شتى
06-04-2007, 11:01 AM
http://www.maktoobblog.com/user_files/alasfar-mohammad/images/milan_18.jpg_200_-1[1].jpg
ميلان كونديرا في نص جديد: «مئة عام من العزلة» وداع للرواية
http://www.maktoobblog.com/user_files/alasfar-mohammad/images/8725-avr-06-pigeon.jpg
يسلط الروائي التشيكي الفرنسي ميلان كونديرا الضوء، في ثلاثة نصوص جديدة، على مفهوم «الحكمة الوجودية» في الرواية. والنصوص الثلاثة نشرها ملحق «عالم الكتب» في صحيفة «لوموند» الفرنسية، وتتناول ثلاث روايات كبيرة هي: «الأبله» لدوستويفسكي، و«مئة عام من العزلة» لغبريال غارسيا ماركيز، و «آهة مور الأخيرة» لسلمان رشدي. ننقل هنا النص الذي تناول فيه رواية «مئة عام من العزلة»، وعنوانه «الرواية والولادة».
«تعتبر رواية «مئة عام من العزلة» لغبريال غارسيا ماركيز أشبه بانتصار للرواية. إلا أنها، وعلى نحو مناقض، تعلن انتهاء حقبة، هي حقبة جعلت من الفرد «أساس كل شيء».
في سياق قراءة رواية «مئة عام من العزلة» راودتني فكرة غريبة، أبطال الروايات الكبيرة لا أطفال لهم، فبالكاد واحد في المئة من «سكان» الرواية لا أطفال لديهم، إنما خمسون في المئة على الأقل من كبار الشخصيات الروائية تنهي روايتها من دون أن تشهد إعادة ولادة لحياتها. وشخصيات الروايات على غرار بنتاغرويال وبانورج ودون كيشوت وفالمون وماركيزة ميرتوي في رواية «العلاقات الخطرة» وتوم جونز، وهو من أشهر شخصيات الروائي هنري فيلدنغ، جميعها لم تترك أي شخصية أخرى تخلفها. وتأكيداً على ذلك، فإن غالبية أبطال ستندال لا أطفال لهم (أو لم يلتقوا أبداً بأطفالهم) والأمر مماثل لدى أبطال روايات بلزاك ودوستويفسكي. ويضاف إلى هذه السلسلة أبطال رواية مارسيل بروست في «البحث عن الزمن الضائع» وأبطال موزيل، أولريش وأغاثا ووالتر وزوجته كلاريس وديوتيم وشفيك. وينضم إلى هذه السلسلة أيضاً أبطال فرانز كافكا، ما عدا شخصية كارل روسمان الذي جعل خادمتهة حبلى فعمد إلى الهروب إلى أميركا في محاولة لمحو أثر الطفل من حياته، فتولد حينئذ الرواية. ولم يظهر هذا العقــــم عن سابق تصور وتصميـــم لدى الروائيين، إنما ظهر من التفكير في فن كتابة الرواية (أو العقل الباطن لفن الرواية) الذي ينفر من فكرة الولادة.
ولدت الرواية مع الحداثة التي جعلت من الفرد «أساس كل شيء»، وفقاً لوصف هيدغر. فبفضل فن الرواية أصبح في إمكان الإنسان أن يعيش في أوروبا بصفته فرد مجتمع. وفي حياتنا الواقعية، لا نعرف تفاصيل الحياة والدينا قبل ولادتنا. نحن لا نعرف أقرباءنا سوى من خلال معلومات متناثرة، ونشهد قدومهم ورحيلهم، وما إن يذهبوا حتى يأتي الغير ليحل مكانهم، إنهم سلسلة كائنات قابلة للاستبدال. وحدها الرواية تستثني الفرد فتميزه وتبرز جوانب حياته كاملة وأفكاره ومشاعره فلا تجعلها قابلة للاستبدال: هو محور كل شيء.
