سواء تجاه الدولة (السلطة ) أو المجتمع (التكوينات الأخرى ). في المقابل، يقوم البعض بوظائف عامة ومن ذلك مثلا: جمعيات حقوق الإنسان وجمعيات البيئة وحماية المستهلك ودعاة المجتمع المدني في فترات التكوين والمطالبة ......الخ . وهناك البعض من التكوينات تجمع بين الغايات الخاصة والعامة, مثلا اتحاد العمال الذي يقوم بدور حماية مصالح أعضائه. لكنه في نفس الوقت, إذا تعلق الأمر بالسلطة والأجور والعمل, فقد يقوم بالإعلان عن مظاهرات سلمية احتجاجية. وهؤلاء وأولئك من التكوينات التي تجمع بين الخاص والعام. وكذلك حتى الخاصة, عندما تتوازن مع الآخرين أو السلطة, ويقومون بدور وآليات الرقابة والمحاسبة المجتمعية المؤسسية على السلطات وتجاه المكونات الاجتماعية الأخرى. وبالتالي فان تلك التكوينات الاجتماعية المدنية والأهلية تضيف أبعادا إضافية وفعلية إلى آليات الاحتساب على السلطة, وذلك بالأمر بالمعروف السياسي والنهي عن المنكر السياسي في قضايا العدالة والحقوق والحريات والمصالح. وهذه تناسب الطريقة الإسلامية كل في مجاله ولكن بشكل مؤسسي لحساب الأفراد والجماعات المنتمين لها. وبالتالي تسهم فعليا في الوصول إلى "السلطة المقيدة" فعليا, بما يحقق العدالة ويصون الحقوق والحريات العامة الأساسية, كما وينهي ويحاصر الاستبداد والقمع والظلم والمفاسد. يجد بالتالي المواطن نفسه في مجتمع ودولة تكفل له الكرامة والمساواة الإنسانية والفرص المتكافئة في التقدم والرقي في حدود وآليات قانونية واضحة (دستور).
إضافة إلى ذلك فان وجود تلك التكوينات والتشكيلات الاجتماعية الأهلية والمدنية ولضمان استقلالية عملها،فان وظيفته هامة جدا, تقدمها تلك التكوينات الاجتماعية الأهلية المدنية، إضافة إلى آليات الاحتساب على السلطات وفيما بينها. فإنها إذ تقوم على نبذ العنف وتؤمن بالحوار والوسائل السلمية وقبول الآخر والتعددية والتسامح، فإنها تتيح لأعضاء المجتمع أفرادا أو جماعات الانضواء تحت تلك الأطر. وبالتالي تقوم بدور الموجه والمدرب وقيادة المواطنين وخاصة الشباب نحو التوجهات السليمة والإفصاح عن رغباتهم من خلال تلك القنوات. مما يستتبعه المساهمة على نحو جذري في القضاء على اتجاهات العنف والتي تبدو متزايدة مع غياب الأطر الاجتماعية المدنية الحديثة أو الأهلية القديمة. كما نلاحظ ما تمر به بعض البلدان العربية من عنف في الجزائر والسعودية، وهذا مرتبط في جزء هام منه بغياب تلك الهياكل (مكونات وعمل المجتمع الأهلي المدني).
تلك العناصر والمحاور الأساسية للدستور, والتي تشكل آليات وهياكل وإجراءات، تجعل من السلطة بالفعل" سلطة مقيدة" والحكومة حكومة دستورية بالفعل. عندها يمكن من خلال تلك الآليات، وخاصة آليات الفصل والاحتساب على السلطات وفيما بينها, وكذلك من قبل التكوينات الاجتماعية، المجتمع الأهلي المدني، تجاه السلطات وكذلك فيما بينها، تحقيق وضمان العدالة والحرية. على أن " روح الدستور" هو أن تتولد تلك العناصر الدستورية من خلال عقد اجتماعي مصوت عليه شعبيا, بحيث تكون"إرادة الشعب هي مناط ومرجعية سلطة الحكم". وأن تتجلى تلك الإرادة من خلال الانتخابات الدورية النزيهة سواء على مستوى السلطة النيابية المركزية (الشورى المنتخبة الملزمة ) أم على مستوى الحكم المحلي والبلديات. وذلك ضمن قانون انتخابي يقوم على الاقتراع العام والرأي الحر للمواطنين وعلى قدم المساواة.
إذن روح الدستور والذي يجعله فاعلا في الممارسة وليس فقط في النصوص هو العلاقة الجديدة القانونية الملزمة, بين السلطة والمجتمع من خلال "العقد الاجتماعي", والذي يمثل الدستور, وتكون الإرادة الشعبية هي مناط سلطة الحكم. ويكون المواطن فعلا لا قولا جزءا من العملية السياسية وجزءا من السلطة، وخاصة في السلطة النيابية "الشورى المنتخبة الملزمة" على مستوى المركز أو المجالس المحلية, وسواء تمثل ذلك من خلال المشاركة الفعلية في الممارسة السياسية في العملية الانتخابية, ترشيحا أو تصويتا أو تمثيلا, في تلك المجالس التي تمثل الإرادة المجتمعية ذات الآلة الرقابية والمحاسبة على أعمال الحكومة وسياساتها.
