مشاهدة النسخة كاملة : رواية ( حالة شغف ) لـ " نهاد سيريس "
http://syriagate.com/nihadsirees/images/Banner_nihad.jpeg
<DT>رواية: حالــة شـــغف
</DT>
http://syriagate.com/nihadsirees/images/shaghaff.jpg
الفصل الأول
________________
حكاية الحكاية أو مقدمة أو تمهيد أو
أي عنوان اعتاد مؤلفو الروايات استهلال رواياتهم
هذه هي الدنيا، غريبة جداً، وأغرب شيء فيها هي حكاياتها التي قد تسمعها من هنا وهناك. لم أتصور نفسي يوماً حكواتياً أجمع حولي الناس لأحكي لهم قصة سمعت بها أو شاهدتها بنفسي. هذا محض هراء، فأنا لا أجيد فن القص وسرد الحكايات، ولكن الحياة، هذه الغريبة التي نتمسك بها، تعطي الواحد منا مهمة وهو يحسب أنه لم يخلق لمثل هذه المهمات، وقد أعطتني هذه الغريبة مهمة عجيبة ألا وهي أن أحكي..أن أسرد عليكم حكاية غريبة سمعتها في ساعة أشد غرابة من الحكاية ذاتها.
أنا موظف في المصرف الزراعي، رئيس قسم فيه، أي أنني لست مديراً للمصرف ولست موظفاً صغيراً فيه أو محاسباً جل همه أن يجعل طرفي الميزانية السنوية رقمين متساويين فيتنفس رؤساؤه الصعداء حين يتم تحقيقهما. أما الفلاحون فقد اعتادوا على نعتنا، أنا وزملائي، بالخبراء. فقد كانت مهمتنا أن ننطلق بسيارة لاندروفر إلى الحقول لتدقيق تنفيذ الخطة الزراعية وتقدير المساحات المزروعة وتقديم القروض الزراعية للفلاحين، من بذار و أكياس فارغة وغيرها من الأمور التي أجيد تماماً الحديث فيها، وقد كنت أتمنى أن يكون ما أكتبه في هذا الموضوع بالذات، لكنت قدمت لكم تحفة علمية مزينة بالأرقام الدقيقة، ولكن.. (وهذا ليس للأسف) فقد شرعت في القيام بأمر آخر ألا وهو كتابة حكاية.. نعم حكاية. لا تضحكوا أرجوكم.. يكفيني ما أشعر به من إحراج كبير بسبب شروعي بهذا العمل الذي لم أخلق من أجله ولم يخطر في بالي أنني سأمسك القلم يوماً لكتابة النثر الأدبي عوضاً عن التقارير الزراعية وشروحات الخطط الفلاحية التي أصول فيها وأجول كفارس حقيقي. ولكن من يعلم، فقد تحبون ما أكتبه هنا، لأنه ليس من اختراعي أو كما يقول الأدباء من بنات أفكاري وخيالاتي (المزدحمة عادة بالأرقام)..بل كل ما هنالك أنني سمعت ما سأرويه واضطررت لكتابته وسأشرح لكم لاحقاً (كما اعتدنا أن نقول في المصرف الزراعي) كل حيثيات الموضوع.. سادتي.
حدث ذلك في الشتاء الماضي حين كنا نتنقل في سيارة اللاندروفر بين القرى في مهمة من تلك المهام الوظيفية الشاقة. كنا ثلاثة، السائق ومساعدي الأستاذ تميم وأنا. كنا قد أنهينا العمل في إحدى القرى وانطلقنا قبيل الغروب في اتجاه قرية أخرى، اسمها قرية أبو الفدا. وللوصول إليها كان علينا أن نعود إلى طريق الإسفلت الضيق ونسوق فيه عدة كيلومترات ثم كان علينا أن نخرج منه مرة أخرى ونتوغل باتجاه الشرق على طريق ترابي ملعون. كانت تلك فكرتي، فقد كان علينا أن نبيت في القرية الأولى حتى الصباح، ولكن رغبتي الملحة في الانتهاء من آخر قرية قبيل ظهيرة اليوم التالي، وذلك للإسراع في العودة إلى حلب، دفعتني إلى الإصرار على الخروج في ذلك الطقس العاصف والماطر، فقد كان ماطراً وبارداً والجو معتماً حتى قبل أن يحل الليل. أما زجاج السيارة فقد كان يعلوه الغبش من جراء الرطوبة العالية وبسبب تنفس ثلاثة رجال محصورين فيها.
كنا نجاهد لكيلا يبين خوفنا، ثم كان علينا أن نمسح بأيدينا الغبش عن الزجاج لكي يتمكن السائق من رؤية الطريق بعد أن ازدادت حدة الرياح والهطل المخيف. كانا يجاهدان ليصمتا، فقد كانت لدى زميلي ولدى السائق رغبة في الصراخ في وجهي واتهامي بالغباء والتهور.
زاد في الطين بلة تعطل السيارة المفاجئ. أحسست بعرق بارد ينسل من جبيني وتحت إبطيّ. حاول السائق إعادة تشغيل السيارة عدة مرات دون جدوى، فهذه اللاندروفر النشيطة والتي أنقذتنا مرات عديدة في ظروف جوية أسوأ، تحولت إلى قطعة حديد جامدة وكسولة. أشعل السائق البطارية اليدوية ونزل. فتح غطاء المحرك وراح يعبث به وهو يطلق الشتائم.
- عاهرة ابنة عاهرة هذه المصلحة.
ابتسمت ونظرت إلى الخلف أشجع معاوني الأستاذ تميم على الابتسام، ولكنه نظر إلي نظرة كلها كراهية، ثم أشاح بوجهه عني وهو يردد: حسبي الله ونعم الوكيل.. مسح زجاج النافذة بكم سترته وحاول النظر إلى الخارج. امّحت ابتسامتي وتابعته لألقي نظرة بدوري ولكن نظري اصطدم بحائط مظلم تشوبه خيوط السيول المنهمرة والتي استطاعت البطارية أن تلقي عليها بعض الضوء الهارب من صندوق المحرك.
ارتعدت حين أغلق السائق غطاء المحرك بقوة، فقد أراد أن يخبرنا بالنتيجة بكل استخفاف وانتقام قبل أن يدخل مبللاً من رأسه حتى أخمص قدميه. جلس في مكانه وهو يضيء وجهي بنور بطاريته وقال من بين أسنانه:
- لا فائدة يا أستاذ، السيارة معطلة.
ظللت صامتاً لفترة طويلة وأنا أتمنى أن يطفئ البطارية كي أخفي حرجي. كانا ينظران إلي وكأني قرد في سيرك، أو كأني سآتي بحل سحري لمشكلتنا. طلبت منه أن يطفئها مبرراً بأن علينا الاقتصاد بالنور ثم تنفست مهموماً أردد بعض الكلمات الشائعة والتي تنبئ الآخرين بأنني أفكر بحل، بينما كنت على يقين تام من فراغ رأسي وعجزي عن تقديم أي اقتراح آخر.. فمن مساوئ كون المرء موظفاً أن يتعرض إلى شتائم وسخرية الآخرين، دون أن يستطيع أن يطلب ممن حوله الكف عن ذلك لأنه لو فعل فسيدفعهم حتماً للضحك عليه بصوت عال وسيفقد احترامهم له إلى الأبد (وقد حلمت فيما بعد بتلك الواقعة عدة مرات وكنت أرى خلالها الأستاذ تميم والسائق يضحكان علي وأنا أذوب من الخجل، وقد كانت زوجتي تضطر إلى إيقاظي من شدة تشنجي وانكماشي في السرير).
ما العمل الآن..؟ سمعتهما يسألانني، فمادمت قد أمرت بمغادرة القرية الأولى، ومغادرة الكوخ الدافئ والمضافة العابقة برائحة القهوة المرة وبنظرات ابنة مرهج الحارّة التي كانت تسددها نحو الأستاذ تميم، تقترح بها (عليه طبعاً) أشياء وأشياء.. مادمت فعلت كل ذلك فعلي الآن أن أجد الحل المناسب لهذه الورطة التي أوقعتهما وأوقعت نفسي فيها.
قبل أن أتابع في سرد حكايتي هذه، أجد لزاماً علي أن أحكي شيئاً عن ابنة مرهج هذه (وليعذرني القارئ بسبب هذه الاستطرادات فقد حذرته منذ البداية بأنني لا أفقه شيئاً في أساليب كتابة الحكايات بشكل أدبي صحيح، ثم إن علي أن أقول ما يخطر في بالي فوراً وإلا فاتت القارئ بعض الحقائق التي أرى من الواجب الإشارة اليها قبل نسيانها).
مرهج هذا رجل طاعن في السن، يقترب من السبعين من عمره ومتزوج من ثلاث نساء. لا يفعل شيئاً طوال اليوم سوى الجلوس في مضافة أبي جاسم الذي عينته الحكومة مختاراً على القرية بعد أن مات مختارها الشيخ أسود ومنعت ابنه من أن يستلم المختارية من بعده بالوراثة كما جرت العادة. والسبب هو أن ابن الشيخ أسود لم يكن محبوباً لسبب ما من مدير مكتب الفلاحين في الناحية. أما مرهج هذا فلم يرزق بأولاد ذكور رغم زواجه من الثانية والثالثة لهذا السبب بالذات، فظلت زوجاته الثلاث يحبلن ويلدن حتى صار عنده عشرون ابنة. وبما أنه لم يرزق ببنين ليعملوا في الحقل، فقد أمر بناته بالقيام بأعمال الفلاحة والزراعة والحصاد أو بخدمتنا حين نحضر وذلك تبرعاً منه. كان يأمر إحدى بناته بأن تلبي لنا أي طلب، مثل إحضار الماء من البئر أو الطعام من البيت وتنظيف المضافة التي نبيت فيها حين نحضر، وغيرها من الأعمال.
كان الأستاذ تميم يصر على العودة إلى قرية ابي جاسم وابنة مرهج في كل مرة نكون في مهمة في الحقول القريبة. ولم يلبث الأمر إلا أن انكشف لي، فقد كانت ابنة مرهج تسدد إليه نظرات حارة وابتسامات ذات معنى، ثم تخرج من المضافة ليلحقها زميلي بعد دقائق ولا يعود إلا بعد أن ينتصف الليل..كان يعود ويسرع ويندس في فراشه ولا ينبس ببنت شفة مخافة أن ينفضح أمره.
ولكنني كنت على علم بكل ذلك. وكنت أشعر في داخلي بغيرة ولكنني كنت أصمت، ويبدو أن إصراري على الخروج في ذلك الطقس العاصف والممطر في ذلك اليوم، مرده الى تلك الغيرة و إلى احباطي الهائل بسبب اقترابي من سن الخمسين، أي ضعف ما للأستاذ تميم من سنين.
لم أكن أريد أن أعترف بما قلته، ولكن على كل من يقرأ الآن ما أكتب أن يعرف السبب الحقيقي لخروجنا ذاك، ولا أريد من أي إنسان كان أن يتصور بأنني رئيس قسمٍ فاشل.
نعود إلى قصتنا. قلت إنني كنت في وضع لا أحسد عليه، فقد كانت نظراتهما تصفعني رغم عدم التقاء أعيننا في ظلام السيارة. كنت أشعر بها وأحتمي بالصمت منها. ولكن أي صمت؟ كان المطر ينهمر على السيارة كحبات الحمص فيحدث صوتاً شبيهاً بصوت حبات الذرة حين تنضج وتتفتح وتنقر الوعاء المحصورة فيه.
فتحت باب السيارة وخرجت إلى العراء. كان ذلك كل ما أستطيع فعله. وفجأة أحسست أن الظلام لم يكن دامساً، بل إن السماء كانت مضاءة بنور خفيف لا يعرف مصدره، بل هو ضوء الظلام.. الضوء المتناثر بنسق واحد والذي يجعل الظلام لا يكون ظلاماً تاماً. خطوت مبتعداً عن السيارة، في الاتجاه الذي كان علينا أن نسير فيه لو لم تتعطل اللاندروفر. أما زميلي والسائق فلم يأبها إلي.. فربما كانا يعتقدان بأنني أفعل الصواب حين آتي بمثل هذا العمل المجنون.
كنت أسير دون أن أشعر بالبلل، كما يشعر السابح في البحر تماماً فلا يفكر بأنه مبتل، بل يفكر بقطع المسافة التالية. كنت أمشي باحثاً بقدمي عن الطريق الترابي الذي مهددته أقدام سكان قرية أبي الفدا ودوابها. وحين كنت أشعر بأن الأرض تحت قدمي قد اختلفت تضاريسها، كنت أصحح مساري وأنحرف إلى اليسار أو إلى اليمين. كنت أمشي دون أن أفكر بشيء، بل إنني اكتشفت شيئاً زائداً عندي وأنا أسير..كان ذلك الشيء هو عقلي، ولكيلا أفكر في أيما شيء مهما كان (وخصوصاً في سلامتي الشخصية) رحت أعد خطواتي. ظللت أخطو وأعد خطواتي حتى سمعت نباح كلاب برية ضارية تقترب مني. عندها توقفت. توقفت لأميز دقات قلبي المتسارعة عن صوت السيل الهابط من السماء. نظرت حولي لأعرف الجهة التي يأتي منها صوت النباح. ولكن يا ألله كم كان ذلك صعباً، وبسبب تلك الصعوبة قررت أن أسير قدماً من جديد. كنت أقترب ونباح الكلاب يقترب مني، ولن يصدقني أحد مدى حياتي إن قلت بأنني كنت لا أبالي، ولماذا أبالي بالكلاب مادمت قد نجحت في الهرب من السائق ومن الأستاذ تميم الذي يكرهني بسبب ابنة مرهج؟ (في تلك اللحظة كرهت نفسي أنا أيضاً بسبب غيرتي إياها).
فجأة انقشع جدار الماء الواصل بين الأرض والسماء وظهرت مئة عين حيوانية تلمع في الظلام. كانت الأعين ثابتة لا تتحرك، مستديرة ولامعة بألوان فسفورية، تحيط بي من كل جانب، تدور حولي وهي تهمر بصوت مكتوم وتترصدني. ماذا علي أن أفعل؟ فكرت.. بل قلت بصوت عال وكأنني أسأل تلك العيون، ولم أجد مناصاً من متابعة السير، ولكن بحركات بطيئة وواثقة دون ركض، فقد حذرونا دائماً من الركض امام الكلاب البرية المتوحشة. سرت وتبعتني الكلاب وهي تناور حولي. يبدو أنها كانت تبحث عن ذلك الجانب مني الذي تعتبره نقطة ضعفي. ولكن ذلك هراء سقيم، فأنا بأجمعي كنت نقطة ضعف هذا الكون المائع.
كنت أسير وتلحق بي الكلاب من كل جانب..كانت تنبح أحياناً وتهمر أحياناً أخرى. تصارعت فيما بينها أيضاً ونهش بعضها بعضا..قلت بصوت عال إنها ربما تنقص عدد المشتركين في الوليمة. ثم اكتشفت عينين أخريين على مبعدة و إلى الأمام، أغلب الظن أنهما لكلب آخر قرر أن ينتظرني حتى أصل إليه..وربما كانتا لمليكهم الذي يقودونني إليه. لابأس فأنا أتجه نحوه على كل حال. ولكن..هل يصدق أحد يا ترى إن قلت إنني توقفت مذهولاً وتوقفت معي الكلاب؟ أحسست بالحرارة تصعد إلى رأسي وبرعشة مجنونة. إنها نفس الرعشة التي يشعر بها محكوم بالإعدام والحبل ملتف حول عنقه، حين يخبرونه أنهم قد عفوا عنه لأن القانون قد تغير. فقد كانت تلك العينان عبارة عن مصباحين كهربائيين يشعان من خلال نافذة بيت.
اقتربت من البيت، وعندما أصبحت على بعد أمتار منه تراجعت الكلاب وكأنها أنهت مهمتها بتوصيلي بأمان.
كان البيت لا يشبه البيوت الأخرى التي نصادفها في القرى التي ندخلها. كان مبنياً من الحجر الأبيض والمقطع والمنحوت وفق طريقة البناء الحلبية. وكان هناك بعض الزخارف المحفورة في الحجر فوق باب البيت وفوق نوافذه. استغربت وجود البيت في هذه المنطقة. حسبت أنني في حلم يسبق الموت، ولكنني هاأنذا واقف أمامه، والكلاب بدأت تشم مؤخرات بعضها البعض وتنط تحت وابل المطر، غير آبهة بي..فما هي قصة البيت، وكيف نبق في تلك اللحظة التي كنت في أشد الحاجة إلى مصادفة إنسان؟
وللغرابة، كانت نوافذ البيت واسعة. اقتربت من النافذة المضاءة ونظرت إلى الداخل. كانت هناك مرآة كبيرة تعكس نور المصباح إلى الخارج مما جعلني أشاهد من بعيد المصباح وانعكاسه على المرآة..كانت الغرفة واسعة ومفروشة على طريقة أهل المدن الأغنياء. شاهدت لوحات زيتية معلقة على الجدران، وأثاث فخم ومريح، ومدفأة هائلة الحجم جلس إلى جانبها رجل عجوز وقد ارتدى ملابس السهرة السوداء، مطرق إلى أرضية الغرفة دون حراك، محني الظهر، وصدقوني لو لم تكن المدفأة مشتعلة تنشر الدفء والحياة إلى ما حولها لحسبت العجوز ميتاً. تركت النافذة وصعدت الدرجتين الوحيدتين إلى باب الدار الواسع والمزخرف، ثم قرعت جرس الباب.
فتح لي رجل أنيق من أهل المدن. وقف لحظة يتأمل حالتي، مستغرباً وجودي(كما استغربت وجوده) يود لو يسألني عما أتى بي إلى هنا، ولكنه وبكل أدب سألني، بلكنة سلسة قريبة من اللهجة المصرية ولكنها ليست كذلك، عما أريد بعد ان أعلمني أنه الخادم. قلت له إنني ضائع في البراري وأود أن أقابل صاحب البيت لأستأذنه بمساعدتي، ولكي ما يخاف أخبرته من أنا ووظيفتي ومهمتي. تردد لحظة حسبت خلالها انني غير مرحب بي، ثم أعاد إغلاق الباب وابتعد. ولم تمض عدة دقائق حتى فتح الباب من جديد ودعاني للدخول.
غريب أمر هذا البيت وأصحابه، فكل شيء فيه يدعوك للتعجب. فكما وقفت قبل ذلك أمام البيت مستغرباً وجوده في تلك الأصقاع الوحشية، فقد وقفت منذهلاً لأناقته وحسن ترتيبه ومستغرباً كيف يمكن لصاحبه الذي كما يبدو من التحف المعلقة على الجدران، قد دار العالم ولم يترك مدينة بعيدة إلا زارها وأتى منها بقطعة نفيسة يعلقها أو يصفها على الرفوف التي ازدحمت بالنفائس، أقول كيف يمكن لمثل هذا الرجل، أن يترك العالم ويأتي إلى هنا ليبني بيتاً أنيقاً ويعيش فيه وحيداً متوحداً؟
أدخلني الخادم إلى غرفة صغيرة بجانب الممر تستخدم كمستودع للأشياء القديمة، وطلب مني أن أجفف نفسي وأبدل ثيابي المبللة بغيرها انتشلها لي الرجل من أحد الرفوف. كانت هناك مدفأة تعمل على الكهرباء تتوهج فيها الأسلاك، أشعلها لي الخادم كي أتدفأ بها، فاقتربت منها وظللت واقفاً إلى جانبها أطرد البرد الذي سكن داخلي بفعل البلل حتى راح البخار يتصاعد من ثيابي، حينها وجدت أن علي أن أسرع في تبديلها، كما طلب مني الخادم فقد كنت متشوقاً لمقابلة صاحب الدار.
بعد ذلك أدخلني الخادم إلى ذات الغرفة التي نظرت إلى داخلها، خلل النافذة، حين كنت في الخارج. نهض الرجل من مقعده بصعوبة وسلم علي، كان لطيفاً جداً رغم عدم تبسمه، ولكن الدفء المشع في عينيه أراحني أكثر وجعلني أقلل من شعوري بالغربة في بيته الجميل والمليء بالنفائس. وللأمانة أقول بأنني شعرت بالراحة مع الشيخ أكثر مما مع خادمه، الذي فيه شيء غير ودي يجعلك تشعر بأنه يكرهك.
كان شيخاً في السبعين من عمره أو أكثر قليلاً. سألني بكل تهذيب عن اسمي و مركزي رغم أنني كنت متأكداً من أن الخادم قد نقل له من أكون. ثم راح يبحث في ذاكرته عن اسماء أشخاص يحملون نفس كنيتي وقال انه عرفهم يوماً ما. ثم راح يصف حياته وقال إنه كان وحيداً في هذه الدنيا لا يملك فيها سوى ذاك الخادم وأنه هرب من المدينة بعد أن عاش فيها وملّها كما ملّ مئات المدن التي مر بها في أسفاره.. وأخيراً، كما قال:
- لقد علمتني الحياة من عظيم ما رأيت، ألا أثق بأحد مهما كان، ولكنني أيها الأخ أراك مختلفاً عن الآخرين وهذا ما تنبئني به عيناك، فأنت ضيفي، تقعد معي حتى يتوقف المطر.
شكرته ثم حدثته عن الحادث الذي جرى لي ولزميلي الأستاذ تميم حين انقطعت بنا السيارة وكيف غادرتها وبأي ظروف نفسية فعلت ذلك، ثم رجوته أن يرسل من يبحث عن السيارة بمن فيها، وفي الحال أمر الخادم أن يفعل ما طلبته منه، فانطلق الخادم بعد أن صب لنا الشاي (شعرت بأن الخادم لم يكن متحمساً مما اضطرني إلى الاعتذار منه) فبقينا أنا والشيخ العجوز جالسين جانب المدفأة نستمع إلى موسيقى ناعمة وعذبة يطلقها جهاز تسجيل مركونٍ إلى جانب الشيخ.
كان الجو ساحراً، زاد من سحره الدفء والموسيقى والهدوء. كنت أستمع إلى الأنغام مصحوبة بصوت تنفس الشيخ. كان صموتاً بطبعه، ولكنني فضلت أن أجره إلى الحديث عله يشرح لي كيف خطر في باله هجرة الدنيا والسكن في هذا المكان المقفر. سألته:
- قل لي أيها الشيخ المحترم، ما الذي جعلك تأتي إلى هنا للعيش، كان بودي ألا أسأل ولكن الأمر يلح علي. رفع رأسه ثم حدجني بنظرة ناعمة ومتعبة وقال:
- لك كل الحق أن تسأل أيها الأخ الغريب، ولكن حكايتي حكاية طويلة، قد تأخذ منا وقتاً يطول حتى تسمعني أسردها عليك كلها. إنني في الحقيقة أحب أن أسردها وأحب أن يأتيني شخص يحب الاستماع إلى الحكايات.. ولكن خادمي يمنعني من الكلام حفاظاً على صحتي.
- وليكن يا شيخي الكريم..أحكِ لي الحكاية، فأنا أحب الحكايات منذ الصغر وأتوق لسماعها.
مد لي فنجانه وسألني بلطفه المعهود:
- هل تمانع أن تصب لي فنجاناً آخر من الشاي..؟
- على الرحب والسعة.
صببت له الشاي ثم ساعدته ليضع فيه حبة سكرين، فقد كان مصاباً بمرض السكري. أخذ يرشف من فنجانه بيدين مرتجفتين بسبب مرض الباركنسون على ما أعتقد، وراح يحكي لي حكايته التي هي أغرب ما سمعت طوال عمري.
يتبع ..
على هامش الحكايات
أريد أن استبق الأمور وأعلم القارئ الكريم بما جرى أثناء سرد هذه الحكايات وما بعدها، فقد جعلتني هذه الحكايات أقيم في بيت الشيخ خمسة أيام بلياليها. كان ذلك هو الوقت اللازم ليتمكن الشيخ السبعيني من تذكر كل أحداثها وتفاصيلها ومن ثم سردها على مسامعي. وقد كان كريماً جداً ومضيافاً لا يشق له غبار (هذه العبارة استعرتها من احد الكتب الأدبية). وكنا نظل مستيقظين حتى وقت متأخر من الليل بينما كنا نأخذ قسطنا من النوم في النهار ولا نستيقظ إلا في الظهيرة. كما انه قد حدثت بعض الأحداث التي جعلتني اضطر للبقاء طوال تلك المدة حتى تنتهي الحكاية، وأنا هنا لا أريد أن أستبق الأحداث فأكشف عنها اللثام ولكن ليس من السيئ أن أقول بأن الخادم كان يحاول منع الشيخ من التكلم.