حين يموت دون كيشوت تختتم فصول الرواية، وختامها نهائي لأن ليس لدون كيشوت ولد يخلفه، ولو حدث وإن كان لدون كيشوت ولد، لتمت إطالة حياته وتقليدها أو إثارة الجدل في شأنها، أو تم الدفاع عنها أو مهاجمته. فموت الأب يترك الباب مشرعاً على الاحتمالات. ولقد اعتدنا سماع هذه الجملة منذ طفولتنا: أولادك استمرار حياتك، أولادك خلود حياتك. وإذا استمرت قصة الفرد إلى ما بعد حياته فذلك يعني أن حياته ليست كيان مستقلاً ب ذاته، بل إنها كيان غير مكتمل ولا مغزى له بذاته. وذلك يعني أيضاً أن جوهر الفرد أو ما رضي أن يكون جوهره ونسيانه فيه من مادية الحياة على الأرض وواقعيتها المتمثلة بالعائلة والذرية والقبيلة والأمة. وما سبق أن ورد يشير إلى أن الفرد، وهو «أساس كل شيء»، ليس هو سوى وهم ورهان زائل وحلم رسمته قرون الفكر الأوروبية.
وفي رواية «مئة عام من العزلة»، يبدو للقارئ أن فن الرواية منبعه الحلم، ولم يعد محور الاهتمام الفرد، إنما قافلة أفراد، كل واحد منهم فريد بذاته، إلا أنهم يمرون ويمضون كشعاع الشمس الهارب الذي يداعب ماء النهر. كل منهم يمضي مدركاً وحاملاً مستقبله المحكوم بالنسيان، فلا أحد منهم يبقى على مسرح الرواية من البداية حتى النهاية. العجوز أورسولا، على سبيل المثل، الأم الكبرى في عائلة بوينديا ماتت عن عمر مئة وعشرين سنة واستمرت الرواية بعد مماتها. ويتجسد الاستمرار أيضاً من خلال أسماء الشخصيات المتشابهة، أركاديو خوسيه بوينديا وخوسيه أركاديو، وخوسيه أركاديو الثاني وأوريليانو بوينديا وأوريليانو الثاني، والهدف من ذلك طمس معالم الشخصيات التي تميز الواحدة منها عن الأخرى، فيضيع بينها القارئ. ويبدو أن هذه الشخصيات لم تعد تنتمي إلى زمن الفردانية، فإلى أي زمن تنتمي؟ أتراها تنتمي إلى زمن يعود بها إلى زمن الهنود في قارة أميركا؟ أو ربما إلى المستقبل الآتي حيث الإنسان الفرد يذوب بفرديته في بحر البشرية؟ إنما يبدو لي أن هذه الرواية، التي تعتبر قمة الفن الروائي، هي في وداع كبير لحقبة الرواية.
محمد الأصفر
ليبيا
________________
ميلان كونديرا في نص جديد: «مئة عام من العزلة» وداع للرواية
http://www.maktoobblog.com/user_files/alasfar-mohammad/images/8725-avr-06-pigeon.jpg
يسلط الروائي التشيكي الفرنسي ميلان كونديرا الضوء، في ثلاثة نصوص جديدة، على مفهوم «الحكمة الوجودية» في الرواية. والنصوص الثلاثة نشرها ملحق «عالم الكتب» في صحيفة «لوموند» الفرنسية، وتتناول ثلاث روايات كبيرة هي: «الأبله» لدوستويفسكي، و«مئة عام من العزلة» لغبريال غارسيا ماركيز، و «آهة مور الأخيرة» لسلمان رشدي. ننقل هنا النص الذي تناول فيه رواية «مئة عام من العزلة»، وعنوانه «الرواية والولادة».
«تعتبر رواية «مئة عام من العزلة» لغبريال غارسيا ماركيز أشبه بانتصار للرواية. إلا أنها، وعلى نحو مناقض، تعلن انتهاء حقبة، هي حقبة جعلت من الفرد «أساس كل شيء».
في سياق قراءة رواية «مئة عام من العزلة» راودتني فكرة غريبة، أبطال الروايات الكبيرة لا أطفال لهم، فبالكاد واحد في المئة من «سكان» الرواية لا أطفال لديهم، إنما خمسون في المئة على الأقل من كبار الشخصيات الروائية تنهي روايتها من دون أن تشهد إعادة ولادة لحياتها. وشخصيات الروايات على غرار بنتاغرويال وبانورج ودون كيشوت وفالمون وماركيزة ميرتوي في رواية «العلاقات الخطرة» وتوم جونز، وهو من أشهر شخصيات الروائي هنري فيلدنغ، جميعها لم تترك أي شخصية أخرى تخلفها. وتأكيداً على ذلك، فإن غالبية أبطال ستندال لا أطفال لهم (أو لم يلتقوا أبداً بأطفالهم) والأمر مماثل لدى أبطال روايات بلزاك ودوستويفسكي. ويضاف إلى هذه السلسلة أبطال رواية مارسيل بروست في «البحث عن الزمن الضائع» وأبطال موزيل، أولريش وأغاثا ووالتر وزوجته كلاريس وديوتيم وشفيك. وينضم إلى هذه السلسلة أيضاً أبطال فرانز كافكا، ما عدا شخصية كارل روسمان الذي جعل خادمتهة حبلى فعمد إلى الهروب إلى أميركا في محاولة لمحو أثر الطفل من حياته، فتولد حينئذ الرواية. ولم يظهر هذا العقــــم عن سابق تصور وتصميـــم لدى الروائيين، إنما ظهر من التفكير في فن كتابة الرواية (أو العقل الباطن لفن الرواية) الذي ينفر من فكرة الولادة.
