عدنان الفضلي
08-01-2007, 10:59 AM
<CENTER>
في مجموعته الشعرية ( مرقاب خفي )
هادي الناصر يطعمنا الأسى على طاولة المقابر المليئة بالتفاصيل
/
/
إلى النبع ..
الحمزة الشرقي .. تحديدا
متى أعود يا أمي ؟
هذا هو الإهداء .. وتلك هي البصمة الأولى التي وضعها الشاعر هادي الناصر في طريق المتلقي الذي سيقرأ مجموعته الشعرية الجديدة ( مرقاب خفي ) الصادرة مؤخراً ، والتي تضم ثمانية عشر قصيدة، تفجرت فيها قريحة الناصر لتمنحنا صوراً شعرية رائعة.
قراءة أولى لـــ ( مرقاب خفي ) قادرة على منحنا حق اللجوء إلى ذات الشاعر الجميل ( هادي الناصر) تجعلنا نوقن بأن مضمون قصائده جاء ليقول بأنه يمتلك تفردا صوريا قلّ نظيره.
ففي قصيدته الأولى التي يفتتح بها مجموعته والمسماة ( مقبرة التفاصيل ) يجرنا الناصر نحو اقتحام ذاته، والتوغل في عمق محنته الداخلية وهواجسه التي جردته منها فقاعات الألوان، فجاء يكتبها عبر انثيالاتٍ موجعة، في مقطعٍ من إحدى قصائده، يدلنا على تلك المقبرة التي تضم بين جنباتها أرشفة الأحداث التي يبتغي الشاعر طرحها ..
يقول الناصر :
دائماً أتحفظ في البوح
كي أؤجل استباحتي
لأرشفة الحدوث
في مقبرة التفاصيل
وفي قصيدة أخرى هي ( ولوج في مفازة ) يأتينا المقطع التالي، ليؤكد لنا أن الناصر كان ومن خلال انثياله يستجير بالممكن القلق ويسلط الضوء على قلقه الخاص حيث يقول :
أنا الملام حين تنفض عن غبارها الخرائب
أنا الشاهد على فناء النهارات بسكين الترقب
أنا النائح حين تتراقص القبّرات في المذبحة
أنا المرتجف هلعا .. من الأعمدة على العصافير
أنا أرشيف .. لتجهم وجوه الصيادين على الحمامات
أنا كاهل مقوس وأسئلة
اعتقد أن الناصر صارع اليأس بالأمل، لكنه لم يكن مختنقاً، بل كان لديه مجالٌ لوجدانيةٍ قادرة على طرح نفسها، فقد ترك انقلاب الموازين تعطينا بوادر أمل آخر.
ففي قصيدته التي حملت عنوان المجموعة ( مرقاب خفي ) نجد الشاعر وقد وظف مظاهر الوجع الخفي، عبر ومضات حادة المعنى، لاذعة الفكرة، وقد أتى بمخيلةٍ شعرية تنقل للمتلقي صوته الداخلي الذي يردد هتافات تغلي بالداخل القلق، ينثرها له، ويتصاعد منها بخار أنفاسه الساخنة:
بقرب النافذة
كان يرقب ..
خلسة ..
انسل من قميصه السقيم
وداعب الشارع ..
بروحه من ثقب الباب
وفي مقطع آخر من القصيدة كان أسلوب الشاعر ينبض بتجربة أخرى من ذات القلق المتأجج، ووجدناه يسعى لتصحيح المسار عبر طرحه:
لا ريح تزكم الأنوف
إنهم .. السلاطين .. قد جاؤوا
يمنحون الأوسمة للعاهرين
في قصيدة ( احتدام اعزل ) ألغى هادي الناصر بعض الهتاف، وتوجه للحديث عن نفسه عبر صور شعرية تومئ لنا بالتوقف والنظر مليا بعمق هذا الشاعر، فقد جدف بنا عبر هذيانات استرسلت تباعا، لتقودنا إلى مكان الوجع الذي يحمله المتحدث.
فها هو يقول في مطلع القصيدة :
كوني ولدت بلا أم
راح أبي يفتش عني
في سماء بلا أقبية
وفي مقطع آخر من القصيدة ذاتها والتي تتكون من سبع مقاطع كان الناصر يشتغل بأدوات شعرية تخصه وحسب. فقد جاء لنا بصور تجعلنا بلا خيارات أخرى سوى التصفيق بحرارة،
حيث يقول:
منفرداً ..