وعندما عدت إلى بيتي كان أهلي قد فقدوا الأمل في العثور علي، حيث كانت المصلحة تبحث عني مستعينة بالشرطة وبجهود مخاتير عشرات القرى الذين أعرفهم ويعرفونني. وفاتني أن أقول لكم بأن الخادم، بعد أن انطلق للبحث عن اللاندروفر وعن سائقها والأستاذ تميم، عاد بعد ساعتين ليخبرنا بأنه لم يجد أي أثر للسيارة، فظننت بأنهما قد تمكنا من إصلاحها ومتابعة طريقهما إلى قرية أبي الفدا (بينما أخبروني فيما بعد أنهما انتظراني حتى الصباح ولما لم أعد ذهبا لإحضار النجدة وسحب السيارة). وللأسف لم يكن ينقص بيت الشيخ سوى جهاز هاتف أستطيع بواسطته الاتصال بالمصرف أو ببيتي أثناء تلك المدة التي مكثت فيها..وبما أن ما كان يسرده الشيخ على مسامعي بالغ التشويق، فقد نسيت موضوع الاتصال بالمدينة ولم يخطر في بالي مطلقاً أنهم سيحسبونني قد ضعت في البراري في تلك الليلة العاصفة والماطرة ومن ثم أكلتني الذئاب، مما أدى إلى استدعاء زميلي إلى التحقيق وكان لا يزال رهن التحقيق حين عدت بالسلامة إلى بيتي.
ولكن الحكايات اثرت فيّ أيما تأثير، حتى إن حياتي شعرت بها قد ارتبكت، وشعر بذلك أهلي أيضاً وخصوصاً زوجتي فحسبتني أنه قد حدث شيء لعقلي ربما بسبب خروجي من السيارة في ذلك الجو المخيف..ولكن كل ما هنالك أنني كنت مأخوذاً بتلك الحكايات التي سأبدأ بسردها عليكم ابتداء من الفصل القادم.
بقي أن أخبركم عن موضوع كتابتها بهذا الشكل الذي ترونه أمامكم، فكما قلت في البداية لم أعتد على كتابة الإنشاء أو مواضيع التعبير، وكل ما كنت أجيده هو كتابة التقارير المالية التي تهم رؤسائي في المصرف الزراعي، فهل أستطيع أن أكتب مثل هذه الحكاية الطويلة؟
كنت أعتقد بأن على هذه الحكاية أن تتخلد في كتاب، والشيخ كما تعلمون قد بلغ أرذل العمر ولم يتبق له سوى القليل، ثم إنه لو كان خطر له كتابتها لكان كتبها منذ زمن ولم يتركها حبيسة في صدره..ولهذا الأمر وجدتني أمام مهمة عظيمة وصعبة في آن معاً، كيف ستكتب هذه الحكاية أو الحكايات؟ ومن سيكتبها إن كنت أنا لا أستطيع؟
سمعت عن أحدهم يوماً وكان شاعراً معروفاً فذهبت اليه ورجوته أن يسمعني أسرد عليه الحكاية لكي يكتبها، فقد كان يجيد الكتابة. وبعد أن اقتنع مني وأسمعته جزءاً منها توقف عن الاستمرار واعتذر عن كتابتها وصرفني بالحسنى، وفي الحقيقة كان الحق معه، ففي الحكاية شيء يخدش الحياء كما قال، رغم اقتناعي بأن هذه الأشياء لم تعد تخدش الحياء هذه الأيام. وعدت إلى بيتي وقد ازدادت همومي ومخاوفي من أن أموت وتموت معي الحكاية..ولهذا الأمر قررت أن أكتبها بنفسي..فإن وجدتني أخي القارئ لا أجيد كتابة القصص فاعذرني، ثم إنني قد فتحت كتاباً أدبياً بالأمس فوجدت المؤلف قد استهل كتابه بالاعتذار من قارئه لأن الكتاب غير كامل والكمال من صفات الخالق، فإذا كان الكتّاب المتمرسون بهذا الفن يقدمون الأعذار فهذا يعني أنني أستطيع أن أكتب ومن ثم أعتذر.
بقي أن أقول إنني حاولت العودة إلى بيت الشيخ مرة أخرى فلم اهتد إليه. حاولت أيضاً صيفاً واستعنت بالبوصلة وسألت كل الفلاحين والرعيان عن البيت فلم يتعرف عليه أحد..هذا غريب طبعاً، ولكنني أؤكد لكم أنني وصلت إلى هناك في ليلة عاصفة وماطرة..
وإليكم الحكايات.. وقد تجدونني أخرج عن سياق القصة لأناقش الشيخ وأجادله حول ما أسمع، أو قد ترونني أصف الشيخ وخادمه والبيت الذي عشت فيه خمسة أيام، أو تسمعونني أحكي عن الأحداث الفظيعة التي حدثت لي هناك، فأرجو المعذرة... والله من وراء القصد.
* * * * *
* * * *
يتبع
طارق الورهي
06-11-2007, 12:03 PM
متابع
وشكراً شتى
جئت لأشكرك عزيزتي
على جهودك 000لم تكتمل قرائتي لها بعد
لك الورد
الأستاذ : طارق
العطر : كادي
ألف شكر لكما .. و بمشيئة الله سأتابع .. لحضوركما الأنيق :)
كيف ظهرت وداد البريئة في صورة مع المفوض السامي
قال الشيخ.. كان ذلك في 27 أيلول 1936...
كان القطار يقترب متمهلاً من محطة الشام وهو يطلق صفارته دون انقطاع.
لم تنهض وداد لتنظر من النافذة إلى الخارج كما فعل معظم الركاب. كانت تتشبث بالمقعد تجاهد لكي لا تلتقي عيناها بعيني الرجل الذي جلس في المقعد المقابل إلى جانب باب المقصورة لا يفعل شيئاً سوى النظر إليها. تمنت لو ينهض هو أيضاً فيخرج رأسه من إحدى النوافذ في الممر الضيق لقطار الشرق السريع. تردد رمشاها ثم نظرت مستطلعة. تمنت لو أنه حوّل عينيه عنها إلى السماء، إلى المباني الأولى للمدينة، إلى الأشجار التي أصبحت بطيئة في هروبها إلى الخلف أو إلى صورة برج أيفل المعلقة على خشب المقصورة فوق رأسها. ولكنه كان يتابع النظر إليها وفي عينيه شيء مخيف لطالما قصدت أمها تنبيهها منه حين كانت تنصحها بالاحتراز من الرجال. كان سيرسم ابتسامة لولا أنها انكمشت أكثر والتصقت بزاوية النافذة وعادت للنظر إلى يديها المركونتين في حجرها.
ألغت وظيفة البصر وأصبحت تتواصل مع ما كان يجري بواسطة أذنيها فقط. كان القطار يتباطأ بينما استمر في إطلاق صفارته. من الممر كانت تسمع تعليقات الركاب ثم بعض الهتافات الحماسية، فالقطار يحمل بعض الرجال المهمين، ومن المفترض أنه سيجري لهم استقبال حافل. تمنت لو تنهض وتنظر لترى هل هذا صحيح؟ ولكن الرجل سيستمر في النظر إليها وعندها سيغرز نظراته في مؤخرتها. إذن عليها المكوث هكذا حتى يتوقف القطار، عندها سيتسنى لها الهرب. ولكن ماذا لو فرغ القطار من الركاب إلا هما؟ أصابتها رعدة وشعرت بسخونة في وجهها. كانت تعيش لحظات رعب، ذات الرعب الذي كانت تحسه حين كانت أمها تسرد عليها في ليالي البرق والرعد ماذا يمكن أن يفعله الرجال بفتاة صغيرة. الخوف كان بسبب نصائح الأم المريضة أما الآن فهو بسبب شيء حقيقي، بسبب رجل جالس أمامها ينظر اليها بطريقة واحدة في غفلة عن جميع الركاب الذين كانوا يتسلون بالنظر إلى الخارج ويطلقون الهتافات الحماسية ضد فرنسا ويحيون الوفد. أي وفد؟... وما هو الوفد؟ ولماذا يحتفون به؟ ومن أين هو قادم؟
انتظرت على رصيف محطة ميدان أكبس أكثر من ثلاث ساعات قبل ان يصل القطار القادم من استنبول في طريقه إلى حلب. كانوا قد أرسلوا لوداعها عبدو السنكة، وهو ولد مجذوب بنصف عقل أطلقوا عليه أسم السنكة لأنه اجتاز أحد الأيام الحدود التركية (تقع ميدان أكبس على الحدود التركية) فطعنه أحد الجنود الاتراك بالسنكة فأصبح يعرج وصار مضحكاً أكثر، وهناك عاهة ثالثة تجعله مضحكاً جداً، ففي صف أسنانه العلوية الامامية فجوة كبيرة تجعله يصفر دون قصد حين يتكلم. وقد كانت وداد تتسلى دائماً بعبدو السنكة حين يأتي إلى بيتهم، قبل ان تموت أمها، وكان يحرص على زيارتهم لخدمتهما وتسلية وداد، تلك الفتاة اللذيذة التي تضحك وتضحك كلما تحرك أو ركض أو تكلم، فيشعر بالغبطة ويروح، مستلقياً على ظهره، يضحك محركاً يديه وساقيه إلى الأعلى. كان يلمسها في بعض الأحيان بينما هي ساهية أو مغشي عليها من الضحك فيشعر برجفة غريبة تجعله سعيداً طوال يومه ويفقد جزءاً من حيويته ويفضل بعدها الركون في الظل تحت إحدى الأشجار. هي لم تكن تفهم معنى تلك اللمسات وماذا يحصل له، وعندما رآه يوماً إمام المسجد الشيخ عبد الصبور نهره ثم لحق به ممسكاً غصن رمان رفيعاً يريد تأديبه. لم تفهم حينها وداد سبب غضب إمام المسجد ومؤذنه حتى إنها كرهت الشيخ، وعندما جلس هذا الشيخ إلى جانب فراش أمها المريضة يهمس لها وهو يتطلع إلى وداد حسبت أنه يشكوها إليها لأنها تكرهه، هكذا حسبت، وعندما أصبحت في المساء وحيدة معها أعادت الأم على مسامع الابنة تحذيراتها لها من الرجال ولكن وداد لم تكن تحسب عبدو السنكة منهم، ولم تكن تشعر بالخوف منه على الإطلاق.
ثلاث ساعات في انتظار قطار الشرق السريع قضاها عبدو السنكة وهو يبكي لأنه سيفقد وداد إلى الأبد، فهو يعلم، رغم عقله القاصر، أن أمها قد أوصت برحيل ابنتها إلى حلب بعد موتها، وقد رأى الشيخ عبد الصبور وهو يعطيها ظرفاً فيه رسالة وعليه العنوان وبعض النقود ثم أرسله معها كيلا تنتظر وحيدة، ذلك القطار الذي يتأخر في بعض المرات أكثر مما تحتمله فتاة في الثامنة عشرة. وعوضاً عن مواساتها وجعلها تنسى خوفها بإضحاكها كما اعتاد أن يفعل (كانت خائفة مما يخبئه لها سفرها بالقطار وحيدة للمرة الأولى في حياتها) كانت وداد هي التي تواسيه وتتحدث معه طوال الوقت تكذب عليه أنها سترجع سريعاً، وهي تعلم جيداً أنها لن تعود. وعندما وصل القطار يسبقه صفيره الطويل الممتد، تغير حال عبدو وصار يضحك وينط فرحاً من منظر القطار المزينة بعض عرباته بالأعلام واللافتات، مما أضفى عليه بعض البهجة طيرت النصف الباقي من عقل عبدو السنكة. والآن أصبحت هي تبكي وهو يضحك لاهياً عنها، وبصعوبة استطاعت ان تمسك به وتجعله يهدأ ثم ضغطت على يده بقوة وجرته إلى إحدى العربات غير المزينة وعند بابها أمسكت بيده بكلتا يديها تشجع نفسها على الصعود ومن ثم الابتعاد عن القرية التي ولدت فيها ولم تغادرها إلا اليوم.
صعدت إلى العربة وبحثت لها عن مكان فارغ في إحدى المقصورات. وبعد ان ركنت حقيبتها في رف الامتعة جلست. كان عبدو واقفاً تحت النافذة يتحسس يده التي أمسكت بها قبل قليل. كان يتحسس يده وينظر إلى وداد الجالسة خلف النافذة. كانت دموعها ترسم خطين على وجنتيها، وقبل ان ينطلق القطار شعر عبدو انه أكثر الناس سعادة فراح ينط وهو يضحك ليجعل فتاته تضحك ولكنها ظلت تبكي حتى انطلق القطار، وعندما ابتعد عبدو السنكة ومبنى المحطة كثيراً مسحت دموعها وابعدت عينيها عن النافذة لتلتقي بعيني ذلك الرجل الذي قضى الوقت كله ينظر اليها دون ان يجعل باقي المسافرين في المقصورة يشتبهون به.
انتبهت إلى أصوات جديدة، اختلطت بنعومة بصفارة القطار وهتافات المسافرين وصليل الحديد على الحديد. كانت أصوات الموسيقى تقترب وتعلو، حينها شعرت بإلفة مفاجئة تجاه المحطة التي سيتوقف عندها القطار. ودون أن تنظر إلى الرجل، وبسرعة، أدارت وجهها باتجاه النافذة. كان هناك حشد هائل من البشر قدموا لاستقبال الوفد القادم بالقطار. كانوا يهتفون فرحين، يرفعون اللافتات والاعلام ويلوحون بأيديهم باتجاه العربات الأولى، بينما راحت فرقة موسيقية من الدرك تعزف المارشات العسكرية. ابتسمت دون أن تشعر، فقد أفرحها الاستقبال الحاشد.
- إنهم يستقبلون الوفد..
استدارت بشكل عفوي وأثر انفعالها مرسوم على وجهها. كان الرجل يوجه اليها الحديث وقد اقترب هو أيضاً من النافذة. في تلك اللحظة دخل المسافرون لالتقاط حقائبهم وهم يثرثرون ويضجون، وفكرت بان تنهض هي أيضاً ولكنها كانت ستحتك بالرجل ان نهضت فظلت على جلوسها، ولأول مرة نظرت في وجهه هكذا عن قرب. كانت عيناه محمرتين، ينظر في عينيها كأنه يخترقهما. كأنه يتفرج على شيء لا يملكه أحد سواها. حينها شعرت أن عليها أن تهرب، أصبح الأمر خطيراً. تململت في مقعدها ونظرت اليه برجاء أن يتركها تنهض وترحل، ولكنه، مستفيداً من كونهما أصبحا وحيدين في المقصورة، مد يده نحو وجهها وراح يتلمسه. ارتدت إلى الوراء وصارت ترتجف بينما كانت الموسيقى تعلو أكثر وشعرت بأنها إن صرخت فلن يسمعها أحد فوجدت نفسها ترجوه:
- الله يخليك. ولكن يده ظلت تجول على خديها وذقنها وانفها، لا تهدأ، توزع دفءها على كل بشرة وجهها. ولم تجد مناصاً من دفعه والنهوض فوقع على المقعد الآخر فالتقطت حقيبتها وخرجت. وعندما نظرت لتعرف إن كان سيلحقها وجدته جالساً يبتسم لها بنشوة، وخافت ان يلحق بها فراحت تركض تبحث عن وسيلة لتنزل بها إلى رصيف المحطة، وقد كان ذلك من سابع المستحيلات فقد كان الجمهور قد التصق بالقطار وسد المنافذ على الجانبين فاضطرت إلى الانتقال من عربة إلى أخرى علها تجد مخرجاً ممكناً.
كانت جموع الناس تتموج ذهاباً واياباً بينما استمرت الفرقة الموسيقية عزفها للمارشات العسكرية، حتى ضاق رصيف المحطة بهم، واضطر بعضهم إلى تسلق القطار وتراكضوا على سقفه ليصلوا إلى العربة التي سينزل منها الوفد ليطلوا عليه من الأعلى. وعندما أطل رئيس الوفد (وكان بالمناسبة هاشم الاتاسي) سمع هدير قوي وحاول المستقبلون الإفلات من رجال الدرك الفرنسيين للاقتراب من العربة، ولكن الأوامر كانت مشددة وكان على الدرك إبقاء الناس بعيداً عن العربة التي سينزل منها الوفد كي يتسنى للمفوض السامي المسيودو مارتيل الاقتراب ومصافحة الوطنيينالعائدين من باريس.
اقترب المفوض يرفل ببذلته البيضاء والتي علق على صدرها نياشينه العديدة وأخذ هاشم الاتاسي بالأحضان حتى إنه شمه عن عمد ليكتشف فيه رائحة خريف مدينة باريس، ثم صافح باقي أعضاء الوفد الذين كانوا ينزلون من العربة الواحد بعد الآخر وكانوا ينتظرون على الدرجات ريثما يأتي دورهم للمصافحة أو العناق، وكلما ظهر أحدهم على درجات العربة كان يستقبل بعاصفة من التصفيق وبكثير من الهتافات من الجمهور المحتشد. ورغم أنهم كانوا قد قضوا ستة أيام في هذا القطار لم يظهر عليهم التعب والارهاق من الجلوس الطويل والملل لأنهم كانوا قد جهزوا أنفسهم قبل الوصول إلى محطة حلب فحلقوا ذقونهم وغسلوا وجوههم وبدلوا ثيابهم فكان ظهورهم مؤثراً حتى إن العديد من المستقبلين بكى تأثراً. ثم توسطهم سعادة المفوض السامي لالتقاط صورة تذكارية، وقد روعي أن تكون الصورة معبرة أكثر تشرح الوسيلة التي أقلت الوفد من باريس العظيمة إلى حلب المستعمرة فوقفوا بحيث تظهر عربة القطار في الخلفية، وفي اللحظة التي برق فيها اللامع الصناعي اللازم لوضوح الصورة ظهرت وداد حاملة حقيبتها على سلم العربة فظهرت بالتالي في الصورة التذكارية التي وزعت على جميع الصحف المحلية وصحف العاصمة (ظهرت وداد ذات الوجه البريء فوق رأس دو مارتيل) وهناك من أقسم أنه رآها على الصفحة الأولى لإحدى الصحف الباريسية، كما كبّرت الصورة وعلقت على جدران مكاتب المفوض السامي والكتلة الوطنية وبعض بيوت أعضاء الوفد.
عندما شاهدها الجمهور تقف بخوف وبراءة على سلم العربة، راحت الأصوات تخفت ثم عم الصمت، ولم يعد يسمع أي صوت سوى صوت موسيقى المارشات حيث كان قائد الفرقة الشاويش صاموئيل يحرك يديه ليقودها وقد أدار رأسه باتجاه وداد، ولم يكن أعضاء الفرقة بأحسن منه، فقد كانوا هم بدورهم يعزفون وهم يتطلعون إلى تلك القروية التي نبقت من داخل عربة الوفد تحمل حقيبتها العتيقة وتضع على رأسها منديلاً لتخفي به شعرها عن عيون رجال المدينة. حتى الوزراء وأعيان المدينة الذين جاءوا لاستقبال الوفد بهتوا لظهور القروية رائعة الجمال، ولكن المفتي كان الوحيد الذي حاول غض نظره بعيداً عنها ولكنه لم يستطع، فقد حسب أنها ربما تكون جنية أو ملاكاً نزل من السماء ليحرس الوفد أثناء ترحاله فلذلك لابأس من النظر إليها. وقد استغرب سعادة المفوض السامي ذلك الصمت فاستدار إلى الخلف، وقد لزمه بعض الوقت ليعي المسالة، وتساءل في ذهنه عن سبب وجود هذه الفتاة هنا، وبسبب نظراته تلك (ونظرات أعضاء الوفد أيضاً) زاد ارتباك وداد وصار لزاماً عليها أن تشرح الموضوع فقالت بتردد وبصوت خافت:
- لم أجد مكاناً آخر أنزل منه..
لم يفهم المفوض السامي في بادئ الأمر ما قالته له الفتاة فظل ينظر اليها كالأبله، ولكن عندما انفجر الجميع بالضحك لطرافة الموقف (الحلبيون لديهم حس للفكاهة رغم ما يشاع عنهم) اقتنع دو مارتيل ان في الأمر مصادفة فأهمل القروية التي سلبت بجمالها لب المستقبلين، ودعا الوفد للتحرك فعادت الهتافات وعلت من جديد موسيقى المارشات. وشق الدرك الفرنسيون طريقاً للوفد بين الحشود التي عادت إلى التدافع، فكل واحد يريد القاء نظرة إلى رئيس الكتلة الوطنية هاشم الاتاسي الذي كان يرأس الوفد، أو إلى سعد الله الجابري ابن المدينة والسياسي الأنيق.. وهناك من كان محتاراً إلى من ينظر فمن النادر ان يجتمع في مكان واحد وفي زمان واحد كل هذا العدد من الوطنيين ورجالات السياسة السوريين إلى جانب جنرالات الحكم الاستعماري.
خرجوا من المحطة يسبقهم المفوض السامي الذي ضاقت بدلته البيضاء على جسده البدين، يتبعهم الناس والفرقة الموسيقية التي كانت تعزف لحناً عسكرياً رشيقاً. ولم يمر وقت طويل حتى كانت وداد تقف وحيدة على الرصيف وإلى جانبها حقيبتها وقد هدأ اضطرابها. تقف وحيدة إلى جانب عربة القطار بينما القاطرة مستمرة بنفث بخارها الأبيض اللطيف. ولكنها كانت مشوشة الذهن مما حصل معها، فهي لم تكن في يوم من الأيام تحلم بمثل هذا الاستقبال في هذه المدينة الواسعة التي يسمونها حلب، والتي طالما حذرتها أمها المتوفاة من رجالها. ولكن.. لو تعلم في قبرها في ميدان أكبس كيف استقبلها الرجال في محطة القطارات، فهل كانت ستغير رأيها بهم يا ترى؟ رفعت وداد كتفيها تجيب نفسها بصمت ثم أخرجت الظرف الذي كتب عليه عنوان من يجب ان ترحل اليهم ثم التقطت حقيبتها وخرجت من المحطة. وقفت تنتظر عربة لتستقلها كما أوصاها بذلك إمام مسجد ميدان أكبس الشيخ عبد الصبور، ولكن أية عربة في هذا الوقت؟ فقد فرغت الساحة والشوارع من الناس الذين تراهم الآن من بعيد يسيرون في حشد هائل خلف العربات والسيارات التي تنقل الوفد والمستقبلين الرسميين، وهتافاتهم تختلط بإيقاع المارش العسكري.
* * * * *
دخل الخادم علينا وبيده إبريق من الشاي الحار. صمت الشيخ فجأة وكأنه يعطيه الفرصة كي يقوم بعمله بصب الشاي، ولكن خطر في بالي بأن الشيخ صمت لأنه يخادع خادمه أو ربما لأنه كان يريد أن ينشد بعض الراحة. على كل فقد صب الخادم الشاي دون قرقعة وقدم لكل منا فنجانه بخفة، ولو كان الشيخ قد استمر في الكلام لما تأثر انتباهي بوجود شخص ثالث، بل على العكس، فقد شعرت أن صمت الشيخ دفعني إلى متابعة الخادم فيما كان يقوم به، وتملكني أيضاً الشعور بعدم الراحة الذي خبرته منذ اللحظة الأولى التي واجهته فيها عند باب البيت. مع ذلك شكرت الخادم بلطف وبدأت بارتشاف الشاي الساخن فقد كنت لا أشبع منه بسبب البرد الذي تسلل إلى عظامي أثناء تجوالي في البرية بعد خروجي غير المفهوم من اللاندروفر. وما إن خرج وأغلق الباب حتى جاءني صوت الشيخ الهادئ والرخيم..
ظلت وداد واقفة خارج المحطة ساعة كاملة حتى أتتها عربة حنتور ذات غطاء أسود يجرها حصان وحيد. أعطت السائق العنوان ثم ارتاحت في المقعد الخلفي مطمئنة، فقد كان السائق رجلاً يوحي بالثقة، ثم راحت تتفرج على المدينة.
تساءلت في سرها كيف كانت المدينة تبدو لأمها قبل ثمانية عشر عاماً؟
كانت قد حدثتها عن ذلك النهار الذي هربت فيه من المدينة. هربت بالقطار المسافر إلى الشمال الذي استقلته من نفس المحطة. في ذلك اليوم من الحرب العامة التي تقاتل أثناءها الجميع وكل البلدان. كانت الحرب في نهايتها وكان الاتراك يتجمعون بالآلاف في المحطة، كل يبحث لنفسه عن مكان في القطارات التي ستغادر إلى الأراضي التركية. رجالات سياسة سابقون، ضباط أخفوا رتبهم، ولاة قدماء، كبار موظفي الدولة العثمانية ورجال كان السلطان قد خلع عليهم رتب الباشوية، قائمقامات لبلدات ونواحٍ ضائعة في خضم الأحداث العسكرية المدمرة. كانت المحطة تغص أيضاً بالنساء المترفات والاطفال الشبعانين وبمحظيات القادة العسكريين القلقات على مستقبلهن.