ولدت الرواية مع الحداثة التي جعلت من الفرد «أساس كل شيء»، وفقاً لوصف هيدغر. فبفضل فن الرواية أصبح في إمكان الإنسان أن يعيش في أوروبا بصفته فرد مجتمع. وفي حياتنا الواقعية، لا نعرف تفاصيل الحياة والدينا قبل ولادتنا. نحن لا نعرف أقرباءنا سوى من خلال معلومات متناثرة، ونشهد قدومهم ورحيلهم، وما إن يذهبوا حتى يأتي الغير ليحل مكانهم، إنهم سلسلة كائنات قابلة للاستبدال. وحدها الرواية تستثني الفرد فتميزه وتبرز جوانب حياته كاملة وأفكاره ومشاعره فلا تجعلها قابلة للاستبدال: هو محور كل شيء.
حين يموت دون كيشوت تختتم فصول الرواية، وختامها نهائي لأن ليس لدون كيشوت ولد يخلفه، ولو حدث وإن كان لدون كيشوت ولد، لتمت إطالة حياته وتقليدها أو إثارة الجدل في شأنها، أو تم الدفاع عنها أو مهاجمته. فموت الأب يترك الباب مشرعاً على الاحتمالات. ولقد اعتدنا سماع هذه الجملة منذ طفولتنا: أولادك استمرار حياتك، أولادك خلود حياتك. وإذا استمرت قصة الفرد إلى ما بعد حياته فذلك يعني أن حياته ليست كيان مستقلاً ب ذاته، بل إنها كيان غير مكتمل ولا مغزى له بذاته. وذلك يعني أيضاً أن جوهر الفرد أو ما رضي أن يكون جوهره ونسيانه فيه من مادية الحياة على الأرض وواقعيتها المتمثلة بالعائلة والذرية والقبيلة والأمة. وما سبق أن ورد يشير إلى أن الفرد، وهو «أساس كل شيء»، ليس هو سوى وهم ورهان زائل وحلم رسمته قرون الفكر الأوروبية.
وفي رواية «مئة عام من العزلة»، يبدو للقارئ أن فن الرواية منبعه الحلم، ولم يعد محور الاهتمام الفرد، إنما قافلة أفراد، كل واحد منهم فريد بذاته، إلا أنهم يمرون ويمضون كشعاع الشمس الهارب الذي يداعب ماء النهر. كل منهم يمضي مدركاً وحاملاً مستقبله المحكوم بالنسيان، فلا أحد منهم يبقى على مسرح الرواية من البداية حتى النهاية. العجوز أورسولا، على سبيل المثل، الأم الكبرى في عائلة بوينديا ماتت عن عمر مئة وعشرين سنة واستمرت الرواية بعد مماتها. ويتجسد الاستمرار أيضاً من خلال أسماء الشخصيات المتشابهة، أركاديو خوسيه بوينديا وخوسيه أركاديو، وخوسيه أركاديو الثاني وأوريليانو بوينديا وأوريليانو الثاني، والهدف من ذلك طمس معالم الشخصيات التي تميز الواحدة منها عن الأخرى، فيضيع بينها القارئ. ويبدو أن هذه الشخصيات لم تعد تنتمي إلى زمن الفردانية، فإلى أي زمن تنتمي؟ أتراها تنتمي إلى زمن يعود بها إلى زمن الهنود في قارة أميركا؟ أو ربما إلى المستقبل الآتي حيث الإنسان الفرد يذوب بفرديته في بحر البشرية؟ إنما يبدو لي أن هذه الرواية، التي تعتبر قمة الفن الروائي، هي في وداع كبير لحقبة الرواية.
محمد الأصفر
ليبيا
________________