إضافة إلى ذلك فإن "إرادة الشعب" باعتبارها مناط سلطة الحكم تجعل أيضا من خلال الانتخاب الدوري أن المواطن نفسه، وخاصة الذي أصبح جزءا من العمل السياسي داخل السلطات النيابية أو المجالس المحلية، هو نفسه أيضا عرضة للمحاسبة والمساءلة وإلى التغيير وعدم الدوام في المنصب. وبالتالي تكون المصلحة العامة دائما مقدمة، وفي حالة الإخلال بها فإن هناك آلية المحاكمات والاحتسابات والمحاسبة ....الخ. هذا هو الفهم الصحيح للدستور باعتبار أنه "السلطة المقيدة" ضمانا لمنع الاستبداد, وتحقيقا للعدالة والحريات والمشاركة الشعبية المتصلة بإرادة المجتمع باعتبارهامناط سلطة الحكم ومرجعيته العليا.
رغم أن التحديد أعلاه لماهية وروح الدستور تقترب من جوهره, فإن الدول الدستورية تختلف من حيث الحدود القصوى والدنيا لحالة الممارسة الدستورية, وخاصة "السلطة المقيدة". غير أن الحد الأدنى الذي لا بد أن يدركه المواطنون هو وجود المشاركة الشعبية في القرارات والسياسات عن طريق انتخاب سلطة نيابية "مجلس شورى منتخب ملزم" انتخابا حرا مباشرا ودوريا له صلاحيات وسلطات رقابية على السلطة التنفيذية والحكومة. وكذلك وجود حد معقول من "استقلال القضاء " بما في ذلك وجود محكمة عليا دستورية. كذلك السماح بحرية التعبير والرأي بما في ذلك حرية الصحافة والإعلام والنشر والسماح بتكوينات المجتمع الأهلي المدني ووجود ضمانات لإستقلالية عملها.
من هنا كانت الدعوة والمطالبة بالدستور " الإصلاح الدستوري"، باعتباره الركيزة والأساس الذي يبنى عليه أي إصلاح شامل في السعودية, لتحقيق غاياته في ضمان العدالة والحرية والكرامة للمواطن والمجتمع والسلطة على حد سواء.
نقطة أخيرة لا بد من الإشارة إليها سريعا وهي تتصل بمن يصوغ الدستور ؟ جرت العادة في الدول التي تريد أن تتبنى حياة سياسية دستورية حقيقية أن تتكون هيئة وطنية مستقلة من أهل الرأي والخبرة والعلم في كافة الاختصاصات بما في ذلك الفقه الدستوري والشريعة الإسلامية " في البلاد العربية والإسلامية ", لصياغة بنود وعناصر وآليات الدستور المشار إلى أهم عناصرها السابقة. ثم عند الانتهاء من تلك الصياغة تقوم الحكومة " الدولة " بعرض ذلك الدستور المقترح على الشعب للتصويت عليه. وقد تكون صيغة التصويت بنعم أو لا. ومتى صوتت الغالبية بنعم فيعتبر عقدا اجتماعيا جديدا ملزماً للطرفين السلطة والمجتمع ونافذا, وتتحدد بعدها مرحلة التنفيذ وآلياتها. خاصة فيما يتعلق بإجراء الانتخابات العامة "السلطة النيابية "- الشورى الملزمة والمحلية والبلدية, مع وجود قانون انتخابي مبني على إحصاء سكاني حديث. ويناط بالسلطة النيابية لاحقاً حق تعديل أو إلغاء الدستور جزئيا أو كليا وطبقا لآلية تصويت واضحة، مثلا غالبية الثلثين. ويناط بالمحكمة الدستورية العليا المراجعة الدستورية، بمعنى البت فيما هو دستوري أو متعارض مع الدستور من القرارات والقوانين التي تسنها السلطة النيابية أو غيرها في حالات استثنائية.
من أجل ذلك، طالب دعاة الإصلاح الدستوري في السعودية بتشكيل مؤتمر وطني للحوار. الغاية منه هو الوصول بالحوار بين التيارات مع الحكومة إلى تشكيل تلك الهيئة الوطنية المستقلة لصياغة الدستور. لذلك لم يكن الهدف من ذلك المطلب الإصلاحي هو إقامة مركز وطني للحوار كما تبنته الدولة, مهيمنة عليه دون أن تكون طرفا فيه. وإنما كان الهدف هو الوصول إلى تلك الهيئة لصياغة الدستور من أجل البدء بتطبيقات الإصلاحات الدستورية في فترة لاحقة معقولة.