أمشط راس فجيعتي
وفضائي ..
يلوح لي بالحبال
لا الأرض ترفع قامتي
ولا السماء
تمد حبل المشنقة
أما قصيدته ( مكابدات ) ذات الأربعة عشر مقطعا فقد احتوت خطابية هذيانية أخرى، تمحورت بين الاشتهاءات والأمنيات المليئة بروائح الدخان المتصاعد من الحروب والخيبات المتوالية، التي ربما نال منها الشاعر الحظ الوفير. ففي مقطع من القصيدة كان الناصر يتمنى حفنة من أصدقاء، وفي الثانية يبحث عن مأتم يقام على روحه في حال توارى عن الأنظار، وفي مقطع آخر هو الأرقى بين مقاطع القصيدة كان الناصر يمارس الإنثيال عبر طرح نفسه كثائر على واقعٍ بات يكتنف الأغلبية ويقيدهم في التصرف، يقول شاعرنا:
مرة ..
حلمت أن أقول لا
فصاح الجمع .. اسأل الفقيه
فقلت .. انه محض خرافة
فقالوا ..
إما هو .. أو تتيه
ولم يترك لنا الشاعر الفرصة لالتقاط أنفاسنا، بل عاجلنا بقصيدة ( إباحة الأسى )، التي احتوت كل ما يدور حولنا، كان يتحدث فيها عنا جميعا، يصور ما يعتلينا وينثرنا بكامل أوجاعنا. في مقطع من القصيدة وقد احتدم داخله حد الصراخ ، يقول الناصر:
المتفوقون ..
في صناعة الأضرحة
لهم الحق ..
في اقتناء ما تبقى
وتستمر قصائد هادي الناصر، ونستمر نحن في التلقي الذي يمنحنا النشوة والغليان في وقت واحد. فنصل إلى قصيدة ( فاجعة الصحوة ) لنراه وقد عاد للهذيان لكنه منعنا من تصنيفها ضمن الهذيان، ذلك لكونه لابس الواقع في اكثر من مقطع احتوته القصيدة، فقد قال في احدها:
ليس لي سواك
أنت الوطن المؤجل
المحسوب على يافطتي
امنحني مثقالا .. أو قنطارا
من أرضك .. ليكون قبري
ولا أدري لماذا وجدتني ماثلا كبطل حين اصطدمت بقصيدة ( المستظل بعمود من دخان )، ربما لأن الشاعر أراد أن يصور الشأن الداخلي عبر شخصٍ يمثل الجميع، فكتبنا قبل أن يكتب نفسه، وفي هذا المقطع يمكننا تلمس ما أراد الناصر طرحه:
خرقاء .. تلك هي الأماني
إذ حاصرتك الريح
والحلم اجدب
فتعفف ..!
وغادر لوثة الطاعون
يا داء المرايا والمكوث
أما قصيدته ( حلم اليقين ) فقد جاوز فيها الناصر مديات عدة، حيث راح يناولنا كؤوس الشجن العراقي عبر انثيالات بصورة قصيدة، تلقيناها على أنها ( شهادة وفاة ) لوطنٍ مات في عدة مرات. لكنه ( الوطن ) كان يحمل روح طائر الفينيق. وقد حاكى الشاعر نفسه التي تمثلنا، وذكّرها بالتضاريس التي أنهكتها المدافع، كتب الشاعر في واحدة من تلك الانثيالات يقول:
جاوز المدى .. والمراحيض حبلى
فكيف أصنع ميقاتا لتبرّز العصافير على صلع الرؤوس
وكيف أمرّر هيبة الآتي بقيظ سليط
وعلى باب الشفتين رصاصة
ويعود شاعرنا للهذيان مجدداً عبر قصيدة ( ابتهال ) التي احتوت تسع مقاطع تميزت بوجدانية ملتزمة، مع بعض تقاطيع وملامح لصور تحمل نقيضين هما الانكسار والانتصار، حيث يقول:
صومعتك ..؟
بهاء دري
دع من ضيائك
يندلق عليّ
واخرج من حومة السخام والمداخن
كذلك فعل في قصيدة ( التباس القائمة ) فقد أورد انثيالا يطغى عليه الشجن عبر حديث بصيغة – هو – ، أعلمنا من خلاله ببعض ما يكتنفنا دون الالتفات إلى استهلاكية الواقع، فقد هذّب الناصر بعض الواقع ونثره أطروحة بياض:
ولهذا .. دجنت هلعي بعنجهة الطرقات
وطويت محراث اللياقة ..
