المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الأدب قديما وحديثا


أحمد مجدي
11-12-2004, 01:20 AM
بسم الله الرحمن الرحيم













مثل أي شيء في الدنيا ، مثل الأزياء والسيارات والأفلام والحياة ذات نفسها ، مثل كل أولئك اختلف الأدب في عصورنا الحديثة عن الماضي ، عن عصر الأبيض والأسود ، اختلاف في الشكل والمحتوى ، قد تضحك مثلا وأنت ترى في رواية (حداثية) وثيقة صورها الأديب ووضعها كما هي كجزء من الرواية ، ، لكنك لن تقدر أن تمنع نفسك من الانبهار بهذا الأسلوب الجديد في الكتابة.

نتناول هنا بشكل مبسط بعض مظاهر الاختلاف بين الأدب قديما وحديثا.







الرواية :



معروف أن أول رواية عربية هي (زينب) (1914) لمحمد حسين هيكل (1888-1956) ، وهي كما يقول نقاد عصرنا الحالي رواية (غير محترفة) ، لأن أول من كتب رواية بحرفية عالية من الكتاب العرب هو عمنا وأستاذنا نجيب محفوظ ، الرواية قديما كانت عبارة عن مجموعة من المواعظ الدينية والخلقية كتبت بأسلوب إنشائي ، تعتمد على تقنيات سردية مازالت موجودة ومتماسكة إلى عصرنا هذا مثل (الفلاش باك) أو (تعدد الرواة).. وغيرها من الأساليب القديمة التي مازالت تتمتع بثقل ولها وزن إلى الآن .





ولنا مثل في ذلك روايات أ.نجيب محفوظ بأسلوبها البسيط الشيق ، وغيره من كبار الأدباء كيوسف السباعي ويوسف إدريس ملك القصة القصيرة.



لكن دوام الحال من المحال ، والتطور والتغير أمران حتميان ، لذا أصبحت الرواية الحديثة البعيدة عن زمان (الأبيض والأسود) تختلف كثيرا عن روايات الماضي ، صحيح أن الأسلوب الكلاسيكي هو السائد إلى الآن ، لكن ثمة أساليب وتقنيات أخرى تزاحم الأسلوب الكلاسيكي.

مثلا خذ عندك أديبنا الكبير جدا (صنع الله إبراهيم) ذو الأسلوب الغريب ، فهو رجل لا يهتم بالجمال الأدبي في كتاباته ، ويكتب بطريقة يسميها النقاد (تلغرافية) ، أي جملة مختصرة مختزلة خالية من الفنيات لكنها توصلك للهدف ، المهم هنا أن صنع الله إبراهيم يضع في رواياته وثائق وإحصائيات كجزء من الرواية !! ورغم أني لم أقرأ له كثيرا ، إلا أنني تعجبت لما قرأت روايته (شرف) ، التي ضمنها مسرحية كتبها أحد شخصيات الرواية ! يعني مسرحية داخل الرواية !! وكذلك بها كمية من الإحصائيات والمعلومات التي لا يمكن أن تقرأها إلا في مقال لرجل يعمل في وزارة الإسكان أو البنك المركزي ! لكن الأهم من هذا كله أن صنع الله هو أبرز أديب مصري معاصر ، وقد حاز جائزة الرواية العربية ، لكنه رفض تسلم الجائزة في مبادرة شجاعة منه.

هكذا غيرت الحداثة شكل الرواية وجعلتها خليط بين أكثر من فن نثري كالمقال والمسرحية.

يقول (ميلان كونديرا) الأديب التشيكي المشهور ، يقول على لسان الراوي في روايته الخلود (على كل من يتوافر لديه القدر الكافي من الجنون لكي يستمر اليوم في كتابة الروايات ، أن يكتبها بطريقة تجعل اقتباسها متعذرا، حماية لها ، بعبارة أخرى : طريقة تجعلها غير قابلة لأن تروى ).

هذا رأي واحد من أشهر الروائيين في العالم ، اكتب رواية لا تتمتع بالبنية الثابتة للرواية ، بحيث لا تضع يدك فيها على أحداث متعاقبة ومرتبة ترتيب زمني يساعدك على حكيها.

أحدث ما رأيته من تجديد في فن الرواية هي رواية لأديب شاب اسمه أحمد العايدي ، كتب رواية اسمها (أن تكون عباس العبد) ، يكفي أن تعرف أن غلاف الرواية من الخارج عليه صور لتليفونات محمولة (موبايلات) لتعرف محتواها ، الأديب في هذه الرواية تمتع بقدر وافر من الجرأة ليضع رسائل المحمول المتداولة بين الشباب ، وضعها في الرواية كجزء منها ! والجدير بالذكر أن الرواية حازت رضا الكثير جدا من النقاد ووصفوها بالنجاح والتميز.

