المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : فلسفة الشاب العربي


أحمد مجدي
11-09-2004, 03:37 PM
فن الحياة وعشرة حلول استراتيجية

فلسفة الشاب العربي



كنت كلما قرأت قصة (من فضلك وإحسانك) لرجل النوبل (نجيب محفوظ) في مجموعته القصصية (رأيت فيما يرى النائم) أجلس فور انتهائي منها أمصمص في شفتي وأسرح بمخيلتي…أتخيل ذلك الشاب الذي سدت أمامه الطرق وانتهى به المطاف ككاتب في النيابة !

انزل –بمخيلتي- إلى أي مقهى…أي شارع..أي مسجد…أي مكان…اجلس مع أي شاب مصري.. حديث التخرج أو حتى لازال يدرس في الثانوية أو في الجامعة.. اسأله : (كيف ستعيش ؟ ) (أي كلية ستختارها؟) (هل لديك رغبة في الزواج ؟) (كيف ؟) (من أين لك هذا ؟)..

600 سؤال وسؤال أغلبها لا جواب لها في مخيلة أي شاب مصري… لو حاولت أن تسبر غوره لوجدت أفكار غريبة…سترى عجبا ! شاب في سن 16-17 سنة وخطط لحياته على أساس السفر للعمل بالخارج..

يظن المرء منهم أنه بمجرد دخوله إلى كليته قد حلت جميع مشاكله…سيتخرج من الكلية ويعمل فورا في مجال دراسته…ويا سلام لو كانت الكلية نظرية !! لك مثال على ذلك…يعتقد طالب كلية الآداب قسم الفلسفة أنه سيتخرج ليعمل (فيلسوفا) كده خبط لزق…أو طالب التربية قسم التاريخ سيعمل فور تخرجه (مؤرخ)…أو حتى لو عمل كمدرس..يا حلاوة يا ولداه…إما أن يكون مدرس نزيه لا يمارس (حرفة) الدروس الخصوصية ويرضى بالـ200 جنيه أول كل شهر… يشتري بنصفهم سجائره التي تعينه على مواجهة الحياة..وبالنصف الآخر صحف يومية تربطه بالحياة…وهكذا ترى أن علاقته بالحياة ورقية… تتمثل في ورق الصحف…وورق (البفرة) الخاص بالسجائر !! وعجبي …إنسان يعيش على هامش الحياة…هذا في حالة امتناعه عن الخوض في معمعة الدروس الخصوصية… والمال الذي سيغرفه من جيوب الأهالي…

ويا سلام لو كان خريج طب… فبعد السبع سنين العجاف في الكلية…فور تخرجه…سيجد الجيش في انتظاره يهدر –على الأقل- سنة أخرى من عمره… ومن ثم عليه بتحضير دراسات عليا للحصول على الماجستير ، ولم ؟ فقط ليستطيع أن يضع (يافطة) أمام العيادة ويكتب فيها دكتور متخصص في كذا…وطبعا هذا سيكون على سن الثلاثين ليبدأ بعدها مشوار (بناء الذات) ليكون نفسه ويتزوج على سن 35-40 سنة…ولو كان تحمل تلك الفترة كلها بدون (انحراف) يبقى كثر خيره !! وأرجو أن تعذروه لو بدأ (يضرب) شهادات مرضية..ويعالج بأسعار خرافية…فالعمر قصير يا ولدي…وهو مهما كان يريد أن يتزوج ويكون نفسه..

ونفس السيناريو ينطبق على خريجي تجارة وحقوق و خدمة اجتماعية …و هلم جرا..

هنا يتفتق ذهن الشاب العربي عن حلول جانبية وطرق دائرية تختصر المسافة عليه ليضمن لنفسه الحياة الكريمة التي يتمناها لنفسه…

وهذه الحلول تتمثل في :



الهجرة…يسافر الشاب لبلد عربي ليعمل فيه بتخصصه…أو يسافر إلى بلد غربي أو أوروبي ويعمل بائع صحف أو جارسون بأضعاف ما يتقاضاه الطبيب في مصر !




اللجوء للطرق الملتوية… ولها أشكال مختلفة…تبدأ بالنصب والاحتيال والاختلاسات والجرائم والاتجار في الممنوعات ..مرورا بالدروس الخصوصية التي يمارسها حتى مدرسي الموسيقى والألعاب…انتهاء بأن يتصيد الشاب منهم امرأة عجوز دردبيس تكون (دفيانة) شوية وتحتكم لها على كم باكو وكم عقار على شوية مجوهرات وفدانيين أو ثلاثة ومن ثم ينصب شراكه حولها…وأنت عمري والحياة من غيرك متسواش… ويعيش عالة على قفاها…ولن نعدم طريقة أو أخرى تدر مالا من الهواء .