لجدب آخر أتعثر به ..
حين أعود لكنس الكلاب ..
وعبر قصيدة ( انعتاق ) يبحر هادي الناصر في خواصرنا، يزيح عنها ما يلفها، وذلك بعد أن كفكف بعض الدمع الذي يسيل من عيوننا وعيون الأمهات اللواتي كنّ في استرسالٍ مع الحزن المزمن، فهاهنا ينزف حروفه دما إذ يقول :
وها نحن صبيان يتامى
يكدسنا العطش السقيم .. على الشط
متى اغتسل .. ؟
وهذا الجذام يلوكني
وفي قصيدتين أُخريين حملتا اسم مقارب هما ( أسى الخيول ) و ( أسى المكوث )، كانت ريشة هادي الناصر ترسم لنا لوحتين شعريتين خضبهما بنبرة حزينة وأخرى تحمل الفرح طابعا، وتركنا نعيش التفاصيل، بدون أن نندلق خارج حدود النص، فقد جاء في الأولى ليقول:
فسوّر الحدائق بالنفائس
وداس رأسا خاله الأفعى
فعاد نادما
يجره أسى الخيول
فيما قال في الثانية التي حملت الأسى أيضا :
الله يا وجعي
كم أقلقتك ..
حين أيقظتني من قيلولة عمر
حصلت صدفة
أما قصيدة ( ليلة بكى الأمير ) فقد أشارت إلى عاطفة جياشة وانثيال دافئ مغلف ببعض قلق، وذلك ديدن الشعراء، لا يعرفون الاستقرار التام. فها هو هادي الناصر يجبرنا على تناول القصيدة ذات الخمس مقاطع وغمس أنفسنا بدموع ذاك الأمير الذي انتخب القمر صنوا، وراح يعلن عن نفسه سيدا لمدن بكاءٍ عراقية الطابع، يقول فيها:
أغازل وجع الناي
أشدو ..
علّني اسرق النحيب .. من يتيم
وعلّني امنح المسرة .. للواقفين طوابيراً
( غناء في علبة ) عنوان آخر لقصيدةٍ أخرى ضمتها مجموعة ( مرقاب خفي )، في هذه القصيدة كان الشاعر ملتهباً بعض الشيء، حيث نلاحظ انه اتخذ من المفردات اللاذعة طريقا يوصل المتلقي للمراد، وقد أوصلنا ببراعة ذلك الطريق إلى حيث أردنا. ففي احد المقاطع التسعة التي احتوتها القصيدة، وجدنا هذه الصورة الملتهبة، وهي ليست الوحيدة، ولكنها الأكثر لذعة حيث يقول:
كمن ..
يغني في علبة ..!
بحّ صوته ..
باحثا عن حنجرة
ومستمع أصم ..!!
في القصيدة الأخيرة ( أبالسة ) وحتى يكون ختامها مسك، وضع شاعرنا انثيالا اتشح بألوان وصور مختلفة. فما بين الأحلام والتشدق بالرغبات وما بين الطعن بشخوص وضعهم الناصر في أماكن تليق بهم، كنا نلحظ روح شاعرنا وهي تفور حنقا وتكتسي مشاعره بحمرة الغضب، فكانت الصور تترادف بوجع شاعري لذيذ ..
أحلم بالفراسة
وأمارس التغنج بالشجن
أتشدق بالرغبة .. وأنكفئ
بانتظار صبح يشرق بالاحتمالات
ولا مدد ..!
قبل أن اختتم سطوري أود أن اقبّل شاعرنا ( أبو شموس ) بين عينيه، تقديراً لهذه الترف الحلال الذي أطرب ذائقتنا الشعرية، فجاء عراقي الوزن والطابع، أصيل الوجع.