كنت أجري حوارا مع الأديب علاء الأسواني، عن عدم رواج القراءة في مصر ، علل ذلك قائلا : (ساد في العقدين الماضيين في الأدب اتجاه يسمى الاتجاه العدمي ،وهذا الاتجاه يتعالى على القارئ ويجعل من الأدب مجموعة من الأحاجي والألغاز والتجارب اللغوية) هكذا لخص لنا الأديب علاء الأسواني الشكل أو المنحى الجديد الذي تسلكه الروايات الحديثة.









الشعر:



الشعر : كلام موزون ومقفى .





لا ، دا كان زمان .

كان الشعر القديم حتى بداية القرن هو الشعر العمودي الذي كتبه العرب منذ أيام الجاهليين ، منذ قبل بعثة الرسول عليه السلام بما لا يقل عن 150 سنة. لكن في الأربعينيات والخمسينيات من هذا القرن ، ظهر على خريطة الوطن العربي الأدبية ما يسمى بشعر التفعيلة ، على يد رائديه العراقيين نازك الملائكة ، وبدر شاكر السياب ، ورغم أن هذا اللون الشعري طغى على الشعر العمودي إلا أن شعراء هذا النوع المميزون قلة مثل : صلاح عبد الصبور - أحمد عبد المعطي حجازي – أمل دنقل – نجيب سرور - محمد عفيفي مطر – فاروق جويدة (مصر) ، محمود درويش – فدوى طوقان (فلسطين) ، نزار قباني - محمد الماغوط - أدونيس (سوريا)، عبد الوهاب البياتي – أحمد مطر (العراق) خليل حاوي (لبنان) ، قاسم حداد (البحرين) ، أحلام مستغانمي (الجزائر) ..

ورواد هذه الحركة انطلقوا من صميم العروض الخليلي (نسبة للخليل بن احمد) ، الفرق الوحيد بين هذا الشعر والشعر العمودي ان التفعيلة هنا هي الوحدة الموسيقية ، بينما في الشعر العمودي البيت هو الوحدة الموسيقية. وبالتالي اختفى البيت الشعري وظهر السطر الشعري.

ورغم أن هذا الشعر يعد حديثا ، وظهوره بالكاد مر عليه نصف قرن من أصل أكثر من 15 قرن هي على أقل تقدير عمر الشعر العربي، إلا أنه أصبح قديما نوعا ما ، وظهر بعده موجات أخرى للتجديد مثل ما يطلق عليه اليوم (قصيدة النثر).

وقبل أن نتحدث عن قصيدة النثر سأشير إلى نقطة مهمة هي أن شعر التفعيلة ذاته رغم كونه (حديث) نسبيا إلى أنه شهد موجات من التجديد ، يعني ، سواء في مضمونه أو شكله ، فمن حيث الشكل مثلا نجد أن بعض الشعراء - أمل دنقل مثلا - كان في سبيل كسر رتابة السردية عن كاهل القارئ يعمد إلى اللعب على فراغات الصفحة ، وهذا ما يقوله بول شاوول في مقالته في صحيفة أخبار الأدب التي كتبها في ذكرى دنقل العشرينية، وغيرها من التقنيات كاستخدام (الجوقات) مثلا.

أما من حيث المضمون ، فنذكر مثلا ديوان (عرفوه بالحزن) الذي صدر منذ شهور للشاعر عمر طاهر ، والذي يستخدم مصطلحات جديدة لم يسبقه إليها أحد (نوكيا – مونتاج – سينما) !!

وهذا مثال.

ندخل الآن إلى آخر صرعات الشعر ، لون عجيب لا أدري ما إذا كان لزاما علي أن أصنفه تحت بند "شعر" ؟ أم أن أضعه في خانة الفنون النثرية كالرواية والقصة.. ، فالاسم لوحده يشتت ذهنك فـ (قصيدة النثر) هي آخر موجات التجديد ، وهي فن جديد وغريب ، تنتمي لكل من القصيدة في شاعريتها وبعض أوجه البديع مثل حسن التقسيم مثلا والطول المتساوي لبعض الجمل (لاحظ معي كيف تتضمن القصيدة جملا بدلا من الأبيات !!!) ، باختصار شديد يرى بعض النقاد أن شعر التفعيلة بتنازله عن الوزن التقليدي الذي كان يمنح الشعر العمودي سابقا – نوع من الموسيقية أدى إلى خفوت الإيقاع في قصائد شعر التفعيلة ، وبالتالي كان المنطقي أن تكون الخطوة التالية هي قصيدة هجين تحمل من الشعر جينات مثل الموسيقية بقايا إيقاع وجمل شعرية عالية ، وتحمل من النثر عدم التقيد بوزن ، أما فيما يخص القافية ، فنقول – وهذا رأيي- أنها مسألة (ذوق) ، يعني بما أن ما يكتب هذا هو شعر ، فوجود القافية مهم ، وبما أنه نثر ، فالإكثار من القافية تكلف واصطناع !!! والشاعر-الناثر المجيد هو من يشعرك بانسيابية في أثناء قراءتك لنصه.