الواسطة…وعلى رأي المثل (يا بخت من كان الناظر خاله)… ولا يغيب عن أذهاننا قضية الدكاترة في كلية طب والخدمة التي قاموا بها لأولادهم لكي (يرثوا) مراكزهم كأساتذة في كلية الطب… وكل الأطباء ينصحون بتناول (فيتامين واو) لأنه (يقوي العظام ويرم البدن ويدفئ الجيب) !!




(الفحت) !! أي والله الكلمة صحيحة كما قرأتموها…أن يفحت المرء نفسه…الصبح يعمل كموظف في هيئة حكومية –بعقد مؤقت طبعا- و بعد الظهر في مكتب محاسبة…وليلا من الساعة 11-للواحدة صباحا يجلس على مقهى ويعلق يافطة يكتب عليها (شعبان السمسار…أراضي… شقق…عقارات…سيارات..) وينام 5 ساعات في اليوم فقط !! ليموت على سن الخمسين من فرط المجهود الذي بذله في حياته .




نظرية التروس…التي تكون فيها الأسرة كآلة ضخمة من التروس معقدة الحركة…فالرجل يعمل ليل نهار…وزوجته تعمل مدرسة في مدرسة معرفش إيه…وهي داخلة في جمعية مع أم علي الداية..وهو له معاش باقي له من والده المرحوم الذي كان موظفا بوزارة المعارف…وحبة من هنا وحبة من هنا وبالكاد (يرقعوا) ملاءة حياتهم…حتى أن أي ظرف طارئ لن يجدوا له مورد…وغالبا ما تنهار هذه الأسر…لأن القاعدة تقول (لو دخل الفقر من الباب ، هرب الحب من الشباك) !




الزواج من خواجاية ! والله طريقة رائعة…يعمل فلان في فندق سياحي في شرم الشيخ…ويتعرف على هيلجا الألمانية…وسحر الشرق لا يقاوم…تتجوزيني يا هيلجا أتجوزك يا اسمك إيه.. وطيران على ألمانيا يكون نفسه هناك… ويخلف منها… ويأخذ الجنسية…ويتشاجر مع هيلجا…يطلق هيلجا… لكنه خلاص…أصبح ألماني… حتى لو أصبح عاطل فالحكومة ستصرف له مرتب لمدة ثلاث سنوات حتى يجد عمل… بلاد اللقمة فيها سهلة.




البعض يلجأ للثورة والاعتراض على الأوضاع الراهنة..أو يتدروش…يرتاد المسجد ويربي لحية..وفي المسجد يتعرف على الشيخ الفلاني…الذي يعرفه على الشيخ الترتاني…وخطوة خطوة يجد نفسه متورط مع تنظيم مشبوه…ومتهم بأنه إرهابي أو ساع لقلب نظام الحكم…تماما كما حدث مع (طه الشاذلي) أحد أبطال رواية (عمارة يعقوبيان) للمبدع (د.علاء الأسواني) والذي فشل في الالتحاق بكلية الشرطة لظروف عمل والده حكارس عقار ، فاتجه للدين ثم التشدد فالتطرف و أخيرا الإرهاب ، و غيره الكثير من النماذج في السينما المصرية..




هذا طريق سهل محتاج للقليل من الكفاح في البداية…ثم ربنا يكرمك فيه وتصبح نجم …ألا وهو طريق النجومية…مطرب ذو حنجرة ذهبية مثل مطربين اليومين دول…أو ممثل كومبارس واحدة في واحدة تاخد دور بطولة صغير وبعدين تفتح شركة انتاج أو تصبح مخرج… أو لاعب كرة موهوب…تلعب 5-6 سنين في الدوري المصري…ثم مثلهم في دوري عربي أو أوروبي وأخير مباراة اعتزال جميلة يحضرها عشرات الآلاف دخلها كله تضربه في جيبك…وفي النهاية أنت الرابح…ثم تتجه للتدريب أو العمل الإداري..أو العمل في تسويق اللاعبين وكلنا نتذكر فيلم (محاكمة علي بابا ) للأستاذ أحمد رجب عندما كان الابن الأوسط للفنان يحيى الفخراني (وكان اسمه –أي الولد - في الفيلم طارق) مصمما على أن يصبح لاعب كرة قدم للأسباب سالفة الذكر !