عدنان الفضلي
</CENTER>
في مجموعته الشعرية ( مرقاب خفي )
هادي الناصر يطعمنا الأسى على طاولة المقابر المليئة بالتفاصيل
/
/
إلى النبع ..
الحمزة الشرقي .. تحديدا
متى أعود يا أمي ؟
هذا هو الإهداء .. وتلك هي البصمة الأولى التي وضعها الشاعر هادي الناصر في طريق المتلقي الذي سيقرأ مجموعته الشعرية الجديدة ( مرقاب خفي ) الصادرة مؤخراً ، والتي تضم ثمانية عشر قصيدة، تفجرت فيها قريحة الناصر لتمنحنا صوراً شعرية رائعة.
قراءة أولى لـــ ( مرقاب خفي ) قادرة على منحنا حق اللجوء إلى ذات الشاعر الجميل ( هادي الناصر) تجعلنا نوقن بأن مضمون قصائده جاء ليقول بأنه يمتلك تفردا صوريا قلّ نظيره.
ففي قصيدته الأولى التي يفتتح بها مجموعته والمسماة ( مقبرة التفاصيل ) يجرنا الناصر نحو اقتحام ذاته، والتوغل في عمق محنته الداخلية وهواجسه التي جردته منها فقاعات الألوان، فجاء يكتبها عبر انثيالاتٍ موجعة، في مقطعٍ من إحدى قصائده، يدلنا على تلك المقبرة التي تضم بين جنباتها أرشفة الأحداث التي يبتغي الشاعر طرحها ..
يقول الناصر :
دائماً أتحفظ في البوح
كي أؤجل استباحتي
لأرشفة الحدوث
في مقبرة التفاصيل
وفي قصيدة أخرى هي ( ولوج في مفازة ) يأتينا المقطع التالي، ليؤكد لنا أن الناصر كان ومن خلال انثياله يستجير بالممكن القلق ويسلط الضوء على قلقه الخاص حيث يقول :
أنا الملام حين تنفض عن غبارها الخرائب
أنا الشاهد على فناء النهارات بسكين الترقب
أنا النائح حين تتراقص القبّرات في المذبحة
أنا المرتجف هلعا .. من الأعمدة على العصافير
أنا أرشيف .. لتجهم وجوه الصيادين على الحمامات
أنا كاهل مقوس وأسئلة
اعتقد أن الناصر صارع اليأس بالأمل، لكنه لم يكن مختنقاً، بل كان لديه مجالٌ لوجدانيةٍ قادرة على طرح نفسها، فقد ترك انقلاب الموازين تعطينا بوادر أمل آخر.
ففي قصيدته التي حملت عنوان المجموعة ( مرقاب خفي ) نجد الشاعر وقد وظف مظاهر الوجع الخفي، عبر ومضات حادة المعنى، لاذعة الفكرة، وقد أتى بمخيلةٍ شعرية تنقل للمتلقي صوته الداخلي الذي يردد هتافات تغلي بالداخل القلق، ينثرها له، ويتصاعد منها بخار أنفاسه الساخنة:
بقرب النافذة
كان يرقب ..
خلسة ..
انسل من قميصه السقيم
وداعب الشارع ..
بروحه من ثقب الباب
وفي مقطع آخر من القصيدة كان أسلوب الشاعر ينبض بتجربة أخرى من ذات القلق المتأجج، ووجدناه يسعى لتصحيح المسار عبر طرحه:
لا ريح تزكم الأنوف
إنهم .. السلاطين .. قد جاؤوا
يمنحون الأوسمة للعاهرين
في قصيدة ( احتدام اعزل ) ألغى هادي الناصر بعض الهتاف، وتوجه للحديث عن نفسه عبر صور شعرية تومئ لنا بالتوقف والنظر مليا بعمق هذا الشاعر، فقد جدف بنا عبر هذيانات استرسلت تباعا، لتقودنا إلى مكان الوجع الذي يحمله المتحدث.
فها هو يقول في مطلع القصيدة :
كوني ولدت بلا أم
راح أبي يفتش عني
في سماء بلا أقبية
وفي مقطع آخر من القصيدة ذاتها والتي تتكون من سبع مقاطع كان الناصر يشتغل بأدوات شعرية تخصه وحسب. فقد جاء لنا بصور تجعلنا بلا خيارات أخرى سوى التصفيق بحرارة،
حيث يقول:
منفرداً ..
أمشط راس فجيعتي
وفضائي ..
يلوح لي بالحبال
لا الأرض ترفع قامتي
ولا السماء
تمد حبل المشنقة
أما قصيدته ( مكابدات ) ذات الأربعة عشر مقطعا فقد احتوت خطابية هذيانية أخرى، تمحورت بين الاشتهاءات والأمنيات المليئة بروائح الدخان المتصاعد من الحروب والخيبات المتوالية، التي ربما نال منها الشاعر الحظ الوفير. ففي مقطع من القصيدة كان الناصر يتمنى حفنة من أصدقاء، وفي الثانية يبحث عن مأتم يقام على روحه في حال توارى عن الأنظار، وفي مقطع آخر هو الأرقى بين مقاطع القصيدة كان الناصر يمارس الإنثيال عبر طرح نفسه كثائر على واقعٍ بات يكتنف الأغلبية ويقيدهم في التصرف، يقول شاعرنا:
مرة ..
حلمت أن أقول لا
فصاح الجمع .. اسأل الفقيه
فقلت .. انه محض خرافة
فقالوا ..
إما هو .. أو تتيه
ولم يترك لنا الشاعر الفرصة لالتقاط أنفاسنا، بل عاجلنا بقصيدة ( إباحة الأسى )، التي احتوت كل ما يدور حولنا، كان يتحدث فيها عنا جميعا، يصور ما يعتلينا وينثرنا بكامل أوجاعنا. في مقطع من القصيدة وقد احتدم داخله حد الصراخ ، يقول الناصر:
المتفوقون ..
في صناعة الأضرحة
لهم الحق ..
في اقتناء ما تبقى
وتستمر قصائد هادي الناصر، ونستمر نحن في التلقي الذي يمنحنا النشوة والغليان في وقت واحد. فنصل إلى قصيدة ( فاجعة الصحوة ) لنراه وقد عاد للهذيان لكنه منعنا من تصنيفها ضمن الهذيان، ذلك لكونه لابس الواقع في اكثر من مقطع احتوته القصيدة، فقد قال في احدها:
ليس لي سواك
أنت الوطن المؤجل
المحسوب على يافطتي
امنحني مثقالا .. أو قنطارا
من أرضك .. ليكون قبري
ولا أدري لماذا وجدتني ماثلا كبطل حين اصطدمت بقصيدة ( المستظل بعمود من دخان )، ربما لأن الشاعر أراد أن يصور الشأن الداخلي عبر شخصٍ يمثل الجميع، فكتبنا قبل أن يكتب نفسه، وفي هذا المقطع يمكننا تلمس ما أراد الناصر طرحه:
خرقاء .. تلك هي الأماني
إذ حاصرتك الريح
والحلم اجدب
فتعفف ..!
وغادر لوثة الطاعون
يا داء المرايا والمكوث
أما قصيدته ( حلم اليقين ) فقد جاوز فيها الناصر مديات عدة، حيث راح يناولنا كؤوس الشجن العراقي عبر انثيالات بصورة قصيدة، تلقيناها على أنها ( شهادة وفاة ) لوطنٍ مات في عدة مرات. لكنه ( الوطن ) كان يحمل روح طائر الفينيق. وقد حاكى الشاعر نفسه التي تمثلنا، وذكّرها بالتضاريس التي أنهكتها المدافع، كتب الشاعر في واحدة من تلك الانثيالات يقول:
جاوز المدى .. والمراحيض حبلى
فكيف أصنع ميقاتا لتبرّز العصافير على صلع الرؤوس
وكيف أمرّر هيبة الآتي بقيظ سليط
وعلى باب الشفتين رصاصة
ويعود شاعرنا للهذيان مجدداً عبر قصيدة ( ابتهال ) التي احتوت تسع مقاطع تميزت بوجدانية ملتزمة، مع بعض تقاطيع وملامح لصور تحمل نقيضين هما الانكسار والانتصار، حيث يقول:
صومعتك ..؟
بهاء دري
دع من ضيائك
يندلق عليّ
واخرج من حومة السخام والمداخن
كذلك فعل في قصيدة ( التباس القائمة ) فقد أورد انثيالا يطغى عليه الشجن عبر حديث بصيغة – هو – ، أعلمنا من خلاله ببعض ما يكتنفنا دون الالتفات إلى استهلاكية الواقع، فقد هذّب الناصر بعض الواقع ونثره أطروحة بياض:
ولهذا .. دجنت هلعي بعنجهة الطرقات
وطويت محراث اللياقة ..
لجدب آخر أتعثر به ..
حين أعود لكنس الكلاب ..
وعبر قصيدة ( انعتاق ) يبحر هادي الناصر في خواصرنا، يزيح عنها ما يلفها، وذلك بعد أن كفكف بعض الدمع الذي يسيل من عيوننا وعيون الأمهات اللواتي كنّ في استرسالٍ مع الحزن المزمن، فهاهنا ينزف حروفه دما إذ يقول :
وها نحن صبيان يتامى
يكدسنا العطش السقيم .. على الشط
متى اغتسل .. ؟
وهذا الجذام يلوكني
وفي قصيدتين أُخريين حملتا اسم مقارب هما ( أسى الخيول ) و ( أسى المكوث )، كانت ريشة هادي الناصر ترسم لنا لوحتين شعريتين خضبهما بنبرة حزينة وأخرى تحمل الفرح طابعا، وتركنا نعيش التفاصيل، بدون أن نندلق خارج حدود النص، فقد جاء في الأولى ليقول:
فسوّر الحدائق بالنفائس
وداس رأسا خاله الأفعى
فعاد نادما
يجره أسى الخيول
فيما قال في الثانية التي حملت الأسى أيضا :
الله يا وجعي
كم أقلقتك ..
حين أيقظتني من قيلولة عمر
حصلت صدفة
أما قصيدة ( ليلة بكى الأمير ) فقد أشارت إلى عاطفة جياشة وانثيال دافئ مغلف ببعض قلق، وذلك ديدن الشعراء، لا يعرفون الاستقرار التام. فها هو هادي الناصر يجبرنا على تناول القصيدة ذات الخمس مقاطع وغمس أنفسنا بدموع ذاك الأمير الذي انتخب القمر صنوا، وراح يعلن عن نفسه سيدا لمدن بكاءٍ عراقية الطابع، يقول فيها:
أغازل وجع الناي
أشدو ..
علّني اسرق النحيب .. من يتيم
وعلّني امنح المسرة .. للواقفين طوابيراً
( غناء في علبة ) عنوان آخر لقصيدةٍ أخرى ضمتها مجموعة ( مرقاب خفي )، في هذه القصيدة كان الشاعر ملتهباً بعض الشيء، حيث نلاحظ انه اتخذ من المفردات اللاذعة طريقا يوصل المتلقي للمراد، وقد أوصلنا ببراعة ذلك الطريق إلى حيث أردنا. ففي احد المقاطع التسعة التي احتوتها القصيدة، وجدنا هذه الصورة الملتهبة، وهي ليست الوحيدة، ولكنها الأكثر لذعة حيث يقول:
كمن ..
يغني في علبة ..!
بحّ صوته ..
باحثا عن حنجرة
ومستمع أصم ..!!
في القصيدة الأخيرة ( أبالسة ) وحتى يكون ختامها مسك، وضع شاعرنا انثيالا اتشح بألوان وصور مختلفة. فما بين الأحلام والتشدق بالرغبات وما بين الطعن بشخوص وضعهم الناصر في أماكن تليق بهم، كنا نلحظ روح شاعرنا وهي تفور حنقا وتكتسي مشاعره بحمرة الغضب، فكانت الصور تترادف بوجع شاعري لذيذ ..
أحلم بالفراسة
وأمارس التغنج بالشجن
أتشدق بالرغبة .. وأنكفئ
بانتظار صبح يشرق بالاحتمالات
ولا مدد ..!
قبل أن اختتم سطوري أود أن اقبّل شاعرنا ( أبو شموس ) بين عينيه، تقديراً لهذه الترف الحلال الذي أطرب ذائقتنا الشعرية، فجاء عراقي الوزن والطابع، أصيل الوجع.
عدنان الفضلي
</CENTER>