يقول نزار قباني أن قصيدة النثر قصيدة انتحرت بالقاء نفسها من الطابق العاشر

من المفارقات الغريبة التي واجهتني أثناء بحثي في قضية قصيدة النثر ، ما قرأته بقلم رجاء النقاش عن أديبنا الكبير (الرافعي - 1827) حيث أن الرافعي كان كاتب ذو شأن يقرأ له كل المهتمون بالأدب ، لكن مع مدخل الستينيات والسبعينيات والثمانينيات بدأ الاهتمام بكتابات الرافعي يخبو شيئا فشيئا حتى أصبح شبه منسيا في الأدب العربي وهنا تقول تقديمة رجاء النقاش ( لكن السنوات الأخيرة شهدت بداية جديدة للاهتمام بأدب الرافعي ، والغريب أن هذا الاهتمام لم يبدأ في صفوف الأدباء التقليدين الذين طالما قيل أن الرافعي ينتسب إليهم ، بل بدأ في صفوف الأدباء المجددين الذين ينادون بأحدث صيحة في الحياة الأدبية وهي الصيحة الجديدة التي جعلوا عنوانها "قصيدة النثر" ، ويرى أصحاب هذه الصيحة أن الرافعي كان رائدافي مجال ما يسمى باسم قصيدة النثر )





الخلاصة (أبيض وأسود)





ما عادت روايات و أشعار الحاضر كروايات وأشعار زمان ، هذا لا يعني أن الأدب يتجه للأسوأ ، بالعكس للاتجاه الحداثي مميزات كثيرة ، لكن هذا لا يعني أن الاتجاه الكلاسيكي قد باد ، والحرفية كل الحرفية أن تمزج بينهما ، فأن تجمع بين القدم والحداثة يجعلك تلقى رواجا بين أنصار النوعين.

لا يجب علينا التحجر والتجمد على الشكل التقليدي ، وكذلك لسنا مضطرين للانصياع وراء أي موجة عارضة أو أي تجديد، الأجدر أن يكون لك ذوقك الخاص ، فتسمع هذا وتسمع هذا وتنتقي لنفسك مايروقك ويتفق مع ذوقك..ربما المزج بين الأبيض والأسود والألوان ينتج لنا طرازا جديدا يناسبنا.



أحمد مجدي – مصر







6 – 3 - 2004 (نشرت بمجلة كلمتنا عدد شهر إبريل الماضي)









المراجع:







زمن الرواية – د.جابر عصفور.
العروض التعليمي – د.عبدالعزيز نبوي و د.سالم عباس خدادة.
شرف – صنع الله إبراهيم.
الخلود – ميلان كونديرا.
مقدمة كتاب (من وحي القلم) – المقدمة لرجاء النقاش والكتاب لمصطفى صادق الرافعي.
مقالة بول شاوول في صحيفة أخبار الأدب العدد 514 الصادر بتاريخ 18 – 5 – 2003 م

hathayan
11-14-2004, 11:21 AM
شكرا لك يا اخي احمد

مقال نقدي رائع وجميل

اعجبني ما كتبته عن الرواية

واحيلك إلى رواية (العصفورية) للوزير غازي القصيبي

فبها خروج عن المألوف الروائي

كل الشكر لك يا سيدي


طارق

منيفه البراهيم
11-14-2004, 01:02 PM
شكرا لك يا استاذ احمد مجدي

مقال نقدي رائع وجميل

الحقيقة الملتقى يحتاج إلى هذه النوعية من المقالات النقدية

واتمنى من المسئولين في الملتقى وضع قسم خاص للنقد والقصة

Mr_X
11-15-2004, 03:19 AM
مقال رائع .

أخذنا فيه الكاتب بين الأدب في الماضي القريب , والحاضر ..

رؤية أدبية تستحق التثبيت .!

غالية الشريف
11-15-2004, 07:18 PM
جزاك الله كل خير على هذا المقال

والله استفد كثيرا منه

بارك الله فيك

أحمد مجدي
11-16-2004, 09:12 PM
شكرا لكل من مر على المقال..

اتمنى حقا ان يكون قد افادكم

شكر