كل هؤلاء كانوا يفترشون أرصفة المحطة غير عابئين بأناقتهم التي طالما حرصوا عليها، كانوا أيضاً يتأبطون الصرر والحقائب التي حملوا فيها ما ادخروه أو نهبوه في الولايات التي حكموها. كانت القوافل تصل إلى المحطة باستمرار، وعندما لم يتبق لهم موطئ قدم داخل المحطة وعلى أرصفتها، أنزلوا أحمالهم عن العربات والبغال (ثم تخلوا عنها فيما بعد عن طيب خاطر لأن الروح أغلى من كل متاع) وسكنوا الساحة الخارجية للمحطة. وعندما وصل القطار هب الجميع دفعة واحدة وصار كل واحد فيهم يصرخ محاولاً شق طريقه إلى فتحات العربات ليحتل له مكاناً فيها. وقد حاول كل واحد التعريف بنفسه، ولكن من كان يهتم بالرتب أو بالألقاب؟ أما من استطاع الوصول إلى احدى العربات فقد كان يصرخ لأنه أضاع أحد مرافقيه أو إحدى زوجاته أو أحد أبنائه..
وبصعوبة شديدة استطاعت الأم ان تجد لها مكاناً في عربة لنقل المواشي. كانت في الشهر الخامس من حملها، ولم يكن حملها ظاهراً للعيان بشكل واضح، ولكنها من أجل ان تحصل على المكان أظهرت بطنها بشكل مبالغ فيه فرأفوا بحالها ثم ساعدوها على الصعود. ومن مكانها في العربة أصبحت شاهدة على النهاية الأليمة لحكم العثمانيين لسورية.
لم يتحرك القطار إلا في الليل. كان الهاربون يستعجلون القائمين على المحطة ليتحرك القطار في أسرع وقت، فالشائعات كانت تتوارد بأسرع من البرق، وكلها تنبئ بأسوأ العواقب للمتخلفين عن الهرب، فالجيوش العدوة أصبحت على مشارف حلب. قالوا في البداية إنها أصبحت في خان السبل، ثم وفي المساء ورد خبر يؤكد بأن الانكليز احتلوا الشيخ سعيد على مشارف حلب، حينها اضطرب الخلق وبكت النساء، أما الأم فلم تكن مهتمة كثيراً، فهي عربية وكانت تريد الهرب إلى تركيا قبل ان تغلق الحدود ليكون عندها أمل في أن تجد ذلك الضابط التركي، اليوزباشي جودت، الذي كان قد زرع الجنين في بطنها قبل ان يستدعوه على عجل للالتحاق بوحدته في مكان ما على الجبهة الجنوبية.
في العربة، وبعد أن اطمأن الناس إلى ان الحظ قد حالفهم، وهاهو القطار يتحرك مقترباً بهم إلى شط الأمان ( كان القطار يتحرك ببطء شديد بسبب حمولته الزائدة من البشر) اكتشف الرجال جمال الأم. أصبحت العيون تنغرز فيها، تتابع كل حركة تأتي بها. عيون الرجال والنساء معاً. عيون الرجال الشهوانية وعيون النساء المليئة حقداً وغيرة. لم يدعوها تفكر بحرية في ضابطها الجميل الذي عشقته فأعطته أغلى ما عندها. كان عليها طوال الوقت ان تخفي حرجها، وبسبب اكتظاظ العربة كان عليها ان تستمر في دفع الرجال الذين أرادوا الالتصاق بها في عتمة الليل ونفث زفيرهم الحار في وجهها. ولكن عند الفجر أنقذها الجيش من جحيم الرجال، فعندما توقف القطار في محطة ميدان أكبس للتزود بالماء والحطب، أتاهم الأمر الذي لا عودة عنه، الأمر الفظيع والقاسي بلا رحمة والذي رفعوا أصوات الاستنكار بسببه وهم يبكون أو يتباكون ثم صمتوا وأذعنوا له.. على المدنيين ان ينزلوا من القطار ويتابعوا السفر مشياً على الأقدام، حتى يتسنى للجيش نقل جرحاه ومعداته بسرعة إلى ما خلف الحدود. وبينما تابع الجميع السفر كيفما شاءوا إلى الأراضي التركية قررت الأم المكوث في ميدان أكبس.
كانت محطة القرية الشريان الرئيسي الذي ستمر من خلاله كل الجيوش المنسحبة إلى الداخل التركي. لهذا السبب ظلت على الرصيف تنتظر القطار الذي يحمل حبيبها اليوزباشي جودت. كانت كلما وصل قطار جديد من الجنوب تنهض وتقف حتى يتمكن من رؤيتها في حال كان منسحباً في ذلك القطار. مرت عليها أيام وهي على هذه الحال، ولكن دون جدوى، ففي نهاية الأمر وصل الجنود الانكليز يطاردون الأتراك المنسحبين ويقتلونهم، عندها عرفت أنها فقدت اليوزباشي إلى الأبد، وبدلاً من أن تعود إلى حلب (كان هذا الأمر مستحيلاً أيضاً) قررت استئجار بيت في القرية والبقاء فيها حتى تحين ساعة الولادة.
لكي يقبل أهل القرية العيش معهم، اخترعت الأم قصة أخرى..حياة ثانية عاشتها في خيالها. لم تقل لهم الحقيقة التي دفنتها في سرها إلى الأبد، بل جعلتهم يعتقدون أنها كانت زوجة اليوزباشي جودت وأن أهلها قد ماتوا جميعاً في الحرب وأنها كانت مسافرة إلى تركيا للبحث عن زوجها الضابط وعن أهله ولكن مجيء الانكليز واستمرار الحرب بينهم وبين الأتراك على طول الحدود منعاها من ذلك. كانت الأم جميلة، ناعمة لم ير أهل القرية امرأة بهذا الجمال حتى ولا التركيات المترفات اللواتي مررن بالقرية أثناء هربهن إلى استنبول. كانت براءة وجهها وتعابيرها اللذيذة ودموعها تقنع الصخر الأصم فكيف بقرويين بسطاء، والذي أقنعهم أكثر بصدقها هو طريقة حياتها بعد أن ولدت طفلة جميلة أسمتها وداد وجعلت تعمل بصمت وجلد في أي عمل متوفر من أجل إطعامها وتربيتها. ولم تشعر القرية إلا بوداد وقد أصبحت صبية جميلة تشبه أمها في رقتها وبراءتها وسحرها. حاول بعض الشباب التقرب من الأم لخطبة وداد ولكنها كانت ترفض تزويجها، حتى إنها لم تسمح لأحد من الاقتراب من بيتها اللهم إلا لذلك الشاب المجذوب عبدو السنكة بعد ان اطمأنت اليه. كانت تزرع باستمرار (ولسبب غير مفهوم) الخوف من الرجال في أعماق ابنتها خارقة الجمال، فشبت وهي تخافهم وتتحاشاهم. وعندما مرضت الأم بمرض السل الرهيب وعرفت انها ستموت قريباً صارت تحدثها عن المدينة وحياة المدينة وعن بعض معارفها في حلب. هذه المرة زرعت فيها حب المدينة. كانت تريدها ان ترحل إلى حلب بعد وفاتها، ولهذا الأمر أخبرتها أن لها صديقة عزيزة أسمها الخوجة بهيرة، وان عليها أن ترحل اليها بعد وفاتها حاملة منها رسالة توصية، وطلبت منها أن تنسى إسمها مؤقتاً ريثما تفارق الحياة، وان عليها أن لاتذكر إسم الخوجة أمام أحد من أهل القرية، وأن لا تسألها أي سؤال يتعلق بها.
استدار سائق العربة ونظر خلسة إلى وجه الفتاة وقال في نفسه ما شاء الله وكان. كانت وداد تتفرج على طرقات المدينة بحزن مشوب بدهشة. كان كل شارع أو منعطف أو مبنى يذكرها بأمها. كانت تتصورها تسير متأبطة ذراع ضابطها التركي، أو تقطع الشارع أمام العربة بمفردها وهي تبحث في وجوه الرجال الذين تحولوا جميعاً إلى ضباط أتراك باحثة عن رجلها الذي ضيعته الحرب العامة. ولكن لماذا رفضت أمها النزول إلى حلب؟ لماذا لم ترافقها واكتفت بوصفها لها وزرع حبها لها في قلبها؟ كل شيء غامض، ماتت أمها وتركت الف سؤال يحير وداد. من هي الخوجة بهيرة.. ولماذا أبقت صداقتهما سراً غامضاً.. ولماذا أرادتها أن ترحل اليها بعد وفاتها؟ كما قلنا، فقد كان كل شيء غامضاً في عقل فتاتنا الجميلة مثل تضاريس هذه المدينة العتيقة.
يتبع ..
* * * * *
قال الشيخ.. كانت بديعة (وهو اسم الام) جميلة ولكن جريئة. لم تكن خجولة مثل ابنتها وداد. ربما كل ما جرى لها جعلها تربي ابنتها بطريقة جديدة، طريقة قد تغنيها عن خوض نفس التجارب التي مرت بها الأم. كل الامهات يردن لبناتهن حياة أخرى غير التي عشنها، وخصوصاً بديعة، التي هربت من بيت أهلها في بداية الحرب. كان الرجال قد بدأوا يختفون من الشوارع ومن البيوت. محكوم على الرجل أيام الحرب ان يذهب إلى الحرب أو ان يختفي. هذه هي الحكمة أو القدر المتربص للرجال، فقد كان الجندرمة الاتراك، ذووا الحبال يتربصون بهم على ناصية الشارع. كانوا يلتقطونهم ثم يختفون بهم إلى حيث لا يعلم سوى الله ما قد حصل لهم، وهذا كان نصيب أخيها محمد علي المتزوج حديثاً، أما أبوها فقد هرب. صار يرسل لهم بعض المؤن والنقود كل مدة ولكنه هرب على كل حال. أصبح البيت بيتاً للنساء فحسب، وقانونه قانون النساء. أمها كانت شديدة وصعبة المراس. كان أغلب النساء في البيت من الجميلات ولهذا السبب راحت الأم تفرض عليهن قوانينها الصارمة، لهذا السبب هربت بديعة إلى حلب. وبما أنها غالباً ما كانت تسلي أخواتها وامرأة أخيها بان تعقد شالاً حول وسطها وترقص لهن، فقد قررت ان تستفيد من هذه الموهبة لتحصل على لقمة عيشها.
لم تكن الحياة في بلدتها مستحيلة، فقد كان مجتمع النساء يدبر حاله ويمشي أموره، أما هنا في حلب فقد اصطدمت يوم وصولها بمظاهر الجوع. كانت الشوارع في بعض الأحيان تخلو من المارة الأصحاء، وفي أحد الطرقات مرت بجثة رجل عجوز مات من الجوع. ارتعبت بديعة. خافت مما تخبئه لها هذه المدينة التي طالما سمعت بها وجعلت تأتيها في المنام. حسبت ان الأمور تجري على غير هذا المنوال.. الناس يموتون جوعاً بينما هي قادمة هاربة من قوانين أمها الصارمة. كادت ان تعود أدراجها إلى بلدتها والى دولة أمها لو لم يسألها رجل مر بها وهي لاطية إلى جانب أحد الأبواب فطلبت منه حسنة لله فأعطاها قرشاً.. سألها إن كانت تجيد شيئاً غير الشحاذة فقالت انها تعرف الغسيل والتنظيف والطبخ والرقص. نعم، تجرأت وذكرت الرقص لأنها فعلاً كانت تعرف كيف تهز خصرها وثدييها، وحسناً فعلت ذلك فأعمال الكنس والتنظيف والطبخ لا قيمة لها تلك الأيام خصوصاً وانه ليس هناك ما يطبخ ويؤكل. قال لها الرجل انهضي واتبعيني. تبعته وهي تقضم قطعة من الصمون المتيبس اشتراه لها كي تسد رمقها ريثما يتدبر أمرها.. ولكن إلى أين قادها ذلك المحسن الذي جاء في الوقت المناسب؟.. هكذا سألت الشيخ وانا اتحرق شوقاً لمعرفة مصير بديعة، فقد بدأت القصة المشوقة تفعل فعلها فيّ حتى إن كوب الشاي كان قد برد وكنت قد نسيته منذ ان بدأ الشيخ الجليل في سرد قصته. طلب مني ان أكون صبوراً إن أنا أردت سماع الحكاية حتى النهاية فاعتذرت منه ثم تناولت كوب الشاي فعرفت حين ذاك انه بارد رغم شعاع الدفء الذي كان يشع من المدفأة.. هناك شيء أريد ان يعرفه القارئ وهو انني كنت أريد معرفة قصة الأم كي نعود إلى قصة الابنة، ولكن الشيء الممتع في طريقة سرد الشيخ للحكاية هو انه يتنقل من هذه إلى تلك دون قانون معين ودون ان ينتهي من حكاية الأولى لينتقل إلى حكاية الثانية وأنا لا أعرف السبب ولكنها طريقة ممتعة.. والآن فلنعد إلى حكاية بديعة واعتذر من القارئ لهذا التدخل من طرفي ولكنني أجد من المناسب الدخول على الخط بين فترة وأخرى لأن وجودي مع الشيخ واستماعي إلى حكايته هما حكاية بحد ذاتها..
قال الشيخ الجليل ان ذلك الذي تسميه محسناً قد أخذها إلى إحدى أشهر المغنيات في المدينة في ذلك الزمان وهي الخوجة بهيرة وباعها إليها بتسع ليرات ذهبيات ثم رحل ولم تصادفه بديعة مرة أخرى أبدا. سألته وأنا أرتجف غضباً:
- باعها ذلك الوغد؟
- نعم باعها، ولكن لا تفهم من كلمة باعها انه قد باعها فعلاً، لقد عرف من جمال وجهها ومن إخبارها له انها تعرف الرقص انه إذا قدمها إلى الخوجة بهيرة فإنها سوف تكافئه على ذلك، وهذا شيء عادي، فبهيرة مغنية مشهورة في كل المدينة وهي تحب ان تكون محاطة بالفتيات الجميلات ثم انها كانت بحاجة إلى راقصة ترافقها في حفلاتها ولهذا السبب حصل على مكافأته.
عندما شاهدتها الخوجة بهيرة كادت تسقط على الأرض مغشياً عليها (التعبير الأدبي للشيخ وقد استخدمه عدة مرات خلال سرده للحكاية). لقد كانت بديعة جميلة، بل فائقة الجمال. كانت قطعة نفيسة سقطت في يدي الخوجة بهيرة وهي ستعرف قيمتها بلا ريب. نحن نعلم ان النسوة اللواتي يعملن في هذه المهنة على شيء ضئيل من الجمال.. حتى ان العديدات منهن يعتبرن دميمات. كن بدينات، سمراوات، مترهلات الجسد ومسنات. ماعدا اليهوديات منهن، فقد كن مشهورات بجمالهن وكانت الفرق الموسيقية في المسارح تتصارع من أجل الحصول عليهن مثل تلك اليهودية جميلة التي أخرجت الآهات الحارة من الصدور ليس بسبب صوتها الشجي فحسب، بل بسبب جمال وجهها ولدانة جسمها وبياض بشرتها.
أخذتها الخوجة بهيرة واعتنت بها ثم صقلت حركات جسمها وعلمتها بعض الفنون الاضافية اللازمة للراقصة مثل تثبيت الساقين والجذع جيداً ومن ثم هز الخصر بسرعة مع تحريك اليدين. هذه الحركة التي لم تكن بديعة تتقنها جيداً بل كانت تتحرك باستمرار مما يعطيها شكلاً أكثر رجولية وهذا ما لا ترغب به النساء وبهيرة بالذات، فالانوثة الطاغية ضرورية للراقصة. ظلت تعطيها الدروس وتأتيها بمن يعلمها الحركات والفنون اللازمة حتى اتقنت بديعة الرقص الشرقي ورضيت عنها بهيرة.
كان لبهيرة شكل غريب وهي المغنية المخضرمة والمعروفة في كل الأوساط في المدينة. كانت تشبه الرجال في وجهها وجسدها وحركاتها. كانت أيضاً تتشبه بهم. ترتدي ثيابهم وتتجول بها ولا تنسى ان تضع في بعض الاحيان الطربوش الاحمر. كانت تحب ان يحسبها الناس رجلاً، حتى انها تهوى الصعود إلى خشبة المسرح مرتدية بنطلوناً وقميصاً للرجال، كما انها لا تنسى ان تضع ساعة في جيب البنطلون الصغير بينما تظهر سلسلتها إلى العيان. وفي أعراس النساء فان مظهرها في جو الحريم هذا يجعل النسوة أكثر تهيجاً ومرحاً. كانت لا تأبه للتعليقات وللكلمات الداعرة التي تتفوه بها بعض النسوة، بل كانت تشارك فيها، ولعلهن كن يسمعنها مثل تلك الكلمات كي ترد عليهن بمثلها وأعظم. كانت امرأة مسترجلة ذات لسان بذيء.
وبهيرة ليس هو اسمها الحقيقي، ولا أحد يعرف ماذا كانت تسمى ولعل البعض أطلق لخياله العنان فراح يدعي بان اسمها الحقيقي كان على شاكلة حسين أو عبد الـ... أو ابو صطيف وغيره من الاسماء التي تطلق على الرجال بسبب شبهها بهم. وقد كانت بهيرة حلبية الاصل من حي "قسطل المشط" لم يرزق والداها بغيرها، وخوفاً عليها من أولاد الحرام ادعى ابواها بأنها صبي وراحا يقصان شعرها ويشبهانها بالصبيان حتى انها كانت تعاشر الصبية على انها واحد منهم دون ان يشكوا في أمرها (هذه القصة صحيحة مئة بالمئة وقد كانت تعرف آنذاك باسم صبحي) حتى قيل انها شكلت عصابة من الصبية تحت قيادتها دون ان يعرف أحد بأنها فتاة، وكانت العصابة تغير على البيوت وعلى البساتين لسرقتها، وفي احد الأيام ذهب صبيان العصابة الى بيت احدى العاهرات لسرقتها ولكنها راحت تبكي وترجوهم ألا يسرقوها لأنها في الأصل لا تملك شيئاً للسرقة وعرضت عليهم بدل ذلك ان يناموا معها بالتناوب. أعجبتهم الفكرة وكاد صبحي (بهيرة) ان يفقد مكانته لدى مرؤوسيه من أفراد العصابة فقد خاف من الفكرة لأنها قد تكشف حقيقة جنسه أمامهم. حاول ان يثنيهم عن ذلك ولكنهم كادوا ان يتعاركوا معه فقد كانوا يستميتون من أجل ممارسة ذلك الفعل الذي سمعوا عنه دون ان يمارسوه حتى الآن، وهاهي الفرصة قد سنحت لهم صدفة وبالمجان فلماذا يمنعهم عنها صبحي .. ياله من كلب دنيء.. ؟!! وفي النهاية وافق فراح الصبية يدخلون على العاهرة الواحد تلو الآخر. كانوا يخرجون وهم يضحكون فقد كان الأمر ممتعاً. أخيراً جاء دور صبحي رئيس العصابة. خاف من أن تنكشف حقيقة جنسه فقرر ان يدخل وكان دوره آخر واحد فيهم. وعندما دخل على المرأة وجدها منفرجة الساقين، منهكة ومستسلمة فاجتاح بهيرة شعور طاغ بملامسة جسد العاهرة فاقتربت منها وراحت تلاطفها حتى انها استغربت فعل رئيس العصابة، فعوضاً عن أن يقوم بالفعل اللازم راح هذا العصابجي يلاطفها ويقبلها ويتلمس جسدها وخفاياه حتى شعرت بالمتعة، وهذا ما شعرت به أيضاً بهيرة فاكتشفت في نفسها ميلاً نحو بنات جنسها.
منذ ذلك الوقت صارت بهيرة أكثر انسجاماً مع أعضاء عصابتها. حتى ذلك الشيء الذي كانت تخاف ان يكتشفه الرفاق تحول إلى الدرجة الثانية. لقد استطاعت ان تمارس الحب مع امرأة عاهرة كالصبيان واستطاعت ان تشعر بمتعة عظيمة. حتى انها اقترحت على صبيان العصابة الذهاب إلى بيت المرأة عدة مرات، وبما انها كانت فقيرة فقد نصحت بان يدفعوا لها، وهكذا تحولت العصابة إلى زبون دائم عند المرأة وفي كل مرة كانت بهيرة تكتشف عشقها لجسد المرأة وكراهيتها لجسد الرجل، حتى ذلك اليوم الذي همست فيه المرأة إلى أحد أفراد العصابة بان رئيسهم ليس رجلاً لأنه يكتفي بالمداعبات رغم انها كانت مداعبات محمومة. نقل الصبي ما قالته له المرأة إلى باقي رفاقه فراحوا يراقبون صبحي باستمرار فاكتشفوا بعد مدة انه لا يتبول وقوفاً مثلهم، أو أنه لا يتبول بالمرة، فقد كان صبحي يدعي انه ليس محصوراً عندما يصطف الصبيان ويخرجون أعضاءهم ويتبولون. كان يبتعد عنهم وهم يفعلون ذلك. كانت مصيبة عظيمة بالنسبة لصبيان العصابة. فضيحة بجلاجل.. فأية عصابة هذه التي رئيسها " شكر" (لا أنثى ولا ذكر)؟؟ يا للعار.. تمنوا ان يكون الأمر على غير ما يعتقدون، أو ان تكون العاهرة على خطأ، ثم كيف يمكن تصديق عاهرة والشك برئيس العصابة؟ كان عليهم ان يكتشفوا الأمر بانفسهم.. ولكن كيف؟ هل يمكن طرح السؤال على صبحي؟ هذا مستحيل، فلا يمكن طرح مثل هذه الاسئلة، انها مهينة، فماذا لو كان الموضوع كله خطأً وكانت تلك الساقطة تحاول الايقاع بينهم لتتخلص منهم؟
كانوا في رحلة إلى جسر (القرّي) على نهر قويق. كانوا قد سرقوا دجاجة من أحد البساتين القريبة وقاموا بذبحها ثم أشعلوا النار وقاموا بشيها. سبحوا في النهر وتباروا في دخول الدوامة المائية التي سبق وابتلعت العديد من الصبيان والرجال، وعندما استلقوا ليستريحوا شاهدوا صبحي (الذي اعتاد الا يشاركهم لعبهم في الماء) مستلقياً. كان نائماً. حينها استقر رأيهم. قرروا ان يمسكوا به من يديه ورجليه ويقوم أحدهم بخلع بنطلونه وقميصه. عليهم ان يحلوا المسألة اليوم مادام الوقت مناسباً، فإن كان صبحي صبياً مثلهم فسوف يضحكون ويجعلون الأمر يبدو وكأنه مزاح.. ولكي لا يستاء صبحي تعرى الصبيان. خلعوا اللباس، القطعة الأخيرة التي تستر عورتهم ثم اقتربوا من النائم، وباشارة من صاحب الفكرة أمسكوا بصبحي وراحوا يعرونه. أفاق وحاول الدفاع عن نفسه ولكنهم كانوا قد أمسكوا به جيداً وهم يضحكون. خلعوا عنه بنطلونه ثم لباسه، وعندما ظهرت عورته توقفوا عن الضحك... لقد استنتجوا ما كانوا يخافون منه. كان صبحي فتاة.
تناسوا العار أمام المفاجأة. كيف لم يخطر ببالهم ان زعيمهم فتاة؟ تركتهم بهيرة وعادت وحيدة إلى المدينة وهي تبكي. أما هم فقد عقدت المفاجأة ألسنتهم. لقد استطاعت بهيرة ان تخدعهم طوال تلك المدة لأنها تشبه الصبيان في كل شيء، تشبههم بالوجه والسيقان والايدي. كان لها عضلات وكانت تقاتل كما يقاتل الصبيان. كانت تشبههم في كل شيء ماعدا في ذلك الشيء الذي يميزهم في أسفل البطن، وهذا الشيء كانت بهيرة تخدعهم به لأنها كانت تتحاشى التبول أمامهم. وماذا عن الثديين؟ كانوا في الخامسة عشرة، أي ان لبهيرة صدراً كسائر الفتيات اللواتي في عمرها.. هل كانت تربط صدرها؟ فصلوا بهيرة من العصابة وانتخبوا صبياً آخر ليكون زعيمهم، وكان أول قرار اتخذوه هو اغتصاب بهيرة. ولكنها كانت صاحية فتملصت منهم. هي أيضاً اتخذت قراراً خطيراً. قررت ألا تتزوج أبداً، لا لشيء إلا لأن الرجال والصبيان يمتلكون أجساداً تثير في نفسها الاشمئزاز..
أصبحت تكره مجتمع الرجال، ومن أجل ذلك صارت مغنية أعراس. في الثامنة عشرة اكتشفت أمها حلاوة صوتها. كانت بهيرة قد بلغت وجاءها الحلم، ولكن أي حلم هذا الذي صار يجيئها؟ كانت تحلم بمعاشرة النساء. كانت ذات قد ممتشق وغير مترهل، أما صدرها فقد نما بشكل يستحيل عليها إخفاؤه بالرباطات. لم يعد يضايقها ذلك لأنها لم تعد تحب معاشرة الصبيان وأصبحت تفضل عليهم معاشرة الجنس الألطف.. النساء. كان جنسها يهيئ لها مثل هذه المعاشرة بسهولة، ففي بلدنا يستحيل على شخص ما ان يدخل مجتمع النساء إن لم يكن امرأة، حتى لو كانت المرأة تشبه الرجال مثل بهيرة. وعندما اكتشفت امها حلاوة صوتها كما مر ذكره، صارت تشجعها على الغناء في حضرة الصديقات والجارات ولم يخطر في بال الام ان بهيرة ستصبح يوماً مغنية أعراس. كانت شهرة بهيرة قد ذاعت في المدينة وفي كل بيت. كانت مغنية الأعراس واستقبالات النساء وحفلات الولادات وبالتحديد حين يكون المولود صبياً. كانت تذهب إلى الحفل مع فرقتها الموسيقية التي من المفترض ان يكون كل العازفات من النساء أيضاً، أما هي فقد اعتادت ان تقف على الخشبة وهي ترتدي ثياب الرجال، وفي بعض الأحيان كانت تضع طربوشاً على رأسها أو ترسم شاربين مفتولين ودائماً كانت تشكل وردة بيضاء في عروة سترتها. كانت قد اشتهرت بمزاجها الذكوري ذاك وهذا بالذات ما جعل نساء المدينة يمتن فيها ويعبدنها. كانت تشكل حالة اسمها صرعة بهيرة.
هناك شيء آخر اشتهرت به ألا وهو حبها للنساء. حبها لبنات جنسها. كانت أخبار عشقها ومعشوقاتها تتردد في الصالونات وفي الاستقبالات وفي حفلات الحمام. لم تكن تخجل من هذه الاخبار أو الاشاعات، بل كانت تفتخر بها وتتفاخر بآخر معشوقة لها وصراعها المحموم من أجل الاحتفاظ بها وابعادها عن الحاسدات والمنافسات من اللاتي اشتهرن أيضاً بحبهن للنساء. كان هناك صراع أيضاً بينهن من أجل اكتساب قلب امرأة أو فتاة جميلة تدخل الوسط لأول مرة، وقد كانت الخوجة بهيرة قد كسبت احدى الموسيقيات، وكانت بالمناسبة عازفة قانون شقراء، كسبتها من غريمتها الخوجة سماح وضمتها إلى فرقتها، حين قرع الباب ودخلت بديعة برفقة ذلك الرجل الذي قادها اليها ليربح بذلك تسع ليرات ذهبية في زمن الحرب والفقر والموت جوعاً.
سألني الشيخ الجليل وقد أشرق وجهه بابتسامة ذكية:
- هل عرفت أخيراً لماذا فرحت الخوجة بهيرة ببديعة بحيث انها دفعت مبلغاً طائلاً وبالذهب الأصفر إلى الرجل لقاء اتيانه بها إليها؟
- عرفت أيها الشيخ الجليل، أتصور انها كانت على شيء عظيم من الجمال ، فتاة فاتنة سيقت إلى امرأة مخضرمة وعاشقة للنساء. ولكن قل لي من فضلك.. ألم تثر غيرة باقي النساء من الموسيقيات أعضاء فرقة الخوجة بهيرة، وخصوصاً تلك التي أتيت على ذكرها، أقصد عازفة القانون الشقراء التي سرقتها بهيرة من غريمتها الخوجة سماح؟
- كادت الشقراء تموت من الغيرة، انت لا تعرف هذا الصنف من النساء، وربما تعرف ولا يحق لي الإقلال من شأن معارفك وخبراتك في الحياة، ولكن تصور امرأة تنافست عليها امرأتان مخضرمتان في العشق فترى نفسها فجأة وقد زال اهتمام عاشقتها بها وراحت تصب كل اهتمامها على تعليم بديعة أصول الرقص كفن وعلم وتهتم أيضاً بجمالها ورونقها وأناقتها.
- وماذا حدث لتلك الشقراء؟
- هجرت الخوجة بهيرة وعادت من جديد إلى الخوجة سماح.
ضحكت عندما قال ذلك الشيخ، فقد أصبحت القصة أكثر امتاعاً، ويبدو انني قد استهوتني كثيراً قصص تلك النسوة العاشقات، ومن أجل ان أبدو عارفاً بهذه الأجواء فقد أسميتهن للشيخ، قلت له:
- اعتقد انه يطلق عليهن اسم بنات العِشْرة.
- نعم.. بنات العِشْرة.
- ولكنني لا أعرف من أين أتت تلك التسمية، هل تعرف انت أيها الشيخ؟
- أعتقد أن بنات العشرة تسمية تطلق على النساء اللواتي يتعاشرن كما يتعاشر الرجل والمرأة، لهذا السبب أطلقت عليهن هذه التسمية. ففي تاريخ المدينة هناك أخبار عن نساء يعشن سوية في بيوت كأنهن أسر عادية. كأنهن رجل وامرأة، ودائماً هناك من تأخذ دور الرجل في البيت والأخرى تأخذ دور المرأة.
- وهل من الضروري ان تكون الأولى أكبر من الثانية؟
- على الأغلب، ولهذا السبب تسمى الكبيرة، أي التي هي بمثابة الرجل في البيت، والأبلاية هي تحريف لكلمة تركية تطلق على الأخت الكبيرة.. اما الثانية فهي تنسب إلى الأولى أي إلى الأبلاية ويقال عنها "فتاتها"..
- وماذا حدث بعد ذلك لبديعة، فقد بدأت أهتم بها لأنها أم بطلتنا وداد التي وصلت إلى حلب بالقطار وبيدها مظروف معنون وقد صادف أن التقطت لها صورة مع المندوب السامي الفرنسي؟
- أصبر علي قليلاً، فأنا أريد ان أحدثك شيئاً عن الخوجة سماح.. ولكن الوقت قد تأخر، وأنا أرى بان الخادم قد ذهب إلى النوم، فما رأيك ان نصعد نحن أيضاً إلى غرفتينا لنأخذ قسطاً من الراحة على ان نتابع في الغد؟
قلت فليكن، وخصوصاً وأنني قد عشت اليوم أحداثاً مرهقة واذا أردت ان أستمع جيداً إلى القصص وان ترسخ في ذاكرتي، فعلي ان أكون بكامل قواي. نهضت وساعدت الشيخ في الصعود إلى غرفته. كان ضعيفاً جداً فكان يرتجف عند صعوده الدرجات، وقد وجد مشقة عظيمة في الوصول إلى الغرفة. فتحت له الباب ثم أضأت النور ثم ساعدته في الوصول إلى الفراش، ولم أتركه حتى اطمأننت عليه وعلى أغطيته السميكة. شكرني ثم تمنيت له ليلة سعيدة وهممت في الخروج ولكن نظرة سريعة ألقيتها على الغرفة جعلتني أتسمر في مكاني. كانت الجدران مليئة بالصور المؤطرة. لم يكن هناك مكان لصورة أخرى إذا ما احتاج يوماً إلى اضافتها إلى مجموعته، حتى ان الصور توزعت أيضاً على طاولة صغيرة للكتابة وعلى الكوميدينتين المركونتين إلى جانبي السرير وعلى التواليت. كانت صوراً لنساء ورجال، أطفال وشيوخ، كلهم من الطبقة، وكلهم كانت له علاقة بهم يوماً. كان الشيخ ينظر الي فشعرت انه لا يريدني ان اتطفل على صوره وماضيه (لم يكن شعوري صحيحاً آنذاك فقد أخبرني بعد ذلك بأنه كان يحب فضولي ذاك) فودعته ثم أطفأت النور وخرجت.
رغم كل تعبي واستغرابي من الشيخ ومن بيته وغرفته وصوره وخادمه استغرقت في النوم مباشرة بعد ان وضعت رأسي على المخدة، وكنت قد تأكدت من أنني أقفلت الباب جيداً من الداخل، فأنا مع ذلك حريص جداً ومرد ذلك إلى جبن قديم يسكن في قلبي.
يتبع ..
* * * * *
استيقظت صباح اليوم التالي وانا أشعر بثقل في رأسي. فتحت عيني وظللت مستلقياً. كنت أحاول الاحتفاظ بذلك الشعور الغريب لشخص يستيقظ صباحاً فيجد نفسه في مكان لم يعتد عليه، أو على الأقل في غرفة نوم غير مألوفة.
كانت الساعة تقترب من الحادية عشرة بينما ضوء النهار الرمادي وصوت انهمار المطر يوحيان ان الوقت أبكر من ذلك بكثير، في حين ان الغرفة كانت تبدو لي أكثر حميمية منها ليلة أمس حين دخلتها لأول مرة. كانت غرفة نوم بسيطة ولكنها أنيقة. تخلو جدرانها من الصور التي ملأت غرفة الشيخ حتى التخمة فاكتفوا بتعليق لوحة لمنظر طبيعي. كانت غرفة النوم من خشب السنديان المحفور ويبدو انهم قد أتوا بها من حلب، فأنا من هناك وأعرف ان مدينتي تشتهر بمثل هذه الصناعات. لم أكن أسمع أي ضجيج أو أي صوت عادي من الريف. هذه هناءة لا تعادلها أية هناءة يحلم بها ابن مدينة مثلي، وبينما كنت أتمتع باستلقائي وبالهدوء خطر في بالي انني ربما سمعت حركة داخل الغرفة بينما كنت نائماً، وبسبب الارهاق الذي عانيته وبالبرد والرطوبة التي تسللت إلى عظامي، فقد استمريت في النوم دون أن أقوى على النهوض واشعال النور وتفقد مصدر ذلك الصوت. هنا أًصابني شيء من الخوف. نهضت وتفقدت باب الغرفة فتأكدت انه كان مقفلاً ثم فحصت النافذة المطلة على الحديقة الخلفية للمنزل فوجدتها محكمة الاقفال أيضاً.. إذن فقد كنت أحلم على الأرجح فشعرت بالراحة، فدخلت إلى الحمام فاغتسلت ثم حلقت ذقني (بادوات جديدة كان الخادم قد جهزها لي خصيصاً لاستخدمها) وشرعت في ارتداء ثيابي، حينها فقط سمعت نقراً خفيفاً على الباب ثم صوت الخادم يدعوني للنزول لتناول طعام الافطار.
عندما نزلت إلى الاسفل كان الشيخ جالساً إلى المائدة ينتظرني. صبحت عليه ثم جلست في مكان خصص لي. كانت غرفة الصالون أكثر بساطة مما حسبتها في الليلة الماضية رغم عشرات التحف والصناديق الخشبية واللوحات وقرون العاج المزخرفة وقطع الصيني النفيسة وغيرها من أشياء أحضرها الشيخ من أسفاره إلى مختلف أصقاع الدنيا. كانت تلك التحف تضفي على الصالون وغرفة المعيشة شكلاً راقياً وتشي بان للشيخ ذوقاً مرهفاً. تناولنا طعام الافطار بصمت، وكان الخادم يأتي ليصب لنا الحليب أو يقدم لنا طبق البيض المقلي.
وبسبب الصمت الذي خيم علينا نحن الثلاثة أثناء تناول الطعام استطعت التمعن في وجه الشيخ فوجدته أقل شيخوخة مما حسبته ليلة أمس، بل إنني رأيته يمتلك وجهاً أليفاً ومحبباً. رأس خفيف الشعر ولامع، بينما امتدت التجاعيد الخفيفة على جانبي وجهه. كانت عيناه عسليتين لم تنطفئا كلياً بعد. كان الشيخ مريحاً للنظر وودوداً أما الخادم فقد وجدته أكثر غموضاً وعدوانية، فخطرت ببالي الاصوات التي هيئ لي انني سمعتها أثناء نومي فأصابتني رجفة خفيفة.
تناولنا القهوة في غرفة المعيشة إلى جانب مدفأة الحطب، وبينما كنا نفعل ذلك (كان الخادم قد تركنا بمفردنا بعد ان قدم لنا القهوة) راح الشيخ يكمل سرد حكايته. قال بصوته الضعيف والعميق:
- لقد وعدتك ان أحكي لك شيئاً عن الخوجة سماح، فلا يمكن ان تكتمل الصورة دونها. فقلت له لا بأس فأنا منصت إليك ويسعدني أن أحظى بهذا الشرف الذي خصصتني به، فقال..
كانت الخوجة سماح منافسة حقيقية للخوجة بهيرة. كانتا تتسابقان في الغناء في أرقى البيوت وأشهرها، لهذا الأمر فقد كانتا تعقدان الصداقات مع نساء أهم العائلات الحلبية وأشهرها لكي لا تفوتهما الفرصة إذا ما قررت احدى الأسر اقامة حفل خطوبة أو عرس. كانت إحداهما تتآمر على الأخرى، حتى ان احداهما كانت تعمل على تنحية الأخرى عن حفل ما لكي تحل محلها. أكثر من ذلك كانتا تتنافسان على تقديم أجمل الأغاني وأحدثها، لذلك فقد كانتا توصيان على أحدث الاسطوانات من شركة "الجراموفون ليمتد" المصرية، حتى ان الخوجة سماح استطاعت مرة ان تحصل على آخر اسطوانة للمطرب " الاديب الشيخ سيد الصفتي" حتى قبل ان تصل إلى وكيل الشركة في دمشق الشام فاستطاعت ان تغني في حفل حضره الوالي بنفسه أحدث دور لسيد الصفتي ولم يكن أحد قد استمع اليه بعد وهو " يا قلب مين قال لك تعشق" فكسبت اعجاب الجميع وتحدث عنها السمّيعة في اليوم التالي بكل تقدير مما أثار حنق الخوجة بهيرة وغيرتها.
كانت سماح أجمل من بهيرة التي تشبه الرجال. كانت فيها أنوثة، بيضاء البشرة وممتلئة ذات وجه مستدير وليست مثل بهيرة التي تمتلك وجهاً متطاولاً. كانت تشكل باستمرار وردة حمراء في شعرها مما يعطيها شكلاً أنثوياً محبباً، هذا بالاضافة إلى ان الله قد أكسبها فماً عظيماً وشفتين ممتلئتين فكانت تبدو وكأنها شهوانية. هذا الاختلاف بينها وبين بهيرة في الهيئة لا يقابله اختلاف في الطباع، فقد كانت لسماح أيضاً ميول نحو النساء وقد رفضت الزواج هي أيضاً بسبب هذه الميول، لهذا الأمر فقد كانت تسرق من بهيرة فتياتها وحبيباتها، مغنياتها وراقصاتها وكذلك كانت تفعل بهيرة، وآخر عملية اختطاف (كما ذكرت سابقاً) قامت بها بهيرة حين خطفت من سماح عازفة القانون الشقراء وجعلتها حبيبتها، وهي نفسها التي شعرت بالغيرة القاتلة حين وصلت بديعة وحلت محلها في حياة بهيرة وقلبها فتركتها وعادت إلى أبلايتها الأولى سماح.
كان وصول بديعة ضربة حظ كبيرة للخوجة بهيرة. جاءت في الوقت المناسب، فقد كانت سماح قد كسبت العديد من النقاط على بهيرة، فقد كانت سماح محوطة بعدد لا بأس به من المواهب النسائية المرغوبة من الاوساط الراقية. كانت فرقتها تضم موسيقيات بارعات وجميلات، ورغم انها فقدت عازفة القانون الشقراء فان ذلك لم يكن كارثة على أعمالها بسبب وجود أخريات من نفس المستوى وأفضل. كانت أمور بهيرة تسير بشكل معاكس ولم تكن في حال جيد حتى ان القانونجية الشقراء لم تحسن وضعها كثيراً بين السميعة رغم جهود بهيرة الكبيرة واستعارتها للعديد من الأغاني الحديثة القادمة من مصر وخاصة تلك التي كان يلحنها محمد أفندي عثمان و داوود حسني.
سألت الشيخ مقاطعاً سير الحكاية:
- ولكن لماذا كانت أمور الخوجة سماح أفضل من أمور الخوجة بهيرة، لماذا كل تلك الجميلات في فرقتها بينما فرقة بهيرة تفتقر إلى مثلهن؟
- يكمن السبب في روح التسلط التي كانت لبهيرة، كانت تعامل فتياتها بكثير من القسوة. كانت خشنة الطبع محبة للتملك، وأي تملك..؟ انه تملك للبشر مما يجعل الفتيات يهربن منها لأنها تحصي عليهن أنفاسهن.
- حقاً انها كالرجال، ولكنني أعتقد ان مثل هذه الروح تلائم النساء كثيراً فلم لا..؟
- هناك شيء كما قلت لك، يميز الخوجة سماح، فقد كانت جميلة وشقراء وكانت تبدو كامرأة رغم انها كانت أيضاً من بنات العشرة.. ويبدو ان النساء اللواتي يصاحبنها يرغبن أيضاً بان تكون أبلاياتهن نساء بكل معنى الكلمة.
- وهل رضيت بديعة بان تعمل لدى مغنية لديها ميول مثلية؟
عاد الشيخ إلى الحكاية فقال:
ظلت بهيرة تهتم ببديعة حتى جعلت منها راقصة يعتد بها يمكن ان تقدمها في حفلاتها التي كانت تقيمها في صالونات العوائل وفي الأعراس. لقد حولتها من فتاة هاربة من قوانين أمها في احدى البلدات الريفية إلى امرأة جميلة وراقصة محترفة. لو كان ذلك الرجل قابل بديعة بعد ان أعادت بهيرة صنعها لما صدق أنها نفس المرأة، فقد اعتنت بلبسها وشعرها وبشرتها، كما علمتها كيف تمشي بعد ان شاهدتها تلقي بقدميها أمامها بشكل ريفي غير محبب في المدينة. أما رقص بديعة فقد صار أكثر توازناً وعلمتها كيف تبتدع الحركة من الايقاع وتبدلها باستمرار، وكانت بهيرة تنصح بديعة باستمرار باظهار تلك الرقة التي كانت تميزها وعدم جعل الخجل يقلل من ظهورها. كانت تريدها راقصة حقيقية يصفق لها الرجال والنساء على السواء كما كانت تريدها امرأة رائعة الجمال تأسر القلوب وتنتزع آهات الاعجاب من كل شخص يراها، وبما ان بهيرة كانت تعلم قيمة بديعة فقد خططت جيداً لطريقة اخراجها إلى العلن وتعريف الوسط بها، وقبل ان يعرفها كائن من كان جعلتها تشاركها في فراشها وقامت بمداعبتها فأذاقتها طعم الحب لأول مرة، فقد كانت تلك القروية تجهل الكثير مما يمكن أن تفعله معها امرأة مثلها.
كانت بديعة سعيدة بكل هذا الذي كان يحصل معها، فقد انتشلتها بهيرة من مصير غامض كان مكتوباً لها في شوارع المدينة الجائعة، وفي أفضل الأحوال كان يمكن أن تعيدها ظروف الحرب والمجاعة إلى قوانين أمها، ولكن بهيرة أنقذتها من كل تلك المصائر السوداء وجعلتها تتذوق رفاهية لا تخطر ببال الحالم فكيف بفتاة ريفية بريئة؟ وعدتها بالحب والحرائر والذهب.. وعدتها بالشهرة والاضواء.. وعدتها بكل ذلك وأكثر ولكن كان عليها ان تكون أمينة لأبلايتها، أن لا تخونها مع أي شخص كان وخصوصاً مع سماح سارقة النساء. أخبرتها انها ما إن تخرج إلى الأضواء حتى ستسمع الهمسات اللطيفة والوعود السخية وكلمات الاعجاب الكثيرة، أخبرتها أيضاً ان كثيراً منالنساء قد يقعن في غرامها، ولكن كل هذه المشاعر هي ضرب من النفاق، فلا يوجد على هذه البسيطة من يمكن ان تحبها مثل بهيرة ذاتها التي صنعتها وأحيتها من جديد ولذلك عليها ان تسمع وتنسى. لا يوجد أصدق من بهيرة ومن وعود بهيرة ومن حبها ومداعباتها. ثم هناك الرجال، انهم وحوش كاسرة عليها ان تأخذ حذرها منهم وتبتعد عنهم. انهم يزرعون الهموم في قلوب النساء ويزرعون الاجنة في أرحامهن ولذلك عليها ان تحتاط منهم. كان الرجال أعداء بهيرة الألداء. قد تستطيع بنت عشرة ان تخطف فتاة من بهيرة، ولكنها لن تلبث ان تعيدها منها.. أما إن قام رجل باختطاف حبيبة لبهيرة فليس هناك من أمل باعادتها إلى مخدعها بعد ان تكون قد تزوجت منه وقام بفض بكارتها وجعل بطنها ينمو ثم أشغلها بالاولاد..كانت بهيرة لا تنفك تحدثها عن الرجال وكم هم كريهون بأعضائهم التناسلية الفظيعة حتى جعلتها تكرههم. لقد صورتهم لها كوحوش كاسرة يمتلكون خراطيم أسفل بطونهم يمزقون أحشاء النساء بواسطتها. أما البديل الملائكي فقد كانت ملاطفات بهيرة في سريرها ليلاً. كانت تحضنها وتقبلها ثم تجردها من ثيابها وتظل تحتك بها حتى تجعلها تتأوه. لقد أحبت بديعة ما كان يحصل لها في سرير بهيرة، وفي احدى المرات تركتها الخوجة دون ان تلمسها. تركتها تنام وكأنها تعاقبها على ذنب اقترفته. ولكن بديعة كانت قد اعتادت على ملاطفتها ولن ترضى ان تنام دون أن تلمس. كانت تسمعها كيف تزفر وتتقلب في الفراش ثم شعرت بها وهي تبادر فعرفت بهيرة ان بديعة قد أصبحت جاهزة ولا خوف عليها إن هي قدمتها إلى المجتمع.. وهكذا كان.
فجرت الخوجة بهيرة قنبلتها في الوسط الفني الحلبي. لم ترد ان تقدمها في عرس عادي، ففي الاعراس تضيع مثل هذه المفاجآت، بل قدمتها في حفل أقامته زوجة الوالي التركي حضرته نساء أهم رجالات المجتمع من تركيات وعربيات وشركسيات. كان على الخوجة بهيرة ان تغني لهن في بيت الوالي وكان من الطبيعي ان تصطحب معها راقصتها، ولكن لم يخطر في بال أي من الحاضرات ان تخرج اليهن ملاك في بذلة الرقص. كانت الخوجة بهيرة تغني وهي تراقب أكثر من مئة عين توسعت فجأة ثم ثبتت على بديعة رائعة الجمال التي كانت ترقص برقة تسلب الألباب. فجأة شعرت السيدات والخانمات انهن مأسورات بهذا الجمال الأبيض الذي يتحرك بايقاع ناعم. بعضهن زفرن بصوت غير مسموع وبعضهن بصوت مسموع. وفي اليوم التالي تحدثت المدينة كلها عن الراقصة بديعة وراحت طلبات احياء الحفلات في صالونات أهم البيوت في المدينة تنهال على بهيرة، حتى ان بيت الخوجة فقد هدوءه بسبب كثرة الزائرات اللواتي جئن للتعرف على بديعة البديعة ومراقبتها عن كثب. جاءت الكثيرات من أجل تجريب حظهن معها، فقد عشقنها منذ اللحظة الأولى التي رأينها فيها ترقص ولكن الخوجة بهيرة كانت تستقبل الزائرات والعاشقات بحيث كانت تحرص على ان تجلس بديعة إلى جانبها، ملتصقة بها، وغالباً ما كانت تأخذ راحتها بين يديها امامهن ليفهمن بأنها فتاة بهيرة وان حظهن في كسب ود بديعة صفر. حتى ان بهيرة امرتها ان تقبلها كلما خطر في بالها أمام أعين الزائرات. كانت تعلن للجميع انها أبلايتها، حتى أنها اتفقت مع خادمتها ان تطلب من الزائرات العاشقات ان ينتظرن في الصالون لأن بهيرة وبديعة ما تزالان نائمتين في السرير، ثم وبعد وقت، تأتيان بثياب النوم لترحبا بهن فتبدوان وكأنهما كانتا تمارسان الحب وقد قطعن عليهما لحظات حميمة.