الهوامش :
(1) في التفصيلات والأسماء الموقعة على الوثيقة انظر :" نداء إلى القيادة والشعب معا" "الإصلاح الدستوري أولا"ا16 |12|2003م .
(2) من معايير استقلال القضاء : إقرار نظرية الحقوق الأساسية للمواطنين ومدونة معلنة محددة لأحكام التعزير، استقلال مالي للقضاة، عدم تدخل السلطة التنفيذية بالأحكام، إشراف السلطة القضائية على تنفيذ الأحكام، إشراف السلطة القضائية على السجون والمعتقلين والمتهمين، توحيد المحاكم، وجود محكمة عليا دستورية شرعية للفصل في القرارات ومدى مشروعيتها ودستوريتها. في تفاصيل ذلك انظر ابو بلال، عبدالله الحامد, المعايير الدولية لاستقلال القضاء في المملكة العربية السعودية 2003م .
(3) عن تفصيلات الحقوق والحريات للإنسان في كافة المجالات وخاصة في مجال الحقوق السياسية، يمكن الاطلاع عليها من موقع الأمم المتحدة على الانترنت ولنظرة موجزة عامة لميثاق حقوق الإنسان الصادر في 1948 انظر "الإعلان العالمي لحقوق الإنسان" 1948........قرار3 217 في 10/12/1948.
(4) هناك ندوات ودراسات عن المجتمع المدني في البلاد والوطن العربي، لعل أهمها ندوة المجتمع المدني في الوطن العربي ( بيروت مركز دراسات الوحدة العربية 1992م) عزمي بشارة، المجتمع المدني (بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية)، احمد صبيحي شكري، المجتمع المدني، متروك الفالح، المجتمع والدولة والديمقراطية، دراسة مقارنة إشكالية المجتمع المدني في ضوء تريف المدن (بيروت : مركز دراسات الوحدة العربية 2002م ).
(5) عن تريف المدن وعلاقة ذلك بالمجتمع المدني انظر، متروك الفالح المجتمع والدولة والديمقراطية.
(6) أبو بلال، عبدالله الحامد، المجتمع الأهلي المدني 2003م.
(7) إضافة إلى دراستنا متروك الفالح، المجتمع والدولة والديمقراطية في البلدان العربية، مصدر سابق انظر إيليا حريق، العرب والتراث والديمقراطية، المستقبل العربي عدد 3يناير 2002م .
علياء العنزي
01-03-2005, 09:39 AM
قريت اول الموضو ع وشدني
بس المشكلة ما اقدر اقراه في المكتب ... لازم اتكي في البيت >> حلوة اتكي هذي
شكرا اخوي مواطن ... ويعطيك العافية
احمد العلى
01-03-2005, 12:38 PM
صحيح ان الملكية الدستورية تطبق فى المملكة المتحدة ولاكن يجب ان لاننسى ديننا الاسلامى الدى يمكن ان نجد فيه
انظمة وقوانين تسير الحياة السياسية لاى كيان معين او اى مجتمع كان بدون اخطاء او ظلم لاى جهة الشعب او الجهة الحاكمة .
فنستطيع ان نجد فيه اى الدين الاسلامى حدود الحاكم والمحكوم بحيث لايستطيع الحاكم ان يظلم الشعب ولا الشعب
تتجاوز على اولى الامر .
فان الأسلام يظمن حقوق المراءة والرجل والطفل والسجين والأسير وكل تسمية يريد القارىء تسميتها .
ويظمن حقوق الأنسان السياسية والأقتصادية والمدنية .
مااريد ان اقوله ان نتبع دين المساواة والعدل <الأسلام>
طارق الورهي
01-03-2005, 12:48 PM
اهداء رائع جدا ومميز
والكتاب قيم بمعنى الكلمة
لانه به شرح موفق لمعنى المملكة الدستورية !
ورد لبعض الاشكاليات المثارة حولها
شكرا لك
نجلاء العبداللطيف
01-04-2005, 02:32 AM
مواطن
قرأت جزء من الموضوع واعجبني
كل الشكر على هذا الجهد
http://www.al-wed.com/pic-vb/1057.gif
مواطن
01-08-2005, 12:38 PM
شكرا لكم جميعا
وألف شكر لمن قرأ الكتاب كاملاً
دمتم بود
حلم والديه
01-08-2005, 08:39 PM
شبيهه بالولادة المتعسرة !!!!
أقصد الإصلاحات الدستورية طبعا"
والله يستر لايقولون لازم عملية قيصيرية
لاننا رأينا العملية القيصرية في العراق وعمايلها!!!!؟؟؟؟؟
vBulletin® v3.8.3, Copyright ©2000-2010, Tariq Alwarhi