بعض –الأذكياء- أتخذوا من الوضعين المادي والاقتصادي المتدهورين لدى عامة الشعب مصدر للتكسب..مثل من ؟ مثل الإعلانات التي تشنف آذاننا قبل وأثناء وبعد المسلسل…اتصل بالرقم التالي واجب على السؤال تربح كم ألف جنيه نقدا..أو بشيكات… وطبعا يضعوا سؤالا ساذج سهل ليزيد عدد المتصلين مثل (المهاجم المصري المحترف في نادي أياكس الهولندي 1- أحمد شوبير 2- بيتر شمايكل 3-أحمد حسام (ميدو) ؟ والناس الغلابة يتصلوا…نفسهم يبقى معهم فلوس ياعيني…والشركة المعلنة تربح…والناس تكع…

أليس هذا استغلال للوضع ؟ ألا تذكرون شخصية (زيطة صانع العاهات) في تحفة أ.نجيب محفوظ (زقاق المدق) وكيف كان يشوه أجسام الفقراء ليستطيعوا التسول بشكل مقنع ، لكن في زماننا هذا فقد تعددت الألوان لهذه الحرفة وأصبحت بأشكال لا يتخيلها المرء .




أما هذا الحل فهو الأجمل…الأفضل ..الأسهل..و-النقطة المهمة- الأكثر أمانا..وهو القناعة..والقناعة –كما نعلم جميعا- كنز لا يفنى.. وعلى رأي زعيم الكوميديا (عادل إمام) في مسرحية (الزعيم) : (يجب أن نكون فقراء…الفقراء يدخلون الجنة)… خلاص…نصبر في الدنيا…وندخل الجنة في الآخرة…وهناك ماحدش هيقولك (شد الحزام)..وهناك المواصلات فاضية !!!



وإذا لم تجد نفسك عزيزي القارئ في أي حل من الحلول السابقة…فاعلم أن مصيرك هو واحد من ثلاثة..



مستشفى المجانين.




السجن.




الموت مبكرا



تحضرني الآن فقرة من رواية (ذاكرة الجسد) للكاتبة الجزائرية (أحلام مستغانمي) ، وذلك الحوار الذي دار بين أخوين أحدهما يعيش في باريس ويعمل رساما ، والآخر يعيش في الجزائر العاصمة ويعمل كمدرس لغة عربية :

قال الأخ المقيم بالجزائر : (نحن متعبون.. أهلكتنا هموم الحياة اليومية المعقدة التي تحتاج دائما إلى واسطة لحل تفاصيلها العادية ، فكيف تريد أن نفكر في أشياء أخرى ؟ عن أي حياة ثقافية تتحدث؟ليس هذا زمنا للعلم ، إنه زمن الشطارة ، نحن همنا الحياة لا غير.. وما عدا هذا ترف ، لقد تحولنا إلى أمة من النمل ، تبحث عن قوتها و جحر تختبئ فيه مع أولادها لا أكثر) ، فسأل الأخ المقيم في باريس بساذجة : ( والناس ماذا تفعل ؟) ، وكان الرد : (البعض ينتظر ، البعض يسرق ، والبعض الآخر ينتحر).

نبض القلوب
11-09-2004, 08:09 PM
العزيز احمد مجدي

اعتصر الألم مهجتي...
نعم ... وضعت الملح على الجرح.....
سامحك الله ,,,,, وبارك بك

hathayan
11-10-2004, 04:15 AM
والله صدقت يا احمد

مصيره أحد الثلاثة :( : الموت مبكراً - السجن - الجنون

ولا حول ولا قوة إلا بالله

وإليك قصة موتي :
http://www.hathayan.com/modules.php?name=News&file=article&sid=58

ولك حبي وتقديري


طارق

Mr_X
11-10-2004, 05:55 AM
يا صاحبي ,, في الوقت الراهن لم يعد للشاب العربي مكان يهاجر إليه كي يعمل فيه بتخصصه إلا في الدول الأوربية أو الغربية بشكل عام ..
ففيها سيجد من يحترم ما أتى بهِ من علم ومعرفة .. حتى ولو هاجر بدون شهادة يستند إليها
فإنه سيجد من يحترم ويقدر عمله , سواء كان بائع صحف أو جارسون .

ثم إن الموت المبكر أرحم من التيه والجري في هذه الدنيا دون فائدة , فكل حل قد يحتاج إلى عمرٍ طويل كي تنجح فيه كما أن هنالك أحتمال بأنك لن تنجح ,,
ثم إذا نجحت ما تلبث أن تفرح بنجاحك حتى يحتضنك القبر بظلمتهِ ..

أليس الموت المبكر أرحم ؟؟!


دمت بخير يا أحمد .

أحمد مجدي
11-10-2004, 08:37 PM
ها هو واحد آخر يلحق بقافلة اليأس

أعتقد أن ثمة مكان سنجد فيه مبتغانا
أعتقد أن الجنة فيها كل ما نشتهي
مرحى لنا...
هك>ا نحن العرب
دمتم

نجلاء العبداللطيف
11-11-2004, 07:54 PM
اوووووووووه احمد

كل حل اشد وجعً من الثاني

ناوي تعقدنا :evil2:

منيفه البراهيم
11-17-2004, 12:42 AM
شكرا لك يا استاذ أحمد

فقد وصفت العالم الذي نعيش به

يأس - ضياع - موت مبكر

:wavey: