أحمد مجدي
11-04-2004, 03:20 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
(1)
محتار أنا ولا أفهمني
تساؤلات عديدة تعصف بتفكيري عصفا..
تساؤلات من تلك النوعية التي يطلق عليها (كونية، فلسفية، سرمدية… )
أي الحياوات يناسبنا ويجلب لنا السعادة ؟
نجيب محفوظ يقول على لسان أحد أبطال ثلاثيته (كمال عبد الجواد) بأن الحياة ما هي إلا (كتاب وكأس وامرأة) ، وهذا اشباعا لأمزجته بمستوياتها… وباستثناء العامل الأول ، أرى في هذه المقولة دعوة للعربدة.. الغريب في الأمر أن البعض يرى فعلا في هذه الحياة البوهيمية اللامسئولة – ولقد تعبت في تقصي معنى كلمة بوهيمية ، وبعد بحث توصلت لاحتمال (أكرر مجرد احتمال) أن الكلمة تنسب لمدينة بوهيميا في جمهورية التشيك ، وتعني حياة غير مسئولة مهرجلة وهي حياة الأدباء والفنانين – يرى البعض في هذه الحياة تحقيقا للسعادة ! وهي فعلا لا تخلو من السعادة.. سعادة الحرية المطلقة ، النرجسية الصرفة والأنانية، ملذات (الخمر والمرأة والكيف الثقافي).. وجوانب أخرى..
والدعوة لمثل هذه الحياة ليست بالأمر الحديث، بل هي قديمة جدا.. من عهود (الخيام الحمراء) ومنذ قال أبونواس :
اخلع عذارك في الهوى واشرب معتقة الدنـــان
وصل القبيح مجاهـــرا فالعيش في وصل القيان
لا يلهينك غير مـــــا تـــهوى فـإن العـمر فان
هاهو أبو نواس يدعو لنفس الحياة : الخمر (اشرب معتقة الدنان) ، النساء (العيش في وصل القيان) أي الجواري ، وطبعا الكيف الثقافي متمثل في أبو نواس ذاته كشاعر فذ..
والحياة البوهيمية والحرية المطلقة (اخلع عذارك، صل القبيح مجاهرا، لا يلهينك غير ما تهوى)…
ولأني ظمآن للسعادة ؛ قلت أجرب !
وطبعا لن أحكي في أني فشلت في تقمص هذه الحياة ، مجرد التفكير في شرب الخمر وحرماني من خمر الجنة كان يلجمني، "بيضاء لذة للشاربين ، لا فيها غول ولاهم عنها ينزفون" ، وهناك خلاف على كونها كبيرة من الكبائر ، تلك التي اختلف فيها واصل بن عطاء مع الحسن البصري ونشأ مذهب المعتزلة.. هل أعد فاسقا فقط أم كافر ؟!؟
الخلاصة ألقمت نفسي حجرا وسكتت !
(2)
قلت : لعل الضد هو الصح ، إذا كانت حياة العربدة هذه استعصت علي ، قلأنتقل للطرف المقابل.. الدين.
اقتربت من الأخوة الملتحين في الكلية ، حافظت على صلاتي ، صرت لا أرفع وجهي من على الأرض حتى لا تقع عيناي على الفتيات.
شهر وانهرت…
وجدت نفسي أنفر من الأخوة الملتحين ، تقول أحلام مستغانمي في إحدى روايتيها ذاكرة الجسد أو فوضى الحواس لا أذكر أيهما تحديدا (الذي يبدو عليه فائض إيماني من الخارج، فهو خال من الإيمان).
وطبعا كلام الكاتبة الجزائرية ليس قاعدة أو مقياس ، لكن به صحة نسبية، فالذي يؤثر الدين على مظهره بشدة ، فقد فهم التدين بطريقة (أبلكاشية) أو سطحية..
لذا وجدت نفسي أتهاوى ، أتهاوى وفي ذات الوقت أقول لنفسي صدق رسول الله حين قال (لن يشاد الدين أحد إلا غلبه).. التغلب على مغريات الحياة لا يأتي بتجاهل سنن الحياة..
(3)
المهم..
عدت لوضعي السابق، تائه ..
أين أجد سعادتي؟
قلت لعله الحب ؟!
وكان هو الجواب الأقرب إلى الصحة : استقرار نفسي جميل ورهيب ، ولكن حتى يأخذ أي حب الوضع المثالي له (بالزواج) نرجئ الحكم عليه..
يعني سعادة مع إيقاف التنفيذ.
(4)
وأعود مجددا لصومعتي ، وأظل حائرا لا أفهمني..
اطرح تساؤلات تنتحر قبل أن تولد ، كل منها يجيء وبيده خنجر يغمده في صدره قبل أن أنطقه حتى !
المال ؟ لا، وماذا يفعل المال لضرير ؟
الصحة ؟ وماذا تفعل الصحة لإنسان مكتئب ؟
الجمال ؟ وماحيلة الجميل في غبائه مثلا أو عقمه أو فقره..
وهنا فقط توقفت عن البحث ! أذا كنت تبحث عن شيء لا تعرف كنهه ، شيء هلامي زئبقي.. فلم تتعب نفسك أصلا.. نوع من اليأس تسرب لنفسي..
(5)
تذكرت شخصية سامي العدل في فيلم (حرب الفراولة) ، فعل كل شيء ليعثر على السعادة ، ولم يتحقق له ذلك إلا بالزواج من يسرا (فراولة).
أعتقد أني بدأت أضع يدي على مفتاح اللغز..
وكومضة تجلت في رأسي أن السعادة هي :
( الاستقرار النفسي، أو مهادنة النفس ، التوصل لصيغة سلام مع النفس ، وكل ما سبق يمكن تلخيصه بكلمة واحدة (السعادة))
إذا كان أبو نواس وجد سعادته في حياته المنحلة ، والرفاق الملتحون وجدوا سعادتهم في الانصراف العميق للدين، وسامي العدل (في الفيلم) وجدها في (فراولة) ؛ إذن السعادة شيء بلا مفهوم معين، منظومة غريبة ترتبط بتركيبة كل إنسان على حدة !
أذكر أني قرأت أن بن لادن عندما ترك أفغانستان للمرة الأولى ورحل للسودان ليستصلح الأراضي الزراعية بصفة السودان (سلة الغذاء) ، لم يطق حياة السلم عاما ، وعاد فورا لأفغانستان ، رجل يجد سعادته في أن يعيش في خندق تحت وابل نيران العدو !
هذه سعادته.
لو أني أخذت من كل مذهب ما يناسبني ، لتوصلت لتوليفة ذهبية.
مثلا : آخذ أكبر قدر من الحرية + القراءة من الحياة البوهيمية = تفتح وثقافة
آخذ من المذهب الثاني الصلاة والمحافظة على علاقة مع الله = الوسطية الدينية
أرتبط بمن أحب من المذهب (3) = حياة سعيدة ومستقرة
آخذ من المال ما يفي بحاجاتي = الستر ، ومن الصحة الحفاظ عليها = الصحة ، وكذلك الراحة النفسية ومهادنة النفس.
لو قلت أن هناك رجلا متفتح ومثقف، معتددل دينيا ليس متطرف يمينا او يسارا، يحيا حياة زوجية سعيدة ومستقرة، دخله يناسب حاجاته، بصحة جيدة، تبدو عليه السعادة ولا يبدو مكتئبا ابدا..
أعتقد أن هذا هو الرجل الأسعد على سطح الأرض.
وأظن كذلك أني –والآن فقط- بدأت أفهمني.
(1)
محتار أنا ولا أفهمني
تساؤلات عديدة تعصف بتفكيري عصفا..
تساؤلات من تلك النوعية التي يطلق عليها (كونية، فلسفية، سرمدية… )
أي الحياوات يناسبنا ويجلب لنا السعادة ؟
نجيب محفوظ يقول على لسان أحد أبطال ثلاثيته (كمال عبد الجواد) بأن الحياة ما هي إلا (كتاب وكأس وامرأة) ، وهذا اشباعا لأمزجته بمستوياتها… وباستثناء العامل الأول ، أرى في هذه المقولة دعوة للعربدة.. الغريب في الأمر أن البعض يرى فعلا في هذه الحياة البوهيمية اللامسئولة – ولقد تعبت في تقصي معنى كلمة بوهيمية ، وبعد بحث توصلت لاحتمال (أكرر مجرد احتمال) أن الكلمة تنسب لمدينة بوهيميا في جمهورية التشيك ، وتعني حياة غير مسئولة مهرجلة وهي حياة الأدباء والفنانين – يرى البعض في هذه الحياة تحقيقا للسعادة ! وهي فعلا لا تخلو من السعادة.. سعادة الحرية المطلقة ، النرجسية الصرفة والأنانية، ملذات (الخمر والمرأة والكيف الثقافي).. وجوانب أخرى..
والدعوة لمثل هذه الحياة ليست بالأمر الحديث، بل هي قديمة جدا.. من عهود (الخيام الحمراء) ومنذ قال أبونواس :
اخلع عذارك في الهوى واشرب معتقة الدنـــان
وصل القبيح مجاهـــرا فالعيش في وصل القيان
لا يلهينك غير مـــــا تـــهوى فـإن العـمر فان
هاهو أبو نواس يدعو لنفس الحياة : الخمر (اشرب معتقة الدنان) ، النساء (العيش في وصل القيان) أي الجواري ، وطبعا الكيف الثقافي متمثل في أبو نواس ذاته كشاعر فذ..
والحياة البوهيمية والحرية المطلقة (اخلع عذارك، صل القبيح مجاهرا، لا يلهينك غير ما تهوى)…
ولأني ظمآن للسعادة ؛ قلت أجرب !
وطبعا لن أحكي في أني فشلت في تقمص هذه الحياة ، مجرد التفكير في شرب الخمر وحرماني من خمر الجنة كان يلجمني، "بيضاء لذة للشاربين ، لا فيها غول ولاهم عنها ينزفون" ، وهناك خلاف على كونها كبيرة من الكبائر ، تلك التي اختلف فيها واصل بن عطاء مع الحسن البصري ونشأ مذهب المعتزلة.. هل أعد فاسقا فقط أم كافر ؟!؟
الخلاصة ألقمت نفسي حجرا وسكتت !
(2)
قلت : لعل الضد هو الصح ، إذا كانت حياة العربدة هذه استعصت علي ، قلأنتقل للطرف المقابل.. الدين.
اقتربت من الأخوة الملتحين في الكلية ، حافظت على صلاتي ، صرت لا أرفع وجهي من على الأرض حتى لا تقع عيناي على الفتيات.
شهر وانهرت…
وجدت نفسي أنفر من الأخوة الملتحين ، تقول أحلام مستغانمي في إحدى روايتيها ذاكرة الجسد أو فوضى الحواس لا أذكر أيهما تحديدا (الذي يبدو عليه فائض إيماني من الخارج، فهو خال من الإيمان).
وطبعا كلام الكاتبة الجزائرية ليس قاعدة أو مقياس ، لكن به صحة نسبية، فالذي يؤثر الدين على مظهره بشدة ، فقد فهم التدين بطريقة (أبلكاشية) أو سطحية..
لذا وجدت نفسي أتهاوى ، أتهاوى وفي ذات الوقت أقول لنفسي صدق رسول الله حين قال (لن يشاد الدين أحد إلا غلبه).. التغلب على مغريات الحياة لا يأتي بتجاهل سنن الحياة..
(3)
المهم..
عدت لوضعي السابق، تائه ..
أين أجد سعادتي؟
قلت لعله الحب ؟!
وكان هو الجواب الأقرب إلى الصحة : استقرار نفسي جميل ورهيب ، ولكن حتى يأخذ أي حب الوضع المثالي له (بالزواج) نرجئ الحكم عليه..
يعني سعادة مع إيقاف التنفيذ.
(4)
وأعود مجددا لصومعتي ، وأظل حائرا لا أفهمني..
اطرح تساؤلات تنتحر قبل أن تولد ، كل منها يجيء وبيده خنجر يغمده في صدره قبل أن أنطقه حتى !
المال ؟ لا، وماذا يفعل المال لضرير ؟
الصحة ؟ وماذا تفعل الصحة لإنسان مكتئب ؟
الجمال ؟ وماحيلة الجميل في غبائه مثلا أو عقمه أو فقره..
وهنا فقط توقفت عن البحث ! أذا كنت تبحث عن شيء لا تعرف كنهه ، شيء هلامي زئبقي.. فلم تتعب نفسك أصلا.. نوع من اليأس تسرب لنفسي..
(5)
تذكرت شخصية سامي العدل في فيلم (حرب الفراولة) ، فعل كل شيء ليعثر على السعادة ، ولم يتحقق له ذلك إلا بالزواج من يسرا (فراولة).
أعتقد أني بدأت أضع يدي على مفتاح اللغز..
وكومضة تجلت في رأسي أن السعادة هي :
( الاستقرار النفسي، أو مهادنة النفس ، التوصل لصيغة سلام مع النفس ، وكل ما سبق يمكن تلخيصه بكلمة واحدة (السعادة))
إذا كان أبو نواس وجد سعادته في حياته المنحلة ، والرفاق الملتحون وجدوا سعادتهم في الانصراف العميق للدين، وسامي العدل (في الفيلم) وجدها في (فراولة) ؛ إذن السعادة شيء بلا مفهوم معين، منظومة غريبة ترتبط بتركيبة كل إنسان على حدة !
أذكر أني قرأت أن بن لادن عندما ترك أفغانستان للمرة الأولى ورحل للسودان ليستصلح الأراضي الزراعية بصفة السودان (سلة الغذاء) ، لم يطق حياة السلم عاما ، وعاد فورا لأفغانستان ، رجل يجد سعادته في أن يعيش في خندق تحت وابل نيران العدو !
هذه سعادته.
لو أني أخذت من كل مذهب ما يناسبني ، لتوصلت لتوليفة ذهبية.
مثلا : آخذ أكبر قدر من الحرية + القراءة من الحياة البوهيمية = تفتح وثقافة
آخذ من المذهب الثاني الصلاة والمحافظة على علاقة مع الله = الوسطية الدينية
أرتبط بمن أحب من المذهب (3) = حياة سعيدة ومستقرة
آخذ من المال ما يفي بحاجاتي = الستر ، ومن الصحة الحفاظ عليها = الصحة ، وكذلك الراحة النفسية ومهادنة النفس.
لو قلت أن هناك رجلا متفتح ومثقف، معتددل دينيا ليس متطرف يمينا او يسارا، يحيا حياة زوجية سعيدة ومستقرة، دخله يناسب حاجاته، بصحة جيدة، تبدو عليه السعادة ولا يبدو مكتئبا ابدا..
أعتقد أن هذا هو الرجل الأسعد على سطح الأرض.
وأظن كذلك أني –والآن فقط- بدأت أفهمني.