كان الرجال يأتون أيضاً إلى بيت الخوجة بهيرة للتعرف على بديعة بعد ان سمعوا من نسائهم عن تلك الأعجوبة. وكان هؤلاء ضباط أتراك ورجال الوالي وكبار التجار والمستشارين المدنيين.. جاء حتى مارشال الماني وباشا تركي وبكوات عرب. كانت بهيرة تظهرها أمام السيدات والخانمات بطيب خاطر، أما أمام الرجال فقد كانت تظهرها وهي مجبرة على ذلك. كانت تخاف من الرجال. أما الخوجة سماح، منافسة بهيرة في الغناء وفي عشق النساء فقد كانت تتابع الأخبار بغيظ. كانت قد أرسلت عدة عميلات سريات ليأتين لها بعد ذلك بوصفٍ دقيقٍ لعشيقة بهيرة ذائعة الصيت.
حاولت سماح اغواء بديعة. أسمعتها بعض الوعود عن طريق بعض النساء من عميلاتها ولكن بهيرة كانت لهن بالمرصاد. كن يجابهن بوجه ذكوري صارم وبإرادة صلبة مستعدة للحرب في سبيل بديعة. وعلى مدى أكثر من سنتين كانت بهيرة هي سيدة الساحة الفنية النسائية في المدينة، والعاشقة السعيدة لأجمل وأرق راقصة فيها، وكانت بديعة بدون منافسة حقيقية واستطاعت بهيرة حمايتها فاكتفت العاشقات الأخريات بالتأوه من بعيد فحسب.
ولكن مهما كان المرء حريصاً فإنه لن يلبث ان يغفل عن المكروه الذي يخاف أن يقع له. كانت بهيرة تخاف من مثيلاتها من النساء ان يخطفن منها بديعة. كانت تخاف أيضاً من الرجال الأشرار فحاولت بدأب جعل بديعة تكرههم (فهم على كل حال أصل كل مصائب النساء حسب رأيها). وفي احدى المرات التي كان بعض الرجال الأشراف يقومون بزيارتها، وقعت بديعة في غرام أحدهم. كان الرجل هو اليوزباشي جودت، الضابط التركي الوسيم الذي خطف قلب بديعة ثم خطفها من الخوجة بهيرة. كان شاباً قوياً ذا رونق لا يقاوم. دخل إلى بيت بهيرة مرافقاً لأحد كبار الضباط العثمانيين. جلس صامتاً ينتظر الفرص لينظر إلى بهاء بديعة دون ان يجعل أحداً يكتشف ذلك، فقد كان خجولاً ولكنه في داخله كان مغامراً جريئاً. لقد وقع في غرام بديعة. كان ذا عينين دقيقتين وعميقتين كعيني النسر. كانت بديعة تشعر برعشة لطيفة تجتاحها كلما التقت بهما. هي أيضاً وقعت في غرامه ولكنها ما كانت لتجرؤ على البوح بذلك أو تجعل أبلايتها تعلم. كان يأتي إلى الشارع، حيث يقع بيت بهيرة فيقف عند الناصية ساعات طوال. وعندما اكتشفت بديعة انه هناك راحت تقف هي أيضاً على نافذة الكشك الخشبي لتنظر اليه وتتركه ينظر اليها. كان يبوح لها بحبه بالاشارات ويدعوها إلى الخروج لملاقاته. أصبحت تفكر به في صحوها وتحلم به في منامها حتى ضعفت مقاومتها، حينها صارت تختلق الاعذار وتخرج لملاقاته. كانت تأخذ معها الخادمة (والخادمة يمكن رشوتها بسهولة) وفي احد البيوت استطاع ان يحصل عليها ويذيقها طعم الحب الصحيح فاكتشفت بديعة ان الرجال ليسو سيئين إلى هذا الحد، وان خراطيمهم لها طعم لذيذ.
وفي أحد الأيام شعرت بالغثيان وكان طمثها قد انقطع منذ مدة. كانت حاملاً بوداد. ما العمل؟ أخذها وكتب كتابه عليها عند أحد الشيوخ، كان عليها ان تخبر أبلايتها بهيرة ولكن الخوف منها كان يؤخرها حتى ذلك اليوم الذي تعاظمت فيه الحرب وقالوا ان دمشق على وشك السقوط بأيدي الجيوش العربية والانكليزية. حينها كان على اليوزباشي ان يرحل مع ضابطه العثماني العجوز إلى الجنوب للعمل على صد تلك الجيوش. كان وداعاً حزيناً بكت فيه بديعة خوفاً على حبيبها الضابط التركي اليوزباشي جودت وخوفاً من مستقبلها الغامض. رحل جودت وتركها خائفة من ان يظهر حملها فتكتشف بهيرة أمرها. ولحسن الحظ كانت الحفلات قد توقفت بسبب هزيمة العثمانيين، فمن يحفل بالغناء والرقص في هذه الظروف؟ وعندما سمعت ان دمشق سقطت هي الأخرى وان الضباط الاتراك يهربون بالقطارات إلى الأراضي التركية هربت بدورها من أبلايتها الخوجة بهيرة. هربت بالقطار (كما قلت) وسكنت في محطة ميدان أكبس تراقب القطارات القادمة من الجنوب لعل حبيبها الضابط التركي يجدها فيعيشان معاً كما خططا. ولكن الحرب انتهت، وهرب كل الجيش التركي من سورية وجاء الجيش الانكليزي ولم يظهر اليوزباشي جودت. أما الخوجة بهيرة فقد كان عليها ان تتحمل هذا الخسران الفظيع.. خسران بديعة، وكان عليها ان تتحمل شماتة الخوجة سماح.
* * * * *
إلى الفصل الثاني
الفصل الثاني
كيف استقبلت الخوجة بهيرة وداد وكيف قبلتها أول قبلة
توقف الشيخ عن الكلام وطلب ان يرتاح قليلاً. نهضت لأضيف بعض الحطب إلى المدفأة. كنت قد بدأت أحب الشيخ وانتظر أية بادرة كي أهرع لخدمته، حتى أنني كنت أمد يدي لأصلح وضع البطانية التي اعتاد ان يضعها على فخذيه اتقاءً لآلام الروماتيزم. وعندما كان يصمت ليرتاح قليلاً كنت أصمت حتى لا أشجعه على الكلام فيزداد ارهاقاً. وعندما كان يصمت، كان يطرق وهو يرقب يديه (أصابعه بالتحديد) كيف ترتجفان ويحاول تثبيتهما. كنت أدعو الله ألا يكون مصاباً بمرض الباركنسون الذي أصيب به أبي، فأنا أعرف مقدار الآلام الجسدية والنفسية التي يعانيها المصابون بهذا المرض الخطير وقد علمت من الطبيب الذي عالج أبي ان الباركنسون يصيب الرجال الذين كانت حياتهم حافلة بالنشاط وأعلمني ان الملاكم محمد علي كلاي أصيب به فأخذت علماً بمعنى الحياة الحافلة بالنشاط.
هل كانت حياة الشيخ حافلة أيضاً بالنشاط؟ ومن أين يعرف كل هذه الأمور عن أبطال قصتنا؟ هل كان على علاقة بهم، هل عرفهم أو كان قد عايشهم؟ وهل كان الشيخ يسرد علي قصة حياته يا ترى؟.. كانت الأسئلة تتردد في ذهني وأنا أضيف بعض الحطب إلى المدفأة كي أعيد التأجج إلى النار حفاظاً على دفء الشيخ. نظرت إلى الشيخ فرأيته ما يزال مطرقاً ناظراً إلى يديه المرتجفتين فلم أعد للجلوس بل اقتربت من النافذة ورحت استطلع السهول الجرداء الممتدة إلى البعيد والتي تغسلها الأمطار بقسوة. في هذه اللحظة سمعت شيئاً أو حركة أو ربما نفساً من خلف الباب الذي يقع إلى جانب النافذة. كان الشك بدأ يساورني من الخادم خصوصاً وأنه يمتلك وجهاً صارماً وغامضاً وعينين منطفئتين أكثر من عيني سيده الشيخ، ثم إنني وباستمرار كنت أتذكر الحركة التي أظن أنني سمعتها في غرفتي المقفلة من الداخل ولو لم أكن غارقاً في النوم إلى الحد الذي ينفي عقلي وجود احتمالات سيئة لكنت نهضت وأشعلت النور وتفقدت مصدر الصوت. وأريد هنا أيها القارئ ان أعترف بأنني شعرت، في هذه اللحظة وأنا أقف على النافذة، ببعض الخوف خصوصاً وان البيت يكتنفه كثير من الغموض سواء في الفرش أو الاضاءة أو في طريقة تصرف الخادم وطريقته أيضاً في النظر (أكثر الأمور غموضاً في البيت هو في وجود البيت في حد ذاته). اقتربت من الباب بهدوء وانا مستمر في النظر إلى الخارج ثم وبحركة سريعة (ولا أعرف كيفواتتني الشجاعة لفعل ذلك) نظرت إلى الشيخ فوجدته منهمكاً بيديه ثم نظرت إلى الباب وانا أفتحه دون أن أرتكب أي خطأ في حركتي التي جاءت عفوية وعن دون دراسة. لقد صدق حدسي. كان الممر قليل الاضاءة بينما كان الخادم يهم بالابتعاد مديراً ظهره الي بينما كان ينظر في عيني مباشرة. استمر وقوفنا هكذا فترة ثانيتين ثم أدار الخادم رأسه وابتعد دون ان يرتبك أو يبتسم وعندما انعطف وغاب أعدت إغلاق الباب وعدت إلى النافذة.
كنت أريد ان أفكر في الموضوع ولكن الشيخ قطع علي تفكيري. ناداني فعدت إلى مكاني قبالته ثم أصلحت وضع الغطاء على فخذيه وقد قررت ان أفكر بأمر الخادم فيما بعد حين أعود إلى غرفتي لقيلولة بعد الظهر. سألني الشيخ:
- أين وصلنا؟
- قبل ان نعود إلى الحكاية أود أن أسأل، لماذا أرسلت بديعة ابنتها إلى الخوجة بهيرة؟ إنني لم أفهم السبب خصوصاً وان بديعة كانت قد هربت منها.. الخوجة بهيرة امرأة متسلطة وعاشقة للنساء، هذا يعني ان الأم موافقة على ما يمكن ان يحصل للابنة.
- فعلاً.. هذا شيء محير، ولكن يبدو على الأم انها ندمت على ما فعلت في غياب أبلايتها بهيرة. كان عليها ان تصدقها وتحترس من الرجال، هكذا فكرت بديعة على ما يبدو. كانت تعيش معها كأميرة زمانها، وعلى فراش الموت فكرت ان أفضل طريقة لحماية ابنتها هو إرسالها إلى بهيرة عوضاً عن ان تزوجها من رجل ريفي لتمضي باقي حياتها في محطة ميدان اكبس فتتحول إلى امرأة ريفية عادية.
- ألم يخطر في بالها قبل المرض ان تأخذ وداد وترحل إلى أبلايتها؟
- النساء لسن كائنات عجيبة يا بني.. عليك ان تأخذ بالحسبان الكرامة.
- ألا توافقني أيها الشيخ بأنها هربت من قوانين أمها في ظروف الحرب العالمية لأنها تحب الحرية فهربت من قوانين بهيرة أيضاً؟
- أمضت بديعة حياتها متنقلة من سيطرة امرأة إلى سيطرة امرأة أخرى، كان حظها سيئاً وكانت تعتقد انها إن هربت من بيت امها فإنها ستحصل على حقها في أن تعيش حياتها حسب ما تهوى بعيداً عن سيطرة امرأة حتى ولو كانت أمها، ولكن ما إن وصلت المدينة حتى وقعت تحت سلطان امرأة أخرى.
- إذن عندما التقت باليوزباشي جودت حسبت انها ستتخلص من سيطرة النساء إلى الأبد.
- هذا صحيح، ولكن اليوزباشي خذلها.. ربما الرجل لا يتحمل المسؤولية لأنه قد يكون قد قتل في المعارك التي دارت حول دمشق، ولكنه بالمعنى العام خذلها، ولكي تنهي ما ابتدأته استقرت في تلك القرية التي فيها محطة القطارات وقررت ان تعيش فيها وتربي ابنتها.. ولكن يبدو انها تعذبت كثيراً. تحولت إلى امرأة عادية وبسبب اعتزازها بنفسها قررت أن لا تظهر وكأنها هزمت. المهم هو انها لم ترض لابنتها ما رضيته لنفسها فقررت ان توجهها إلى بيت الخوجة بهيرة ولكن بعد ان تكون قد فارقت الحياة.
- هذا يعني انها اقتنعت ان الحياة مع امرأة قد تكون أفضل من الحياة مع رجل، أي انها وصلت إلى نفس القناعة التي حاولت أبلايتها اقناعها بها حول الرجال.
- ثمانية عشر عاماً في القرية جعلتها تندم لأنها سعت وراء رجل، من أجل ذلك حاولت ان تزرع في نفس ابنتها خوفاً مضاعفاً من الرجال ولم تدعها تصادق إلا عبدو السنكة.
كانت معلوماتي عن بنات العِشْرة قليلة، فأنا لم أكن أعرف سوى بعض الأقاويل التي كنا نتناقلها عنهن. كانت مثل هذه الأخبار تتناقل بين الرجال بمتعة، ويبدو ان الرجال يضيفون ما كانوا يشتهون سماعه إلى أخبار هذه أو تلك من بنات العشرة الشهيرات في المدينة. قلت للشيخ:
- حسب معلوماتي فإن بنات العشرة لا يرفضن الزواج من الرجال، حتى أشهرهن في حلب متزوجات ولهن أسر وأطفال.
- هذا صحيح، فالمرأة مهما كانت ميولها تسعى إلى ان تكون محمية، تحب ان تكون تحت رعاية شخص ما كالأب أو الزوج. ثم ان معظم النساء يتزوجن وهن صغيرات.. أو تستطيع ان تقول انهن يزوجن في سن مبكرة حين تكون دون إرادة. وفي معظم الأحيان تنشأ الصداقات في استقبالاتهن النسائية التي تحرص كل نساء المدينة على حضورها على الدوام.
- تقصد "القابول" باللغة العامية الحلبية.
- نعم، يصدف ان تتواجد المرأة في "قابول" مثل هذا وتتعرف على مثل هذه العلاقات.. انها ترى أزواجاً وأزواجاً من النساء اللواتي يحرصن على الجلوس معاً والحديث معاً والضحك والمزاح ولا يخلو الأمر من قبلات ولمسات وشمّات. بعد مدة تتحرش بها احداهن لتتقرب منها أو لتغيظ صديقتها وتثير فيها مشاعر الغيرة. تنشأ الصداقة على هذا المنوال وتتطور بعيداً عن أعين الرجال، فانت تعلم جيداً بان الرجل لا يستطيع اقتحام جلسات النساء.
- نعم.. رجلنا الشرقي يخاف على شرفه من الرجال الآخرين، أما النساء فهن لا يمسسن الشرف.
- في العادة يعود الرجل إلى بيته فيسأل عن امرأته فيقولون له انها بصحبة ضيفة.. واحدة من صاحباتها. هذا شيء طبيعي، بعد دقائق يتأكد من انها امرأة حين يراها تخرج من غرفة الضيوف وزوجته تودعها. أما ما كان قد حصل فالزوج لا يعلم عنه شيئاً.
- سمعت عن بعض الأزواج الذين علموا بعلاقة زوجاتهم مع صاحباتهن.
- يحدث كثيراً ان تتطور علاقة الزوجة بأبلايتها وتحصل أمور دراماتيكية، مثل ان تتحدث كثير من النساء عن هذه العلاقة وما يعتريها من خصام في بعض الأحيان وفراق ثم وصال من جديد فتصل هذه الأخبار إلى الرجال ومن ثم إلى الزوج.
- وماذا يمكن أن يحصل؟
- كثير من الأزواج يصمتون ولكن ما إن تنكشف العلاقة وتصبح كالفضيحة حتى يضغطون على زوجاتهم لإيقافها، ولكنهم على الأغلب لا ينجحون في ايقافها ومنهم من يطلق زوجته بسببها.
- يصل الأمر إلى حد الطلاق؟
- لا يصل الأمر إلى الطلاق إلا إذا كانت المرأة متعلقة بأبلايتها بشكل كبير، أما إذا كانت الأبلاية غنية فإنها تشجع صاحبتها على الطلاق حتى أنها تعرض عليها ان تشتري لها منزلاً لتسكن فيه وتصبحان كأنهما متزوجتان. هناك سبب اًخر لتذمر الزوج وايصاله الأمور إلى الطلاق وهو ان تبدأ زوجته بالتبرم من واجباتها الزوجية وتعتريها البرودة بسبب علاقتها مع أبلايتها.
- هذا اسمه شذوذ.
- نعم شذوذ.
- وكيف كانت الخوجة بهيرة..؟ أين هي من هذا كله؟
- بهيرة كانت أبلاية، اي انها كانت قائدة في العلاقات وكانت حتى تبدل صاحباتها حين تمل منهن أو يطرأ أمر ما أو حين تلتقي بفتاة أجمل. فحين جاءت بديعة برفقة ذلك الرجل كانت بهيرة في أوج علاقة حميمة بالشقراء عازفة القانون التي اختطفتها من الخوجة سماح، وبكل برودة أهملتها بهيرة حين وقعت عينيها على حسن وجمال بديعة سكر نبات فعشقتها من النظرة الأولى مما اضطر الشقراء إلى الانسحاب.
كان موضوع بنات العشرة قد تشعب بسبب المعلومات الثمينة التي نقلها إلي. لهذا قررت، في تلك الجلسة، ان أتعمق فيه حالما أعود إلى حلب، وقررت ان أقابل بنفسي بعض النساء اللواتي عرف عنهن انهن منهن أو على الأقل ان أرسل زوجتي نادية لمقابلتهن ومن ثم لتنقل إلي أحاديثهن (معظم النساء يشعرن بالحرج من التكلم في هذه الأمور مع الرجال، للأسف الشديد، ولذلك فإنني أحذرك أيها القارئ بان معلوماتي قد تكون ناقصة وعليك ان تتابع الموضوع بنفسك أو عن طريق زوجتك إذا أردت الغوص فيه مثلي).
المهم.. أردت دفع الشيخ للعودة إلى قصتنا، فهو الوحيد الذي يعلمها، وهو يتعب بسرعة من القص، والزمن المتاح لي قصير، وهناك أيضاً الخادم الذي يتصرف بغموض وقد يتسبب في طردي فلا يتسنى لي سماع الحكاية حتى نهايتها، لذلك فقد قلت للشيخ:
- لقد تركنا وداد في عربة حنتور برفقة السائق الذي كان يتلصص إلى وجهها الجميل وبيدها مظروف كتب فيه عنوان الخوجة بهيرة.. ماذا حصل بعد ذلك؟
نظر إلي مطولاً وفي عينيه امتنان نحوي لأنني ذكرته بوداد (ما كانت علاقته بها؟) هز رأسه مراراً وهو يقبض على يديه ليمنعارتجافهما ثم راح يتكلم بصوته الهادئ والرخيم مستعيداً نبرة القص مبتعداً عن أسلوب الحوار الذي كنا قد استرسلنا فيه قبل قليل.
توقف العربنجي امام بيت ذي جدران عالية وفي واجهته كشك خشبي مسود فيه خمس نوافذ، ثلاث في واجهة الكشك واثنتان في طرفيه. اما الباب الخشبي للبيت فقد غطي بصاج معدني مثبت بمسامير ذات رؤوس كبيرة مثبتة بشكل هندسي أنيق. دفعت وداد لسائق العربة أجره ثم حملت حقيبتها ونزلت. كان ما يزال ينظر اليها تلك النظرة التي رماها بها طوال الطريق. كان الرجل يصلي على النبي في كل مرة فهو لم يصادف فتاة بهذا الجمال من قبل ثم تمنى على الله ان يحميها من الرجال الأشرار وساق عربته مبتعداً أما هي فقد وقفت هناك، امام البيت في تلك الحارة الهادئة من حي الفرافرة الراقي.
تملت واجهة المنزل. كانت هناك شجرة استطاعت ان تنمو وتتسلق جدار المنزل ثم أطلت على الشارع و راحت تنزل إلى الأسفل متشبثة بالجدار الحجري الخشن. فكرت وداد.. هل وقفت أمها بديعة يوماً مثلما تقف هي الآن؟ ماذا كانت تشعر؟ وداد الآن خائفة من المجهول، الذي سيفتح لها ليبتلعها إذا ما قرعت الباب الاسود اللامع. هل خافت أمها أيضاً؟ حزمت أمرها واقتربت منه ثم صعدت درجة صغيرة لتصل إلى المطرقة. هناك توقفت يدها بعد ان قبضت عليها. لقد أتاها من داخل المنزل صوت كمنجة. خمنت بان المنزل واسع جداً لأن صوت الكمنجة كان يأتيها من بعيد. هناك من يتدرب على أغنية أم كلثوم الجديدة "على بلد المحبوب". انها تعرفها آلة الكمنجة، فقد اعتاد بائع جوال ان يوقف عربته المليئة بشتى البضائع الصغيرة الملونة في ساحة القرية ويخرج كمنجته من قلب عربته ثم يشرع في العزف وهو يغني أغانيه الكردية الحزينة. كانت تذهب بصحبة عبدو السنكة للتفرج على المناديل النسائية الملونة. كانت تفرح لمجيء البائع الجوال لا لشيء إلا لتستمع الى عزفه والى أغانيه الحزينة، أما المناديل الملونة فهي تعرفها جيداً وكانت قد ملّتها من كثرة ما تفحصتها.
قرعت الباب بالمطرقة الحديدية المعلقة ثم خطت خطوة إلى الوراء وراحت تنتظر. توقفت الكمنجة. اسفت لذلك وشعرت بالذنب لأنها السبب في هذا الصمت. بعد ثوانٍ سمعت خطوات ثم انفرج الباب الذي أصدر أزيزاً عالياً بسبب وزنه الزائد. امرأة في العشرينات هي التي فتحت الباب. عندما شاهدت ان القادمة فتاة وسّعت فرجة الباب وهي تتساءل بتعابير وجهها بطريقة أنيسة. كانت المرأة هي التي كانت تتمرن على آلة الكمنجة. اسمها سعاد. كانت عادية الجمال جعّدت شعرها الذي يصل إلى كتفيها بواسطة الكوي الحراري وارتدت ثوباً خفيفاً يظهر جيدها وساعديها ويصل إلى ما تحت الركبة. سألت وهي تبتسم لهذه القروية التي تحمل حقيبة سفر قديمة بيد ومظروفاً باليد الأخرى، فقد كان منظرها مسلياً ولطيفاً:
- ماذا تريدين يا حلوة؟
- أريد الخوجة بهيرة.
- ماذا تريدين منها؟ ارتبكت وداد، ماذا يمكن ان تقول لهذه المرأة التي تسأل عن كل شيء؟ قالت وهي تشير إلى يدها التي تحمل المغلف:
- أريد ان أعطيها هذه الرسالة.
- رسالة؟ (يبدو ان سعاد كانت تتسلى، فقد أحبت الأخذ والعطاء مع القروية التي تزداد احراجاً عند كل سؤال اضافي) ممن الرسالة؟
- من أمي. هل الخوجة بهيرة هنا؟
عندها فتحت عازفة الكمنجة الباب جيداً ودعتها للدخول. كانت تراقبها حين تنهدت وداد براحة فقد كانت قد تعرقت بسبب أسئلتها. ارتقت الدرجتين اللتين كان البيت يعلو بهما الشارع ثم اجتازت المرأة صاحبة الاسئلة وتوقفت. أغلقت المرأة الباب ثم لمست وداد بيدها لتطمئنها وطلبت منها ان تلحقها ثم سارت في الدهليز الطويل حتى الحوش.
كان حوش المنزل عبارة عن مربع غير مسقوف تطل عليه نوافذ الغرف من الجهتين الغربية والشرقية وكان هناك درجان في الجهتين الأخريين يقودان إلى المربعات والأسطح بينما احتل ايوان كبير مفروش بعدد كبير من المقاعد والكنبات الجهة القبلية وكأن حفلة موسيقية تجري هناك كل يوم فقد كانت الكمنجة مركونة في احد المقاعد، أما وسط الحوش فقد احتلته بركة ماء بنافورة كانت حينها متوقفة والماء في حالة ركود تسبح فيه بعض الورود وأوراق الشجر التي تحيط بالحوض وقطعة من الموسلين.
قادتها سعاد إلى الايوان ثم طلبت منها ان تجلس وتنتظر. ابتسمت لها ثم لمستها برفق لتطمئنها ثم قالت:
- الخوجة بهيرة في الحمام.
هزت وداد رأسها ثم تابعت سعاد وهي تبتعد ثم تدخل احد الأبواب. وما إن أصبحت بمفردها حتى راحت تتفحص الحوش والنوافذ والاشجار بعينيها. كانت جالسة ورسالة أمها إلى الخوجة في حضنها وهي تعبث بالمغلف دون إرادة منها فقد كانت خائفة. ماذا لو تسلمت الخوجة الرسالة وقرأتها ثم طردتها؟ أين ستذهب في هذه المدينة التي لا تعرف فيها أحد؟ صعدت ببصرها نحو نوافذ المربعات العلوية وفجأة انتفضت، حتى انها سمعت نفسها تصرخ صرخة خافتة لم يسمعها أحد سواها. شاهدت امرأتين تقفان على احدى النوافذ وهما بالشلحة النسائية الداخلية تنظران اليها وهما تبتسمان (لماذا تبتسم لها كل ساكنات المنزل؟). كانتا ملتصقتين وتمسك كل منهما الأخرى من خصرها بينما تلاحمتا بالخدود. أبعدت وداد نظرها بسبب خوفها أولاً ثم بسبب خجلها ثانياً إلا أن فضولاً كبيراً دفعها إلى النظر من جديد ولكنها وجدت هذه المرة امرأة واحدة تنظر اليها وهي مستمرة بالتبسُّم بغنج ويدها ممدودة إلى الداخل ثم غابت لأن الثانية كانت تجرها بعيداً عن النافذة.
نظرت إلى الكمنجة المركونة على المقعد. تذكرت البائع الجوال الكردي وتذكرت أغانيه الحزينة. كل الأكراد حول ميدان اكبس يحبون آلة البذق بينما ذلك البائع يفضل العزف على الكمنجة.. أليس هذا غريباً؟ تذكرت أيضاً عبدو السنكة الذي تركته اليوم صباحاً يبكي لفراقها وهو ينط على رصيف المحطة. شعرت بالحنين اليه. كانت أيضاً حزينة بالاضافة إلى خوفها واستغرابها من هذا البيت المليء بالنساء.
فجأة انتشلها صوت قرقعة قبقاب خشبي فجفلت. كانت هناك امرأتان ملتفتان ببشاكير الحمام خارجتان من الباب الذي غابت به سعاد عازفة الكمنجة التي ما لبثت ان خرجت تلحق بالمرأتين. كانت النساء الثلاث ينظرن اليها، أما المرأة الأولى فقد كانت تشبه الرجال في كل شيء ولكنها كانت امرأة لأن وداد شاهدت البشكير ينفرج عن ثدييها الصغيرين.
وقفت وداد فقد عرفت انها الخوجة بهيرة. اقتربت منها الخوجة وهي تتفحص جمال وجه القروية التي تبدو وكأنها ملاك نزل من السماء. صعدت اليها في الايوان وهي مستمرة في تفحصها لا ترفع عينيها عنها حتى ان رفيقتها التي كانت تشاركها الحمام قبل قليل شعرت بغيرة من تصرف أبلايتها. غيرة لا تبدر إلا عن عاشقة كانت مطمئنة إلى انها محظية لمدى العمر حتى انها لم تقو على مراقبة خوجتها التي تقف امام القروية وكأنها مسحورة فنترت نفسها وأسرعت إلى احدى الغرف. قالت سعاد، المرأة المستترة بثوب عادي وكأنها تحاول ايقاظ بهيرة:
- تقول انها تحمل لك رسالة من أمها.
مدت وداد بالمغلف إلى بهيرة التي أمسكت به دون ان تنظر اليه، بل على العكس، فقد عرفت مضمون الرسالة ومرسلته وهي ما تزال تنظر إلى وداد. قالت:
- أنت ابنة بديعة؟
- نعم.
- اجلسي.
جلست وداد من جديد وجلست بهيرة امامها. لقد عرفتها من الشبه الكبير بأمها. انها لم تنسها، فلم تعشق بهيرة امرأة في حياتها كما عشقت بديعة، وعندما هربت منها عاشت سنين عديدة وهي تحلم بها وهي تعود إليها.. كانت صورتها ماثلة امام عينيها باستمرار. لقد كانت بديعة ألمها العظيم. تساءلت سعاد وقد اكتشفت سر جمال القروية وسر السحر الذي وقع على الخوجة:
- امها بديعة؟
استدارت اليها وداد وهزت برأسها. سمعت بهيرة تسألها:
- اين هي الآن؟
- لقد ماتت.. أعطتك عمرها. قالت ذلك وكأنها تطلب من الخوجة ألا تطرها. زفرت بهيرة ثم هزت رأسها أسفاً على عشيقتها. أطرقت حزناً فوجدت الرسالة بين يديها ففضتها وراحت تقرأ. نست نفسها فبان عريها لوداد التي أبعدت بصرها عنها فالتقت بعيني سعاد التي كانت تبتسم لها بحنان.
- هل أنت جائعة؟ فقالت وداد:
- أكلت في القطار من الزوادة.
- سوف أسخن لكِ.
تركتهما وذهبت إلى المطبخ. تابعتها وداد كي لا تعود للنظر إلى عورة بهيرة. لقد أحبت هذه المرأة. أحبتها منذ ان فتحت لها الباب. كانت وداد تحتاج إلى من يرأف بحالها ويبدو انهن لن يطردنها. اضطرت للعودة للنظر إلى الخوجة المعلمة. قالت وهي تطوي الرسالة ثم تطوي البشكير حول جسدها العاري:
- الله يرحمها.. هل تعرفين ماذا كتبت لي المرحومة؟ هزت وداد رأسها، فهي دائماً تعرف:
- أعرف يا ستي.
- تطلب مني ان استقبلك لتعيشي وتعملي معي.. ان أهتم بكِ. هل انت موافقة؟
- نعم موافقة، لا أعرف أحداً أذهب اليه.
- سوف تبقين.
حولت عينيها فشاهدت وداد المرأة رفيقة الخوجة في الحمام وقد ارتدت شلحة داخلية حمراء وتقف على باب الغرفة وهي تمشط شعرها الرطب. كانت تستمع إلى الحديث غير راضية عما يجري. في هذه اللحظة نهضت بهيرة واقتربت من وداد.
- أمك تقول ان أسمك وداد.
- نعم، اسمي وداد.
- اسم حلو..
رددت بهيرة اسم وداد ثم أمسكت بالمنديل الذي كانت وداد تعقده على رأسها وحلته ثم رفعته. راحت تتملى جمالها. مسحت على شعرها وتبسمت لها. نظرت وداد نحو المرأة بالشلحة الحمراء فوجدتها هناك تنظر بغيرة إلى ما يجري. انحنت بهيرة وقبلت وداد على خدها قبلة لا تشبه قبلات الأمهات.
- تعالي.. سوف أدلك أين ستنامين.
نهضت وداد وحملت حقيبتها ثم تبعت الخوجة. التقت أعين النساء الثلاث، ولكن بهيرة لم تكن تأبه لغيرة ذات الشلحة الحمراء.
* * * * *
يتبع
ازدادت قوة انهمار المطر فأصبحت حباته تنقر زجاج النافذة بشكل غريب. كان الشيخ قد توقف ليأخذ نفساً فحسبت انه سيستريح فترة فنظرت إلى المطر المنهمر. كان المطر كثيفاً فتعذرت علي رؤية السهول الجرداء خلف سياج الحديقة الأمامية، فتذكرت زميلي الاستاذ تميم وسائق اللاندروفر وتمنيت ان يكونا قد أفلحا في طلب النجدة. لكن الشيخ ما لبث ان عاد إلى الحكاية، فقد كان متشوقاً لسرد القصة بقدر ما كنت أنا نفسي متشوقاً لسماعها. قال:
كانت بهيرة تحب ان تكون محاطة دوماً بأعضاء فرقتها ولذلك فقد اشترت ذلك البيت في حي الفرافرة لاتساعه بحيث تستطيع ان تسكن معها أكثر عدد ممكن من نساء فرقتها، فبالاضافة إلى سعاد عازفة الكمنجة كانت هناك عازفة الايقاع عائشة وعازفة القانون فريدة اللتان شاهدتهما وداد تطلان من نافذة المربع العلوي الذي اتخذتاه غرفة مشتركة لهما. كانتا متفاهمتين كثيراً حتى انهما كانتا تنامان في سرير واحد. كانتا عاشقتين والكل يعرف ذلك ولا أحد يتدخل في شؤونهما أو يحاول فصل احداهما عن الأخرى وباختصار كانتا هانئتين في حياتهما. أما ذات الشلحة الداخلية الحمراء فقد كانت راقصة الفرقة. كان اسمها راحيل (كانت يهودية ذات شعر أحمر) وكانت قد انضمت إلى فرقة بهيرة منذ ثلاثة أعوام بعد ان جاءت بها من احد مسارح المدينة، ويقال انها عشقتها حين رأتها ترقص فعرضت عليها ان تكون راقصة فرقتها وصاحبتها فوافقت ومنذ ذلك الوقت وراحيل تحتل غرفة بهيرة وسريرها وككل العاشقات كانت تشاركها حمامها أيضاً ولا تبتعد عنها على الاطلاق.. كانت ترضخ لقوانين الأبلاية الصارمة. أما آخر عضوات الفرقة فقد كانت بهية السمينة عازفة العود وكانت متزوجة وتعيش مع زوجها الذي كان في الماضي خادماً عند أهلها فتزوجته ورحلت معه إلى المدينة ويقال انه عمل قواداً لها حين اضطرت لبيع جسدها من أجل لقمة العيش حين ضاقت بهما الدنيا.
هذا هو الجو الذي جاءت اليه وداد. لقد صرع حسنها عقل بهيرة وقلبها وجعلها تدوخ، فالخوجة خبيرة في الجمال والعشق وهي سريعة التأثر. خافت عليها منذ اللحظة الأولى فمنعتها من ان تشارك إحداهن في غرفتها. أرادتها ان تستقل في غرفة لوحدها، وحبذا لو كانت إلى جانب غرفة بهيرة فاضطرت سعاد إلى الانتقال إلى غرفة المربع الأخرى كي تحتل وداد غرفتها.
مجيء وداد أزعج راحيل. جعلها تموت من القهر والغيرة، فقد لاحظت مدى اهتمام بهيرة بالقادمة الجديدة وكيف انها لا ترفع عينيها عنها وتهتم بكل صغيرة وكبيرة تخصها. انها تعرف أبلايتها بهيرة جيداً فعندما جاءت بها من المسارح كانت تهتم بها بنفس الطريقة. كانت بهيرة حينها تصاحب امرأة لا تحسن فعل شيء غير الحب. لم تكن موسيقية أو مغنية أو راقصة. كل ما هنالك انها كانت جميلة ومربربة. كانت ممتلئة نوعاً ما ذات بشرة مائلة إلى السمرة ولكنها كانت دلّوعة ومغناجاً ولولا هاتان الصفتان لاستغرب الناس حب الخوجة بهيرة لها. كانت تحبب الناس بها بوساطة غنجها ودلعها. كانت لها صفة أخرى، فقد كانت تجيد اللعب بصوتها وتجعل كل من يحيط بها يطرب حين تتكلم. كانت تخاصم بهيرة كثيراً وكانت تحسب ان ذلك يزيد أبلايتها تعلقاً بها ولكن بهيرة ملتها آخر الأمر وراحت تساوم راحيل على الانتقال إلى فرقتها وكان أهم بند في الاتفاق هو ان تصبح عشيقتها. نعم، فقد كان ذلك جزءاً من الاتفاق ولا أريد أن يستغرب أحد ذلك (والكلام للشيخ) فقد قامت بهيرة بعقد مثل هذه الاتفاقات عدة مرات خلال حياتها. وعندما انتقلت راحيل إلى بيت الفرافرة لم تكن المرأة الدلّوعة والمغناج قد تركت البيت بعد، ولم يكن من عادة الخوجة بهيرة طرد عشيقاتها حين تقرر استبدالهن بل تقوم بالانتقال من واحدة إلى أخرى تحت سمع الجميع وبصرهم. كل ما هنالك انها اعتادت ان تنقل اهتمامها من القديمة إلى الجديدة رغم ان القديمة ما تزال تشاركها غرفتها وحمامها وسريرها. لقد جعلت راحيل تسكن الغرفة التي تتشاركان الآن في العيش فيها بينما كانت الدلّوعة تسكن الغرفة التي احتلتها وداد، وعندما حان الوقت انتقلت بهيرة من هذه الغرفة إلى تلك تاركة الدلّوعة تنام بمفردها وكأن شيئاً لم يكن. وحتى يحين موعد الانتقال كانت تنقل اهتمامها بالتدريج من هذه إلى تلك حفاظاً على المودة القديمة كما اعتادت ان تقول. وفي معظم الأحيان تشعر القديمة بأنها ستهجر فتبدأ بالمقاومة وبالبكاء بفعل الغيرة والخوف من الهجران، وحين تتعارك القديمة مع الجديدة تقف بهيرة مع الجديدة ويحدث الطلاق.
كانت راحيل تعرف كل ذلك بالتفصيل حين جاءت وداد فقد كان قد حصل لها نفس الشيء لأنها كانت قد حلت محل امرأة قديمة. كان عليها الآن ان تتحول إلى قديمة بعد ان كانت جديدة ومحبوبة. جافاها النوم وأصبحت قلقة باستمرار فقد ازدادت حساسيتها وصارت لها عادة جديدة وهي التلصص على وداد وبهيرة حين تقوم هذه الأخيرة بالاعتناء بها. أصبحت بهيرة تسهر حتى الصباح في غرفة وداد. كانت تجلس الى جوارها وهي تحدثها عن أمها بديعة، فقد كانت الأم قاسماً مشتركاً بين المرأتين. أما راحيل فقد أصبحت تكره الليالي وخصوصاً حين كان عليهن المكوث في البيت بسبب عدم ارتباط الفرقة. كانت تجد نفسها وهي تخرج من غرفتها لتتلصص على أبلايتها من خلال النافذة المطلة على الحوش. كانت تراها كيف تحادث وداد أو تستمع اليها تصف حياتها هي وأمها في ميدان اكبس، ولا تمر دقائق إلا وتمد بهيرة يدها لتلمس وداد البريئة أو لتمسح دمعة عن خدها أو حين تتجرأ بهيرة أكثر فتحضن وداد وتقبلها محاولة ان تزيل حالة الحزن على الأم المتوفاة. وعندما كانت بهيرة تعود إلى غرفتها كانت راحيل تتقرب اليها وتجعلها لا تشعر بغيرتها وقهرها. كانت راحيل ذكية، وبذكائها وصبرها أخرت كثيراً انتقال بهيرة من غرفتها إلى غرفة وداد. حتى انها راحت تهتم بوداد أمام عيني بهيرة.
كانت المهمة آنذاك هي اعادة صنع وداد من قروية جميلة إلى امرأة مرحب بها في مجتمع حلب المخملي. كانت قد ورثت عن أمها أموراً كثيرة تجعل هذه المهمة غير مستحيلة. كان عليهن ان يجرين بعض التغييرات على هيئة وداد. قص الشعر وتجعيده، نتف الحواجب واعادة رسمها، وازالة الشعر عن الساعدين والساقين بالعقيدة (معجون السكر) ثم انتقاء الاقمشة وموديلات الأثواب التي تلائم قامة وداد الممشوقة وقلة امتلاء جسدها الجميل والمناسب. كانت بهيرة تقوم بكل ذلك بمساعدة سعاد التي عرضت صداقتها على وداد منذ اللحظة الأولى لدخولها إلى البيت. لم تكن سعاد لتخيف بهيرة فقد كانت امرأة صادقة وودودة ولها اهتمامات بعيدة عن النساء، فهي تنتظر فارس أحلامها ولا تنتظر فرساً أنثى مثل بهيرة. لهذا السبب كانت الخوجة تطلب من سعاد مساعدتها في قضايا تخص جسد وداد دون خوف من ان تنافسها عليه في المستقبل. ولكن راحيل راحت تفرض نفسها حين تتم العناية بوداد. كانت تخترق الحواجز وتفتح الأبواب عليهن لتشارك في نتف الشعر أو انتقاء ملابس داخلية. كانت تعطي رأيها بواقعية ودون وقاحة بشكل يكون ملائماً لبهيرة ومزاجها العشروي. حينها تصمت الأبلاية على تدخلها واقتحامها الأبواب المغلقة ولا تقوم بطردها.
هناك شيء استفادت منه راحيل لتؤخر رحلة انتقال بهيرة من سريرها إلى سرير وداد. فلم تكن بديعة قد علمت ابنتها أي شيء يتعلق بمهنتهن. فلم تكن تعرف الرقص ولا العزف على الآلات الموسيقية ولم يكن صوتها جميلاً لتغني. لم تكن وداد سوى قطعة نفيسة، أو دمية يشتهي أي انسان ضمها. لم يستطعن ان يصنعن منها سوى امرأة خارقة الجمال، رقيقة، خجولة وذات نفس طيب وريق عذب. كانت متعة للنظر حين تجلس وأكثر من ذلك حين تسير أو تتحرك أو تتلفت وحين تضحك فيحمر وجهها بشكل خفيف محبب. ولكن الخوجة بحاجة إلى راقصة، وراحيل هي راقصتها التي تخرج الآهات من أفواه الرجال والنساء حين ترقص حتى عدت أفضل راقصة بين فرق الخوجات في المدينة. لذلك كان على بهيرة ان تصبر حتى تجد البديلة لأن راحيل لن ترضى ان تبقى في الفرقة إذا ما هجرت سريرها.
في الليالي التي لم يكنّ على ارتباط في عمل أو عرس أو حفلة في أحد البيوت، كنّ يجتمعن في الايوان ليعزفن ويغنين أحب الألحان إلى قلوبهن مثل دور "الحب ماهوش بالسهل" و "كادني الهوى وصبحت عليل" ويختمن سهراتهن ببعض الطقاطيق مثل "أنا السبب في اللي جرى" و "آه ياحليوه يامسليني". كانت سعاد تلقي النكات فيضحكن ويراقبن وداد كيف تضحك (مجرد مراقبتها وهي تضحك لذة للجميع) كانت سعاد تجيد تقليد النساء والرجال بشكل يثير الضحك، وعندما يجتمعن كانت تقلد حالة العشق المضحكة بين عائشة وفريدة، فقد كانتا لا تنفكان عن بعضهما بعضاً، وكانتا تتلامسان حتى أمام وداد التي أصبحت تجد في ذلك أمراً طبيعياً (وهذا ما كانت تتمناه بهيرة من كل قلبها). كانت وداد تضحك من كل قلبها وهي ترى إلى سعاد كيف تقلد فريدة وهي تقرص خد عائشة أو حين تتخاصمان. كانت تقلد كل واحدة وهي تعمل. تقلد بهيرة وهي تغني أو راحيل وهي ترقص وتقلد عائشة حين تدق على الدربكة أو عازفة العود السمينة وكيف تنام بين ذراعي زوجها القواد التي اعتادت ان تشرح لهن ذلك بنفسها دون حرج فيغشين من الضحك.
في كل مرة، كانت راحيل تنهض لترقص بناءً على إلحاحهن. كانت وداد تحب رقصها فلا ترفع عينيها عنها. كانت تجدها العجب العجاب فلم تكن قد شاهدت امرأة ترقص بهذه الحرفية والفن من قبل فأصبحت تطلب منها ذلك بنفسها. وحين لا يكون مزاجها رائقاً فترفض الرقص، كانت وداد تحزن وتستاء. هذا الأمر ترك عند راحيل أثراً طيباً. أصبحت تخصها برقصات معينة فتميل عليها وتتمايل امامها وتطلبها لتشارك في الرقص. كانت تفعل ذلك لأنها أحبتها فعلاً، وما غيرتها إلا مظهر من مظاهر عدم الاستسلام إلى الاهمال من قبل بهيرة، وإن هجرتها أبلايتها يوماً بسبب وداد فإنها لن تكرهها، بل ستكره الخوجة التي لا تشبع.
وفي احدى المرات كانت بهيرة جالسة وقد التصقت بوداد. التصقت بها على طريقة عائشة وفريدة ولكن بشكل يوحي وكأنه عفوي. كانت راحيل تراقب أبلايتها بطرف عينها بهدوء ولكنها كانت تحترق في داخلها. كانت منزعجة ولكنها تعلمت كيف تخفي استياءها وغيرتها. نهضت وطلبت من عائشة وفريدة وسعاد ان يعزفن لها لترقص. أرادت ان تفهم أبلايتها انها لن تستطيع التخلي عنها بسهولة.. أرادت أن تثبت لبهيرة أن أي عشق آخر تنساق إليه هو تفاهة بالمقارنة مع عشقها.
عزفت النساء لحناً راقصاً لداوود حسني وراحت وداد تصفق مع الايقاع. نهضت راحيل ثم وقفت أمامهن منفرجة الساقين، بعينين مثبتتين نحو بهيرة وراحت ترقص لها رقصة النحلة.
- رقصة النحلة..؟ سألتُ الشيخ باستغراب فأنا لم أكن قد سمعت بهذه الرقصة من قبل فقال الشيخ:
- نعم، رقصة النحلة.. انها رقصة فاجرة غير مستحبة.
- وهل كانت ترقصها راحيل باستمرار لأبلايتها بهيرة؟
- كلا، كانت المرة الأولى التي ترقصها راحيل في بيت بهيرة. حتى ان الخوجة تفاجأت حين بدأت راحيل رقصتها. المهم هو انها كانت تسدد نظراتها نحو بهيرة وهذه الأخيرة كانت مأخوذة بما كانت صاحبتها القديمة تقوم به.
- هذا شيء مشوق.
- نعم، اسمعني أشرح لك كيف جرى الأمر وما نتج عنه.
- تفضل.
كانت راحيل تمثل وكأن نحلة قد دخلت في ثيابها وهي تسعى للبحث عنها وقتلها. كانت تتوجع بسبب قرصات النحلة، وهي اذ تفعل ذلك فانها تتوجه بكليتها نحو بهيرة. وبهيرة صامتة ومستثارة تتابع ما كانت تفعله راحيل. وفجأة بدأت راحيل تخلع ثيابها قطعة قطعة لتبحث عن النحلة الوهمية. كانت تتأوه وكأنها تتألم من القرص، تتلفظ بكلمة النحلة باحثة عنها بين ثنايا كل قطعة من ثيابها ثم تضطر لخلع تلك القطعة حتى تتمكن من التقاط النحلة. كل ذلك وعيون النساء تتابعها بمتعة، وخصوصاً بهيرة وعائشة وفريدة. أما وداد فقد كانت تتابعها متعجبة من قدرة راحيل على التلوي والتمثيل. كانت تحسب ان ما يجري أمر عادي هنا في بيت الخوجة بهيرة. أمر يتكرر يومياً. وما هي إلا لحظات حتى أصبحت راحيل عارية إلا من لباسها الداخلي المصنوع من الدانتيلا. ولكن النحلة قد تختبئ هناك أيضاً فراحت تبحث عنها في ثنايا لباسها وهي تتلوى على الأرض، وعندما قررت نهائياً ان تخلع آخر قطعة تسترها نهضت بهيرة وأمسكت بها وجرتها بعنف إلى غرفتها.
حصل ذلك وسط دهشة النساء. توقفن عن العزف وبسبب هذا الصمت وصل إلى أسماعهن أنين راحيل التي كانت تبكي بينما كانت بهيرة تكلمها بقسوة. لاحظت سعاد قلق وداد بسبب ما يجري في غرفة المرأتين فتابعت العزف على كمنجتها فلحقت بها عائشة ثم فريدة ثم نهضت سعاد وأمسكت بيد وداد تدعوها للرقص. نهضت وداد، وبما انها لم تكن خبيرة بالرقص فقد قررت ان لا ترقص كي لا تخجل امام أعين النساء الخبيرات. قررت ان تتحرك حسب الايقاع فحسب. مدت يداً وراحت تتحرك بخطوات قصيرة وفق نقرات الدربكة. ثم راحت تريح يداً وتمد الأخرى، وتخطو تارة إلى الأمام وتارة إلى الخلف، مطرقة إلى الأرض بخجل، محمرة الوجه، مبتسمة بأناقة. هذا ليس رقصاً برأيها ولكنها كانت حلوة كسكر نبات. تأخذ العقل. تعلمت حركة جديدة وهي ان تلمس صدغها باصابعها بينما تمسك عكس يدها باليد الأخرى وتتحرك جانبياً. كن يشجعنها بمرح فقد كانت تفعل كل ذلك دون تخطيط، بل بغريزة أنثوية ناعمة. وفجأة شد انتباهها شيء ما، هناك بالقرب من مدخل غرفة بهيرة. كانت بهيرة وراحيل واقفتين هناك تراقبانها بينما كانت راحيل قد لفت نفسها بشرشف أبيض والتصقت ببهيرة التي كانت تحضنها بيدها. كان يبدو على راحيل انها بكت بحرقة. خجلت وداد فجلست ثم أخفت وجهها بيديها.
* * * * *
يتبع
رقصت راحيل رقصة الوداع، فقد كانت قد قررت الرحيل. أرادت برقصة النحلة ان تثبت جدارة منقطعة النظير وان تترك بهيرة وهي في حالة هيام شديد. ظلتا متعانقتين طوال الليل. لم يغمض لهما جفن. كانت راحيل تبكي بينما كانت بهيرة تحضنها وقد عاد اليها ولعها العشقي بصاحبتها التي بسبب وصول وداد افتقدت ذاك الولع. كانتا تتحدثان همساً فقد كانت الأفواه والآذان شديدة القرب.
- ابقي يا راحيل فانا بحاجة إليك.. انت راقصتي وحبيبتي.
- بل سأرحل.. أعرف ما سيحصل لي ولهذا فسأرحل عند الصباح.
- لن يحصل أي شيء، فأنت تتوهمين.. أنا أحبك.
- ستحبين وداد، يجب علي ان أفسح لها المكان طواعية.. أنا لا أحب ان أهجر بعد أن أصبح الحبيبة العتيقة التي مضى زمانها. وأنا أيضاً أحبك يا بهيرة ولكنني أعرف ما سيحصل لي لذلك اتركيني أرحل.
- اكتشفت هذه الليلة انني أحبك يا راحيل، فأنا لم أحب وداد بعد.
- اكتشفتِ..؟ هذا لأنني رقصت لك رقصة النحلة، هل تعلمين لماذا رقصتها؟.. لأنني راقبتك جالسة إلى جانب وداد وملتصقة بها. بدأتِ تحبينها.. شعورك هذا مؤقت فأنا لا أستطيع ان أرقص لك النحلة كل يوم.
- كنت رائعة يا راحيل ولكن لم يكن من المناسب ان ترقصي هكذا امام وداد.. انها لا تفهم شيئاً بعد.
- أعرف، ووداد كانت رائعة في هذا الشيء الذي راقبناها وهي تفعله.. ألم تكن رائعة؟
- لن أتكلم.
- هل تعلمين ان وداد كانت ترقص؟.. رقصها يسلب اللب يا أبلايتي، اجعليها تستمر في رقصها بهذه الطريقة وسترين كيف سيعشقها الناس.
- الناس لن يحبوا هذه الطريقة في الرقص، انه اللارقص.. كانت تتحرك فحسب.. النساء يحبونك انتِ.
- انت مخطئة، أو تقولين ذلك كي ترضيني وتهدئيني. ما هو الرقص يا أبلايتي؟ انه ليونة الجسد، حركات عفوية، انه الرقص من أجل الرقص.. الرقص الجيد يابهيرة غريزي الطابع، فالراقصة تنسى الناس وترقص لنفسها وهذا ما كانت تفعله وداد قبل قليل. انت تعرفين جيداً ماذا يقولون.. الغزالة تغزل على عود.. الراقصة الجيدة هي التي لا تعرف انها ترقص.
صمتت بهيرة. كانت تعرف صحة كل ما كانت تقوله راحيل. لقد أعادت اشعال نار كادت ان تنطفئ في أحشاء بهيرة. كانت تقترب من عشق وداد ولكن راحيل ضربت ضربتها فجعلتها تحتار ماذا تفعل. انها تتمنى الآن ان تمتلك الاثنتين رغم معرفتها جيداً ان ذلك مستحيل. سمعت راحيل تكرر وهي تدفن وجهها تحت اذن بهيرة:
- سوف أرحل غداً.
في الصباح دخلت راحيل إلى وداد لتودعها. وقفت أمام تلك الإنسانة البريئة التي لا تعرف جيداً كيف تسير الأشياء. كانت وداد مرتبكة، تعبث بأصابعها كأنها طفل صغير. سألتها وداد:
- لماذا ترحلين.. فأنا بدأت أحبكِ، بدأت أحبكن جميعاً.
- يجب علي، وأنا أيضاً بدأت أحبكِ.
- إذن لماذا عليك ان ترحلي، ابقي أرجوكِ، سوف نستمر في سهراتنا. لقد أحببت رقصك البارحة.
ابتسمت لها راحيل، انها لا تعرف ما يجري. اقتربت منها وقبلتها. همست لها:
- انسي ما حصل البارحة.
- كنت أريدك ان تعلميني الرقص.. ليست بالضرورة تلك الرقصة..
- ارقصي كما يحلو لك، راقبتك فأحببتك، تابعي على نفس المنوال. سوف يحبونك الناس. إلى اللقاء.
خرجت راحيل من البيت. وقفت النساء يودعنها، بينما فضلت بهيرة ان تظل في غرفتها. مع ذلك شعرت براحة لأنها تحررت منها، فقد كانت تستعد لمغامرة جديدة ستكون وداد بطلتها.
* * * * *
يتبع
جلسنا إلى مائدة الغداء الساعة الثالثة والنصف فقد كانت للشيخ عادات أكابر حلب في النوم حتى وقت متأخر. أي انه يفطر في الحادية عشرة والربع ويتناول طعام الغداء متأخراً بينما يكتفي بكأس من الحليب الساخن في العاشرة مساءً في حين يأوي إلى فراشه في الثالثة بعد منتصف الليل. وبما أنني اضطررت للسهر الليلة الماضية استمع إلى الشيخ يسرد علي بداية الحكاية، فقد اضطررت لمسايرته في مواعيد نومه واستيقاظه وتناوله الطعام. ولم أجد في ذلك أدنى صعوبة، وانا الذي اعتدت على الاستيقاظ مبكراً بحكم عملي في المصرف الزراعي لأنني كنت مرهقاً واضطررت للنوم حتى الظهيرة كي استرد قوتي التي فقدتها في أحداث ليلة أول أمس الفظيعة. لقد وجدت نفسي أحمد الله لأنني لم أمرض بعد أن غسلتني الأمطار وأظن ان السبب في ذلك هو انشغالي بالحكاية في حين انني في العادة أصاب بالزكام إن أنا لم أجفف شعري بعد الاستحمام.. أليس ذلك غريباً؟
أعود إلى الفيلا حيث كنا أنا والشيخ جالسين إلى مائدة الغداء ننتظر الخادم كي يقدم لنا الطعام. كان الشيخ صامتاً كعادته عندما يتوقف عن سرد الحكاية، وكنت في هذه الأوقات أحترم صمته فأصمت بدوري. كان المطر يهطل بغزارة في الخارج وكانت غرفة الطعام الملحقة بالصالون مدفأة جيداً، فقد كانت الحرارة المنبعثة من مدفأة الحطب في الصالون تصل الينا. كان الخادم (وقد عرفت قبل قليل انه يدعى اسماعيل) قد جهز المائدة بطبقتين من الصحون الصينية المزهرة وبثلاثة أزواج من الملاعق والشوك والسكاكين حسب الطريقة الأوروبية لتناول عدة أصناف من الأطعمة والشوربة والحلويات. واليوم اكتشفت انه يفضل ان يجلس الشيخ (وضيوفه) إلى المائدة الفارغة إلا من الأدوات وفوط الطعام ثم يقوم بتقديم الأطعمة حسب الترتيب مما يستدعي ذهابه إلى المطبخ وإيابه منه.
عندما دخل أول مرة ليقدم الشوربة (وكانت بالمناسبة شوربة الخضار بدون دسم) رمقني بنظرة لم أرتح لها ثم سكب لي حصتي وهو يقف فوق رأسي ثم انتقل إلى خلف كرسي الشيخ فسكب له وأثنائها رمقني مرة أخرى ثم خرج. تناولت الشوربة وأنا مرتاح وغير خائف دون أن تؤثر في تلك النظرات غير المريحة التي يطالعني بها اسماعيل، ثم تناولنا شيئاً من سلطة الموسم. ولكنني توجست عندما قدم لنا الطبق الرئيسي، ففي حين قدم لي شريحة لحم محمرة ومطفأة بالحمض والثوم قدم للشيخ طبقاً من الخضار المسلوقة.
لقد بدأت أخاف هذا الخادم وأصبحت أكثر حرصاً على تفحص ما يقدمه لي من أطعمة وشراب. كنت لا آبه لما آكل أو أشرب إن قدم لي من نفس الصنف الذي يقدمه لسيده الشيخ، ولكن ان يقدم لي طعاماً محضراً خصيصاً لي فهذا شيء يستحق التوقف من أجله والتفكير فيه فأنا (واقولها للمرة العاشرة) لم أكن مرتاحاً إليه وأشعر أنه يكرهني ويريد ان يؤذيني أو على الأقل ان يطردني دون أن أفهم دوافعه لذلك. ظللت أحدق في شريحة اللحم دون أن ألمسها بينما كان الشيخ يتناول خضاره المسلوقة بتأنٍ مغالباً الآلام التي يسببها له طقم أسنانه الصناعية. وعندما دخل اسماعيل يحمل أطباق الكريم كراميل كحلويات، ويبدو ان سيده كان يفضلها بسبب آلام لثته، لاحظت كيف تفاجأ لأنني لم أتناول الشريحة ولاحظت أيضاً انه استاء بسبب ذلك. كان يود لو أنني التهمت شريحة اللحم. هذا معناه ان هناك احتمالاً كبيراً ان يكون قد دس فيها شيئاً ليجعل مكوثي في الفيلا أقصر ما يمكن، مع هذا فقد التقط الطبق وأبعده ثم وضع مكانه طبق الكراميل دون أن ينبس بأي تساؤل. التهمت الحلويات ثم قشرت برتقالة وحين انتهيت منها حمدت الله وشكرت الشيخ ونهضت إلى المغسلة.
تركت الماء يسيل على يدي مدة أطول من المعتاد ثم نشفتهما وتأملت وجهي في المرآة ثم ابتعدت عنها لأصطدم باسماعيل. لم يكن يحمل أطباقاً من المائدة ولم يكن خارجاً من المطبخ لأن المغسلة في الجانب الآخر من الفيلا. كان ببساطة، يتجسس علي. ظللنا متواجهين لثوان أزفر في وجهه وهو يزفر في وجهي. كنت أسعى إلى اخفاء اضطرابي وخوفي بينما كان يظهر وقاحة في ثوبمن الأناقة والترفع المعروفين عند خدم قصور الأمراء. لاحظت أيضاً انه يميل إلى السخرية مني وبالتحديد إلى إخافتي. اضطررت للتراجع خطوة إلى الوراء ثم إلى اليمين كي اتابع طريقي باتجاه الصالون لأجلس في مكاني بجانب المدفأة، إلا أنه مد يده يمنعني فنظرت إليه باندهاش فوجدته يسدد نحوي نظرة غير مريحة فيها الكثير من القسوة والسادية. وجدت نفسي أسأل:
- عفواً..؟ فقال بشكل أبقى فيه فمه مطبقاً:
- انت لم تأكل شريحة اللحم. قلت له إنني لست على ما يرام، ثم حررت نفسي وتابعت طريقي بينما كنت أحس أنه بقي واقفاً ينظر إلى ظهري وانا أبتعد.
أسقطت نفسي على مقعدي بجانب المدفأة وأنا ألهث. خفت ان يتبعني إلى هنا قبل ان يأتي الشيخ ولكن مضت دقائق خمس وانا مرتبك وخائف دون أن يأتي بل جاء الشيخ فنهضت لأساعده على الجلوس فشكرني ثم قال:
- سوف نشرب الشاي ثم نصعد للقيلولة وبعدها سنتابع قصتنا. قلت له إنني بحاجة إلى القيلولة أنا أيضاً فهز رأسه ثم صمت، ليدخل الخادم بعد ثوانٍ حاملاً صينية الشاي بعدة من الصيني الفاخر. صب الشاي (طلبت منه ألا يضيف السكر إلى فنجاني) ثم ناول كلاً منا فنجانه وخرج دون أن تلتقي عينانا.. شربنا فنجانينا بصمت بينما ظل المطر يهطل بغزارة في الخارج.
صعدت إلى غرفتي وجلست خلف النافذة أطل من علٍ على الحقول الجرداء التي تغسلها الأمطار. كان أقصى ما يمكنني مشاهدته لا يزيد عن ستين متراً من سياج الحديقة الخلفية. لقد رفضت الاستلقاء في السرير رغم كل المغريات التي يقدمها سرير دافئ في غرفة وسط عالم مبلل بالامطار. كان علي ان أفكر بتصرفات الخادم فقد خططت للتفكير في موضوعه مسبقاً. ماذا يريد اسماعيل؟ هل يرغب في رحيلي؟ لو لم يكن يريدني لكان حاول طردي منذ اللحظة الأولى التي وجدني فيها أمام باب الفيلا وقد ساقتني اليه الكلاب البرية المتوحشة. في الساعة الأولى من دخولي للفيلا شعرت بأنه انسان ودود، حتى إنه جهز لي غرفتي وبدل الشراشف ودفأها وترك لي عدة حلاقة جديدة. ماذا حصل ليتبدل إلى انسان يكرهني ويتجسس علي وربما يحاول أذيتي إن لم يكن يحاول قتلي؟
- ماذا يريد هذا الملعون؟ سمعت نفسي أهمس بصوت مسموع، ثم تساءلت بصوت غير مسموع.. هل دخل الى غرفتي أثناء نومي ليلة أمس؟ أما إذا دخل فعلاً، فكيف دخل وقد قمت بتثبيت قفل الباب وتأكدت من رتاج النافذة؟ ثم ماذا كان يفعل في غرفتي وأنا نائم؟ هل حمل معه سكين؟أو مسدس؟.. أسئلة كثيرة لم أجد جواباً على واحد منها.
فجأة خطر في بالي ان الأمر يتعلق بالحكاية التي يسردها علي الشيخ، فقد تغير موقفه مني بعد أن استأنس لي الشيخ الجليل وراح يحكي لي القصة.. إذن لقد توضح الأمر لذهني المرتبك. لاسماعيل علاقة ما بالحكاية التي يحكيها لي الشيخ، وانا حتى الآن لا أعرف موقعه من الحكاية ولا علاقته بوداد أو بالخوجة بهيرة، فعلي ان أتابع القصة حتى أفهم علاقة الشيخ بكل الحكاية ومن ثم لأعرف علاقة اسماعيل بالحكاية وبالشيخ معاً. ولكن لماذا يحاول اسماعيل منعي من متابعة القصة؟ ماذا سأكتشف في النهاية؟ قررت ان أصارع من أجل البقاء والاستماع، فالقضية ليست حكاية فحسب، بل هي أكثر من ذلك، إنها كشف للمجهول. في هذه اللحظة لفت انتباهي طيف انسان يسير خارج سور الحديقة تحت وابل المطر دون مظلة. نهضت مسرعاً ومسحت الغبش عن زجاج النافذة ثم قربت وجهي ورحت أنظر. كان الرجل يركض فغاب بسرعة عن ناظري قبل ان أتأكد إن كان هو الخادم اسماعيل أم غيره. ماذا كان يفعل اسماعيل تحت المطر ؟ ابتعدت عن النافذة وكدت أجلس من جديد ولكنني فضلت ان استلقي في السرير. خلعت حذائي وأرحت رأسي على المخدة. شعرت بلذة فائقة فأغمضت عيني، فقد كانت نعمة عظيمة أن أحظى بأغطية نظيفة وغرفة دافئة، في هذا الطقس الماطر إلى حد الغرق، رغم قلقي الشديد من تصرفات اسماعيل.
* * * * *
يتبع
قال الشيخ بعد القيلولة:
لم تكن الخوجة بهيرة تقبل ان تذهب وداد معهن إلى حفلات الأعراس التي تمتد عادة حتى الساعات الأولى من الصباح. كانت تردد ان الوقت لم يحن بعد لتخرج الفتاة إلى النور وتتعرف عليها نساء المجتمع. وبسبب خوفها من البقاء وحدها في بيت الفرافرة فقد جاءت لها بخادمة اسمها فاطمة لتستأنس بها حين تكون بهيرة والأخريات خارج البيت. كانت فاطمة قد تجاوزت الخامسة والأربعين بقليل، وكانت أرمنية أضاعت عائلتها أثناء الهرب الفظيع من المذابح في الحرب العامة، فوصلت إلى حلب مع مجموعة من الفتيات الصغيرات كانت تبدو وكأنها أمهن(كانت في الخامسة والثلاثين)، وبعد ان تقاسم بعض التجار الفتيات حيث قاموا بتبنيهن، كانت من نصيب بائع خردة الذي عرض ان يتزوجها على امرأته. كان لها أسم صعب وغير مفهوم فسماها بائع الخردة فاطمة، على أسم أمه المتوفاة، وتركها تعيش في البيت في غرفة صغيرة كانت في الماضي مستودعاً لخردوات التاجر. كان يدافع عنها من بطش زوجته التي كانت تعتبرها خادمة لها ولأبنائها. ومن سوء حظ فاطمة فقد مات التاجر وتركها تحت رحمة زوجته فكانت تضربها كل يوم حتى جعلتها تطفش من البيت، وبكل بساطة حملت بقجة حزمت فيها بعض الثياب المهلهلة وبعض الأطعمة ثم فتحت الباب وخرجت لتتحول إلى خادمة محترفة في بيوت الأثرياء. ويبدو ان الحظ بدأ يبتسم لها حين خدمت في بيت احدى الخوجات المرحات فعاشت في جو من المرح والرقص والغناء فتعرفت على معظم خوجات المدينة وعلى الكثيرات من زوجات الوجهاء. كانت تترك بيت مخدومتها حين تهان أو توجه إليها كلمة فظة أو يكفي ان يأتيها عرض أفضل لتنتقل إلى بيت آخر كما حصل لها حين طلبت منها بهيرة ان تأتي لتخدم في بيتها فوافقت على الفور رغم انها لم تكن على خلاف مع السيدة التي كانت تخدم عندها.
لم تكن فاطمة تتقن اللغة العربية مع ذلك كانت تفهم جيداً ما كان يطلب منها. كانت تتحدث بلغة خاصة بها، خليط من العربية والأرمنية والتركية والكردية وهذا ما كان يضحك وداد. كانت تمضي النهار كله في الكنس والمسح والغسيل. كانت أيضاً تشتري الأطعمة من السوق القريب وتقشر الخضار وتطبخها، وبما أنها جاءت إلى بيت بهيرة بسبب وداد فقد وجدت أن عليها ان تعتني بالفتاة أكثر من أي شخص آخر. لقد أخذتها على عاتقها، حتى أنها كانت ترفض خدمة النساء الأخريات بينما كانت تهرع لخدمة وداد في أي أمر تطلبه. كان هذا مدعاة استنكار من قبل سعاد وفريدة وعائشة. كن يجدنها ظريفة رغم رفضها القيام بخدمتهن، أما عندما ترحل النساء لإحياء حفل زواج أو خطوبة أو أية مناسبة مهما كانت، فقد كانت فاطمة تتفرغ لوداد ولا تبتعد عنها مهما كانت الأسباب. كانتا تجلسان بجانب احدى نوافذ الكشك الخشبي المطلة على الشارع بعد ان تكون فاطمة قد ملحت كمية من بزر البطيخ فتقضمانها وهي تقص على وداد قصصاً وحكايات غريبة، بينما تراقبان الناس الذين يمرون في الشارع الذي يضيئه مصباح من الكيروسين كانت البلدية قد علقته على خشبة خاصة امام باب الدار. أما الأغرب من ذلك فهو فهم وداد لهذه الحكايات التي كانت فاطمة تحكيها بخليطها اللغوي العجيب. وبالفعل فقد كانت وداد تفهم الحكايات بتفاصيلها حتى أنها أصبحت مدمنة عليها وكانت تتمنى ان تخرج بهيرة وصاحباتها من البيت لإحياء حفلاتهن كي تنفرد بفاطمة التي لا يحلو لها ان تحكي حكاياتها إلا عندما تصبحان بمفردهما.
كانت فاطمة تختلق تلك الحكايات من أجل وداد. كانت تحسب ان الفتاة تخاف من الظلام أو من الوحدة فتسعى لتسليتها وان الخوجة بهيرة قد جاءت بها لهذا السبب. أجمل تلك القصص كانت عن شاب تعارك يوماً مع ابن القائم مقام فجرحه جرحاً بليغاً ولكنه لم يمت فاضطر الشاب، وكان اسمه كردو الجبل، الهرب إلى الجبال ليتحول إلى قاطع طريق محترف. كان كردو يغير على المسافرين فيقطع عليهم الطريق ليسلبهم أموالهم. الشيء الجميل في كردو الجبل هو انه كان يفرق بين الأغنياء والفقراء. كان يسلب الأغنياء ويترك الفقراء، لهذا الأمر فقد أحبه الناس واعتزوا به حتى إنهم كانوا يساعدونه فيضللون العسكر الذين يرسلون لقتله. في كل مرة كانت فاطمة تقص على وداد حادثة جرت لكردو البطل. كان كردو يحب ويعشق، ينهب ويساعد المحتاجين، يقتل العسكر ويساعد الجرحى منهم الذين يصابون أثناء قتالهم معه. أصبحت لكردو الجبل عصابة من أمثاله من الشجعان وفي احدى المرات أحبته امرأة أرمنية وصعدت الجبل من أجله. كان يطردها لتعود إلى أهلها ولكنها، بسبب عشقها له، ترفض ذلك حتى إنها أنقذت حياته مرة. قصة كردو الجبل وتلك الأرمنية جعلتها فاطمة ملحمة طويلة بعشرات الحكايات المتفرعة التي كان موضوعها الرئيسي هو العشق والبطولة. كان من المفترض أن يكون العسكر قد استطاعوا أخيراً قتل كردو والأرمنية والقاء القبض على أعضاء عصابته الآخرين ولكن فاطمة كانت ترفض ان تصنع لملحمتها نهاية حزينة خوفاً على مشاعر وداد التي أحبت بدورها قاطع الطريق، مما جعلها تستمر في اختلاق أحداث جديدة وقصص أخرى عن كردو الجبل الذي لا يقهر.
أصبح لكردو الجبل هيئة خاصة في ذهن وداد وبنت له في تصوراتها وجهاً جميلاً وجسداً قوياً. كان مهيباً يخافه أعداؤه، حتى أصدقاؤه ورجال عصابته كانوا يهابونه. كانت وداد تطلب من فاطمة ان تصف لها المواقف التي كان يتعرض لها كردو بالتفصيل، كيف كان يقف كردو؟ كيف كان يتكلم؟ هل كان يقاتل منبطحاً أم أنه كان يطلق النار معتلياً فرسه؟
اما الأرمنية الشجاعة فقد اتخذت لها شكلاً شبيهاً بها. لقد أحبت كردو لذلك جعلت نفسها الفتاة الأرمنية. وعندما كانت تحلم بمغامرات كردو وعصابته، كانت ترى نفسها إلى جانب ذلك البطل الذي دوّخ العسكر وسلب النقود من الأغنياء ليمنحها للفقراء. أما قسمات وجهه فلم تكن محددة. كان جميلاً وقوياً ولكنه لم يكن يشبه أحداً من الرجال الذين عرفتهم وداد (لم تعرف وداد رجالاً لهم نفس الصفات) كانت تحب عبدو السنكة ولكنه لا يمكن ان يكون يوماً كردو الجبل، ومحبتها له لا تشبه محبتها لكردو، لهذا لم يكن وجه كردو واضحاً. فكرت انه قد يشبه، إلى حد ما، اليوزباشي جودت الذي عشقته أمها فهربت من أجله من بيت الموسيقى (بيت بهيرة) ولكنها لم تظفر به بل افتقدته إلى الأبد.. وجعلها ذلك تعيش بقية حياتها في تلك المحطة المملة.
تعلق وداد بفاطمة وحكاياتها أقلق الخوجة بهيرة. جعلها تفكر جدياً بطرد الخادمة. لقد أتت بواحدة كبيرة السن ولا تجيد التحدث باللغة العربية كي تمنع أية علاقة قد تنشأ بين وداد وبينها، ولكن فاطمة استطاعت امتلاك قلب وداد ومصادقتها. جعلتها حكاياتها أكثر ميلاً للعزلة والتأمل وأكثر ابتعاداً عن بهيرة. لماذا إذن تقوم بعزلها عن الناس؟ لقد منعتها من الخروج منذ وصولها، فهي تخاف عليها. تخاف ان يراها رجل فيموت فيها فيرغمها على محبته ثم يقوم بخطفها ويرحل بها؟..
تخاف عليها أيضاً من النساء. بسبب شغلها لا تستطيع ان تكون معها ليلاً نهاراً، لهذا الأمر فقد جاءت بفاطمة الأرمنية كي تحرسها وتسليها ولكن لا لتجعلها تتعلق بحكايات وهمية فتصر على الاستماع اليها كل ليلة حتى ولو كانت بهيرة في البيت.
هناك أمر مخيف أسكنته فاطمة في قلب وداد دون أن تشعر بأنه من الممنوعات في بيت الخوجة بهيرة. انه الحلم بالرجل، هؤلاء الكائنات المخيفة، أعداء الخوجة الألداء. لقد منعتهم من دخول بيتها منذ وصول وداد خوفاً عليها، وإذ بفاطمة تحضرهم بحكاياتها عن كردو الجبل. أخطأت وداد مرة فذكرته بحب بينما كن جالسات إلى مائدة الغداء. قالت وداد ضاحكة بأنها تتمنى ان تتزوج يوماً من قاطع طريق وتهرب معه الى الجبال. تجمدت الحياة وتوقفت النساء عن تناول الطعام والمضغ. استدارت سعاد وعائشة وفريدة ليعرفن رد فعل بهيرة. كن يعلمن بأنها تنتظر الوقت الملائم لتبدأ بتهيئة الصبية حسب مزاجها ولتجعلها فتاتها. كانت بهيرة تمضغ طعامها بصمت. كانت ترمق فاطمة التي تجمدت من الخوف، فقد كانت تعرف السبب. كانت تعرف انها أوصلت وداد إلى حالة المستحيل بحكاياتها. أوصلتها إلى حالة الحلم بالرجل.. فقد كانت قد سمعت كثيراً عن بهيرة وعن حبها للنساء، وكان حسها كامرأة قد قادها للاعتقاد بان وداد تجهز لأن تصبح عشيقة للأبلاية الكبيرة، ولهذا الأمر فقد طلبت من وداد ألا تأتي على ذكر موضوع حكاياتها إلى أيٍ كان.
انتهين من تناول طعام الغداء وقبل ان تغسل فاطمة الصحون استدعتها إلى غرفتها. أغلقت الباب وراحت تستنطقها:
- ماذا فعلت يا فاطمة؟.. أنا لم آت بك إلى هنا لتسيئي إلي. فأجابتها فاطمة بخليط لغتها العجيب:
- فعلت..؟ أنت قلت لي .. أخدم وداد.. فاطمة وسلي بنت.
- أنا لم أطلب منك أن تحدثيها عن قطاع الطرق.
- حكى أنا مرة.. هو حب مرة ثانية.
- جعلتها تحب قطاع الطرق.. والأسوأ من ذلك ان تحب الرجال، هذا الشيء الممنوع في بيتي.. لا أريدها أن تثق بالرجال.
- هو بنت..
- نعم يا فاطمة، وداد بنت (اضافت بعصبية) أنا لم آتِ بك إلى هنا لتفهميني ذلك.. اريد منك أن ترحلي فوراً.
- يا ويلي..!!
- لم أعد أريد خادمة.. سوف أهتم بوداد بنفسي.
صمتت فاطمة. لقد تعلقت بوداد. جاءت لتخدمها وتسليها فتعلقت بها إلى الحد الذي بامكانها ان ترجو الخوجة وتقبل يديها ورجليها لتبقيها. لأول مرة في حياتها يمكنها ان تتوسل الست لتبقيها.
- ماذا حصل لها.. هل عشقتها؟ سألتُ الشيخ فقال:
- لا.. فاطمة ليست من هذا النوع. تستطيع ان تقول إنها شعرت وكأنها أصبحت أماً. هل تدري ان فاطمة لم تلد ولداً لبائع الخردة الطيب؟ لم تهتم لذلك حينها لأنها شاهدت بأم عينها كيف يذبح الأطفال ويموتون جوعاً.. يمرضون ويتقيئون ويسحقون تحت الأقدام. شاهدت كيف تموت الأم وهي تبكي على صغيرها الذي ستتركه وحيداً في هذا العالم المجنون. حينها تمنت ألا تلد أبداً وألا تصبح أماً. لم تعرف ذلك الشعور الخاص بالأمهات تجاه أولادهن وبناتهن. وعندما استخدمتها الخوجة بهيرة للاعتناء بوداد، ومنذ اليوم الأول، تملكتها مشاعر الأمومة. كانت تخدم وداد كما تخدم الأم ابنتها.
- هذا شيء طيب.. ووداد، كيف كان شعورها؟ فقال الشيخ:
- لقد أحبت الصبية خادمتها لأنها عوضتها أمها المدفونة في ميدان اكبس. كانت تستمع إلى حكاياتها وتشتاق إليها. كانت في كثير من الأوقات تستمع وهي تسند رأسها إلى كتف فاطمة وذهنها سارح في العوالم التي تبنيها في مخيلتها. عوالم الحكايات وكردو والأرمنية. كل قصة من الحكاية وكل جملة كانت تتحول فوراً إلى صور تتتابع في رأسها. في كثير من المرات كانت تغفو وهي تستنشق رائحة خادمتها. بعد مدة أصبحت تلك الرائحة أكثر إلفة فاختلطت الروائح على وداد فلم تعد تفرق بين رائحة أمها بديعة وبين رائحة فاطمة. تطابقت الرائحتان وتحولتا إلى شيء واحد.
سألت الشيخ وأنا أريد أن أعرف ماذا حصل بعد أن طردتها بهيرة:
- وهل رحلت فاطمة؟
- رحلت..
كانت وداد قابعة في احدى الزوايا تبكي حينما دخلت عليها فاطمة لتودعها. كانت تحمل أغراضها وقد ارتدت ثياب الخروج وربطت رأسها بمنديل. توقفت وداد عن البكاء ثم نهضت واحتضنتها. صارت تبكي على صدرها غير آبهة لدموعها التي تشربها قماش الثوب. ظلتا على هذه الحال مدة ثم همدت وداد. راحت تنتفض فحسب وهي تتأوه. همست في اذن فاطمة التي كانت تربت عليها برفق:
- إنني أكره الخوجة بهيرة.
- لا تكره خوجة.. هو يعرف مصلحة انتَ.. هو يخاف عليك.
- خذيني معك يا فاطمة.
- صعب وداد حبيبي.. أنا خدام بيوت.. انت ست ستات.
- قولي لي إذن، أين ستذهبين، سوف أحاول جعل الخوجة بهيرة تعيدك إلى هنا؟.
- خوجة بهيرة عنيد.. انت ما تحسن عليه.
- بل سأحاول .. قولي أرجوكِ.
- فاطمة ما يعرف.
- عديني أن تتصلي بي وتخبريني عن مكانك حالما تسكنين في أحد البيوت.. أريد أن أعرف ما سيحصل لكِ.
- جوك غوزال.
حينها أبعدت وداد رأسها عن فاطمة. أمسكت بها ثم قبلتها وهي تبتسم ولكن أية ابتسامة هذه بين الدموع وبعينين حمراوين وانف رطب؟ كانت لذيذة فابتسمت لها فاطمة أيضاً. وجدت وداد نفسها تعترف لها:
- أنت الآن أمي.. دعيني أناديك يا أمي..
أحبت فاطمة ذلك. شعرت بسعادة عوضتها اقتلاعها من البيت. ودعتها ثم خرجت. لحقت بها وداد إلى الحوش. كانت هناك عائشة وفريدة تقفان إلى جانب بركة الماء. كانتا ملتصقتين بينما وقفت سعاد قرب الدهليز. شاهدت ألم وداد التي كانت تلحق بخادمتها وهي تدور حولها بقلق. بعد قليل انصفق الباب. حاولت سعاد لمس وداد لتظهر لها تفهمها وعطفها ولكن الصبية هرعت فوراً إلى غرفتها وأغلقت بابها خلفها. كل ذلك شاهدته الخوجة بهيرة من نافذتها المطلة على الحوش.
كانت قد أحبتها.. عشقتها.. كم هي لذيذة وهي باكية، تعيسة، محمرة العينين والأنف. كانت قد أطلقت على أمها اسم " سكر نبات ". إنها تستأهل الاسم مثل أمها، بل أكثر.
شعرت بالسعادة لأن الله رزقها بوداد. شعرت بالسعادة على الرغم من احساسها بأنها أصبحت تكرهها بعد أن قامت بطرد فاطمة. من أجل ذلك عليها ان تفعل شيئاً، ان تهتم بها حتى ولو كان ذلك على حساب حفلاتها التي تقيمها للناس. لتذهب حفلات النساء إلى الجحيم. إلى الجحيم هن وأعراسهن. سوف تتفرغ لحبيبتها. لقد تعلقت وداد بفاطمة لأنها بحاجة إلى حنان. أحبت قصص قطاع الطرق الأبطال لأنها تريد أن تحب وان تكون محبوبة.
شعرت بهيرة بالغيرة من أبطال فاطمة الخياليين. هي تعرف ان هؤلاء لن يلبثوا ان يتحولوا إلى رجال حقيقيين ولكن بأسماء وهيئات أخرى. تركتها تعيش هنا دون أن تعرض عليها حنانها خوفاً من ان تجفل. تركتها تعتاد جو البيت وطرق عيشه ومن ثم كانت ستعرض عليها رغبتها. كانت تفرح حين كانت وداد تراقب عائشة وفريدة وهما تلتصقان الواحدة بالأخرى، تتبادلان القبلات والملامسات دون حرج. كانت وداد تضحك بسبب رؤيتها لما تفعلان. كانت تتسلى بالنظر اليهما بينما بهيرة تراقبها خلسة لتعرف ردود فعلها.. تراقب تنفسها ولحظات عينيها ورطوبة شفتيها لتتأكد إذا ما كانت قد نضجت أم لا..
لقد جاء حرصها الشديد في التعامل مع كل صبية بعد تلك الحادثة مع صبيحة التي ضمتها إلى فرقتها كمغنية مبتدئة. كانت قد هربت من بيت أهلها لتصبح مغنية وعندما دعتها بهيرة هرعت إليها على الفور. كانت سمراء بشعر أسود كالليل إلا أنها كانت رقيقة التقاطيع لا يوجد فيها شيء خشن (هناك كثير من النساء اللواتي لهن أشكال خشنة وطباع رقيقة مثل الخوجة بهيرة بالذات) دقيقة الفم والأنف والعينين. كانت مرحة تضحك باستمرار حتى وهي تغني. أحبتها بهيرة منذ اللحظة الأولى وزاد عشقها لها مع استمرار تدريبها لها على الغناء. وفي أحد الأيام تحرشت بها بهيرة فمدت يديها إليها فضمتها ثم راحت تقبلها. كانت المفاجأة عظيمة على صبيحة، فقد انتفضت بقوة ثم خلصت نفسها من حضن خوجتها. شعرت بريبة شديدة واحمر وجهها وارتبكت على الرغم من ضحكها الذي جاءت به لتتوازن وتتماسك. أما بهيرة فقد شعرت منذ تلك اللحظة أنها ليست لها وان صبيحة ستهرب وتعود إلى بيت أهلها، وهذا ما حدث فخسرت حبها مما أثر في حالتها، وكان على صديقاتها وأعضاء فرقتها أن يواسينها طويلاً لكي تنسى المغنية المبتدئة.
كانت بهيرة في تلك اللحظة، تقف خلف نافذتها بشكل موارب كي لا تراها النساء من الحوش. كانت تقف دامعة العينين، فهي تعرف انها قد ظلمت وداد وظلمت فاطمة بسبب عشقها الذي لم تجد، حتى الآن، المناسبة اللازمة لكي تعلنه.
هل هو حرام ان تعشق؟ ان تحب؟ يقولون عنها انها ليست طبيعية، وانها ابنة عشرة وكان عليها ان تتزوج من رجل يسمح لها بالعمل في الافراح كما فعلت الكثيرات من صاحبات المهنة. هذا ليس صحيحاً. انها تكره الرجال.. على كل انسان ان يحب كما يحلو له، والمهم ان يكون المحبوب جميل الروح والطلة والله جميل ويحب الجمال. أما ان يكون المحبوب رجلاً أو امرأة فهذا غير مهم. المهم هو المحبة.
بالنسبة لها فهي لا ترتاح مع الرجال. لا يثيرها الرجل ببشرته الخشنة المشعرة وبشاربيه ونحنحاته وصوته الجهوري. خلقها الله هكذا تحب النساء. تحب البشرة الناعمة والصدور الناضجة. إنها تحب رائحة المرأة وتكره رائحة الرجل. بسبب ذلك أحبت الكثيرات، واحدة منهن كانت بديعة أما الآن فوداد.
من مكانها خلف زجاج نافذتها راقبت عائشة وفريدة. كانتا متعانقتين وهما تخطوان نحو الإيوان بحزن. كانتا قد تأثرتا بانفطار قلب وداد على خادمتها. جلستا هناك على الأريكة. أسندت عائشة ظهرها إلى المسند واحتفظت برأس فريدة مرتاحاً على صدرها وهي تلاعب شعرها. ظلتا ساكنتين علىهذه الحال فملَّت بهيرة الوقوف إلى جانب نافذتها فتركتها واستلقت على السرير. مسحت الدموع التي رطبت وجنتيها النحيلتين ثم تنهدت. إنها عاشقة هذه المرأة التي تشبه الرجال..
تركتها ذلك اليوم حابسة نفسها في غرفتها. لم تكن الليلة ليلة عمل فبقين في البيت. ران صمت ثقيل على الحوش إذا استثنينا وقع أقدامهن وهن يمرقن إلى هنا وهناك، ثم حاولت سعاد الدخول إلى غرفة وداد لإطعامها ولكنها اضطرت لترك الصحون والخروج، فمن الأفضل عدم التحرش بها اليوم. لكنها وجدت طريقة مبتكرة لتغيير الجو ومخاطبة وداد. أمسكت كمنجتها ثم وقفت خارج باب غرفتها وراحت تعزف لها.عزفت لها مقاطعاً طويلة من أغان لمحمد عثمان وداوود حسني ومحمد عبد الوهاب.
استمعت وداد إلى صوت الكمان الشجي. كانت سعاد بارعة في العزف فجعلتها تنسى مؤقتاً كراهيتها لبهيرة. ابتسمت لمقطع مرح، عندها شعرت بالجوع فاقتربت من الصحون التي أتت بها سعاد وراحت تأكل. ظلت سعاد تعزف ساعة كاملة وحين انتهت، دفعت الباب وأطلت إلى الداخل. رأتها جالسة في سريرها وقد أسندت رأسها إلى قبضتها. كانت قد تناولت شيئاً من الصحون فابتسمت لها مشجعة ثم أغلقت الباب من جديد.
* * * * *
يتبع
في الصباح الباكر، تسللت بهيرة إلى غرفة وداد. كانت نائمة فوقفت بجانب السرير تتمعن جمالها الغافي. كانت قد ثنت ركبتيها ووضعت يدها على المخدة كأنها تنظر اليها. شعرها الأشقر الذي جعدته لها بهيرة تناثر بلا انتظام بينما ارتاحت خصلة صغيرة باستسلام على عنقها الأبيض كالثلج. كم كانت لذيذة وهي نائمة. لو لم تكن خائفة عليها ان تستيقظ مذعورة لمدت يدها وتلمستها.
كان بياض بشرتها أكثر مما توقعت الخوجة المجربة. يبدو ان النائمات يبدون أكثر جمالاً وبياضاً مما نراهن وهن صاحيات. كانت طريقة نومها هي التي جعلت بهيرة تستنتج نظريتها الجديدة فقد كان ثوبها قد ارتفع الى منتصف فخذها بينما لم يكن ملتصقاً على صدرها بسبب ارتخاء ثدييها.
قرفصت الخوجة واستندت بمرفقيها على السرير ثم أراحت رأسها على يديها وجعلت تراقب وداد النائمة بلذة. تمعنت جبهتها ثم انسياب انفها حتى الارنبة لينكسر بعد ذلك باستدارة خفيفة نحو الشفة. الشفتان ممتلئتان ومتجعدتان، ثم يستدير الذقن ويلتف إلى عنقها.
هنا لاحظت سر تشابهها مع أمها بديعة، في طريقة استدارة الذقن وانسياب الأنف، ولكن زاوية العين المغمضة تبدو غريبة على بهيرة. هل ورثت ذلك عن أبيها اليوزباشي جودت؟ هل كان جميلاً إلى هذا الحد؟ إذا كان ذلك صحيحاً فهذا معناه انها ورثت عنه أيضاً تلك الحركات الموزونة والهادئة التي تأخذ العقل، تلك الحركات التي لا تسمى ولا توصف، والتي قالت عنها راحيل إنها رقص بديع.
تحركت وداد لتزيل الخدر عن يدها المركونة أمامها على المخدة ففتحت عينيها. شاهدت وجه بهيرة يطل عليها قريباً منها وهي مقرفصة بجانب السرير.كانت في الحالة المترجحة بين النوم والصحو. ارتجفت من الخوف وقد توسعت عيناها. لاحظت بهيرة رعبها فابتسمت لها ومدت يدها تلمس وجهها عند الخد والعنق. ارتاحت وداد فقد عرفت انها بهيرة فأغمضت عينيها دون أن تعود للنوم. قالت بهيرة بصوت خافت ورقيق:
- صباح الخير.. دخلت لأطمئن عليك. أعرف أنك تكرهينني ولكنني فعلت ذلك لأنني لا أريد أن أخسرك مثلما خسرت أمك قبلك. كنت أحبها ولكن رجلاً جاء وخطفها مني. جعلها تعيش كالفلاحات في احدى القرى على الحدود. لقد أرسلتك إلي بنفسها لتطمئن عليكِ قبل أن تموت. رحمة الله عليها فقد عرفت كم أخطأت وهي لا تريدك أن تصدقي الرجال والعسكر وقطاع الطرق. أنا أحبك ولا أريد ان أخسرك. أنت تكرهينني الآن ولكنك ستفهمين فيما بعد لماذا فعلت ذلك.. السبب هو حرصي عليكِ.
كانت وداد تنظر مباشرة في عيني بهيرة وهي تستمع إلى ما تقول. لم تكن تحب كلامها ولم تكن تكرهه. كانت تستمع فحسب. تابعت بهيرة:
- لن اترككِ بعد الآن أمانة عند أحد. سوف ترافقينني إلى حيث أذهب.. إلى الأفراح والأعراس التي نقيمها. انت حبيبتي وسوف تظلين إلى جانبي.
راحت تمسح بيدها على شعرها ثم أذنها نزولاً إلى عنقها، ولكن حنق وداد ظل يفرض نفسه رغم رقة بهيرة التي تبديها لها. قالت وداد معاتبة:
- كنت قد بدأت أشعر بميل كبير نحو فاطمة. كانت تحبني مثل أمي فناديتها ماما.
صمتت بهيرة لهذا الوصف وشعرت برجفة. تابعت وداد:
- أنا لن أهرب مع قاطع طريق كما هربت أمي مع اليوزباشي جودت.
- لا أريدك أن تحبي الرجال.
- لماذا؟ كان هناك، في ميدان اكبس الكثير من الرجال. لم أحب سوى عبدو السنكة، ولكنني لم أفكر بالهرب معه. انه مسكين..
- لا تثقي بالرجال، إنهم أنانيون. نحن النسوان نفهم بعضنا بعضا أكثر وبشكل أفضل. أنا لا أريدك أن تصبحي خادمة لرجل في بيته إذا ما خرجت من بيتي ولحقت به.
- بالعكس، أحب ان أبقى، فأنا أحبك وأحب سعاد وعائشة وفريدة.
- إذن فأنت لا تكرهينني..
- أنا لا أكرهك وأريدك أن لا تكرهي فاطمة.. أعيديها وسوف أتوقف عن طلب الحكايات.
- انسيها .. سوف أكون مثل أمك أنا أيضاً.
عبست وداد. انها تريد فاطمة وإن عادت فإنها ستحب بهيرة. استدارت وجعلت بهيرة خلف ظهرها. زفرت الخوجة. إنها لا تريد فاطمة لأنها تحاول صنع مخيلة لوداد تجعلها تسرح بعيداً عنها. انها تريدها ملكاً لها بشكل كامل. تريدها كائناً لم يدنسه الرجال حتى ولو في المخيلة.
لمست فخذها برفق تطلب منها ان تستدير ولكن الفتاة لم تتحرك. سوف تصبر عليها بهيرة كما يصبر حبيب على حبيبته. ظلتا على هذا المنوال.. وداد تعطيها ظهرها ومؤخرتها وبهيرة مقرفصة بجانب السرير ويدها ممدودة تتحسس فخذها ثم تصعد بها إلى وركها.لاحظت بهيرة بأنها لا تمانع ولا تزيح لها يدها. إنها تتقبل ملامساتها ويبدو انها تعودت على هذه الأشياء لكثرة مشاهدتها عائشة وفريدة وهما تتلامسان. نهضت وجلست على السرير فالتصقت بها واستندت بكوعها على المخدة بحيث يدغدغ شعر وداد يدها. أصبحت الآن تتلمس ذراع الفتاة ثم كتفها نزولاً حتى عنقها. كم هو ممتع دلال وداد وملمس بشرتها. كان رأس بهيرة فوق رأسها مباشرة فلاحظت انها مفتوحة العينين تنظر بثبات إلى حشرة نائمة على الجدار. تابعت تحادثها:
- هل تعلمين ما هو الحب؟ أصبحت بسن يسمح لك ان تعرفي شيئاً عن الحب. انه مثل ان تتعلقي بشخص ولا تستطيعين الابتعاد عنه. انه مثل ان تحب الفتاة أمها ولا يشبه ذلك أيضاً. عائشة وفريدة تحبان بعضهما بعضا. لقد وهبنا الله هذا الامتياز بان يحب الانسان انساناً آخر.. انه النقيض للكراهية. ان تحب امرأة هذا معناه انها تتفانى فيمن تحب. بلا سبب وبلا هدف أو مصلحة. الرجال يحبون المرأة لأنهم أنانيون، أما المرأة فهي تحب لتعطي.. الرجل يأخذ ويرهن مستقبل المرأة له فقط. انه يجعلها تحبل لتلد له الأطفال، يجعلها تخدمه في البيت، فتطبخ له وتكنس وتسهر على راحته. أما راحتها هي فلا قيمة لها. عندما تحب المرأة امرأة أخرى فالهدف هو الحب، وفقط الحب.. بلا أطفال والاثنتان تتعاونان وتخدمان بعضهما بعضا. إنه الحب الصافي.. حبنا يشبه حب المتصوفة.
كانت وداد تستمع اليها جيداً، فلم تعد تنظر إلى الحشرة فحسب. كانت دقات قلبها تنتقل إلى جسد بهيرة بفعل تماسهما. قررت بهيرة ان تعترف لها. لقد آن الأوان. اقتربت أكثر وهمست:
- ذات مشاعر الحب الصافي بدأت أشعر بها نحوك. أنا أحبك.. طردت فاطمة لأنني خفت أن تحبي رجلاً ولا تحبيني.. خفت أن تكرهيني بسبب ذلك، ولكن أعذريني، فالتي تحب تصبح مقاتلة دفاعاً عن حبها. تتصرف في بعض الأحيان بدناءة.
صمتت الخوجة بهيرة. كانت وداد تنتظرها لتكمل، فقد أحبت ما قالته، وعندما طال سكوتها استدارت لتواجهها. كان وجهها يبعد عن وجه بهيرة بمقدار شعرة فتلقت كل واحدة أنفاس الأخرى. كانت تبحث في عيني الخوجة عن تلك الكلمات التي انتظرتها لتقولها فوجدتها تنظر في عينيها نظرة غريبة على وداد. كانت بهيرة ضعيفة، متوسلة وصادقة. كان هناك شيء آخر عرفته صدفة في عيون عائشة وفريدة ولم تعرف كيف تسميه. شيء يذبل العينين ويجعل النفس حاراً والشفاه رطبة ومنفرجة.
أغمضت بهيرة عينيها ثم أنزلت شفتيها مقدار الشعرة فأطبقت على شفتي وداد.
* * * * *
إلى الفصل الثالث
http://tn3-2.deviantart.com/fs18/300W/i/2007/153/b/7/Catch_the_cloud_by_SaraBunny.jpg
وحتى الفصل الثالث
ألقاكم على خير
:)
vBulletin® v3.8.3, Copyright ©2000-2010, Tariq Alwarhi