جارالله الحميد
12-03-2005, 07:41 AM
( المرأة لا تولد : إمرأة . بل تصبح : إمرأة )
سيمون دو بوفوار 1948م
( كتاب : الجنس الثاني )
النهوض من كرسيها كان يحرجها . لأن الرجال يقفون مستندين الى الكونتر الفاصل بينهم وبينها فيصل الى منتصفهم . وهي عندما تستدير أو تقوم باحضار
ملف أو تجلب دفتر الإيصالات . ينحسر ثوبها الذي تحت جاكيتها الطبي وهو قصير وعيونهم طويلة . وهي لا تريد إشارات من أحد إلى أنها ربما انحسر جاكيتها وبرزت مؤخرتها وكان ثوبها متجعلكا في منتصفها . اذا ضحت زميلتها
شتمتها وشتمت العمل وشتمت الناس واباها واخوتها والعالم وبكت بحرقة حتى
تقوم زميلتها بضمها وهدهدتها .
عند طعام الإفطار يتثاءب والدها ويقول لأمها :
ـ سمعت بالذين اغتصبوا الحريم في الشارع ؟
فتقول وهي تئن بطريقة مسرحية :
ـ سمعت . هذا زمان تحول الرجال فيه الى ذئاب !
يصرخ قائلا :
ــ بس قولي لي . الحريم لماذا يخرجن بالليل وحدهن ؟
ويقوم يشتم الحريم ويلتفت قائلا :
ــ فتنة ! رجال ورأوا حريما وليس حولهم أحد . . ف ..
صمت متمتما فقالت ( بدرية ) :
ـ ف وشو يبه ؟! كمل !
ــ ثارت الغرائز
قهقهت وهي تقول :
ـ يعني لديهم شيء لا يسيطر عليه العقل والتفكير ؟
صرخ :
ـ اسمعي . لا تفلسفين . المرأة تستطيع أن تحمي نفسها بدلا من حدوث جرائم كهذه
قالت :
ـ يا ابي كن يلبسن العباية والحجاب ولم يكن يرقصن !
نظر اليها طويلا حتى أنها أغمضت عينيها . كان لا شك ينقب في شكوكه . سيجد رمادي ! قالت . وسألت ( سلمى ) :
ــ تداومين يوم الجمعة ؟
ـ احسن من البيت !
زفرت وقالت:
ـ انا سأداوم . احسن من البيت ايضا .
كان هدف ( بدرية) أن تعمل بسلام وتعطي أباها راتبها لكيْ لا يستمرّ في عويله الطويل ان الذي لا يرزق بولد لايعرف قيمة فقدانه إلا حينما يكتهل . من يرعى البيت ؟ من يصرف على ؟ إذا قال ( من يصرف ) اقشعر بدنها . أيعنيها حقا ؟ أليس أباها ؟ لماذا يعتبر الصرف عليها قدرا مؤلما ؟! منذ ذلك اليوم صرخت بدرية في وجهه :
ــ لا تكلمني مرة أخرى .
ونسيته . تماما . ثلاث سنوات وهاتفها في يدها لا يكف . وثرثرة وعبارات منقولة
من مجلات ورسائل واللعنة . لم يقل مرة واحدة شيئا عن الزواج . ولم تقل هي لأنها تعتبر هذا إهانة لها . لكنه بليد . وهي ليست بحاجة الى عباقرة للزواج . لأن الزواج لديها والآن تماما هو فقط : ان تخرج من البيت الى بيت آخر !
كونه بليدا لا يعني أن مرتبه ليس ستة آلاف ريال ولا أن سيارته ليست فورد
فخمة ولا أن اباه لم يبن له شقة خاصة في منزل العائلة . البلادة عامة . كل المراجعين بلداء . انهم ينظرون الى عينيها ويتمتمون . زاد سحر سوادهما البحري عن حدّه كما تقول صديقتها . وهم لا يكفون عن النظر . وهي تتذمر . ولكنها تتساءل : لمَ لا يتكلمون ؟!
أعرف أنني جميلة دون أن يزدردوا عيوني ! ولكني لا أعرف إن كنت سأتزوج أم لا ، لأن أحدا لم يتزوج موظفة استقبال ! وهذا ما لا يدور في رؤوس ذوي العيون
الطويلة . انها قصة سخيفة . حاولت أن تنساها . ولكنها لم تعد قصة فحسب منذ أن كلمها مدير المستوصف أمس . إنه لعنة . يملك أشياء كثيرة . ويمتلىء كل اليوم نقودا وشحما . وفحولة . وتسمع قصصا متطايرة عنه . ولم يعد يمكنها أن لا تقول إنه يريدها . ترجلت من الباص . كان مزاجها أسود . وفمها مرا . والدنيا تدور في رأسها مثل شريط مسرع بالأبيض والأسود . ولم تتحدث مع أحد . انزوت بعيدا وتركت زميلاتها يعملن . وهي تشعر بالغربة . بأقصى أشكال الغربة . ترى هذه اللحظة مشاهد تشبه الهلوسات .
ـ بدرية
فزعت ملتفتة ، كانت سلمى تمد لها السماعة .
ـ كلمي
ـ من ؟
ـ ابو بندر !
قامت وبدنها يتراكض فوقه الجنون .
أعطت السماعة لسلمى . وسارت في البقعة الضيقة روحة وجيئة . إنه لشد ما هو سافل يقولها في وجهك ! كان يمكنه أن يبدأ غزلا لكي تستطيعي ترتيب الخروج من المكان بحيث يمكنك ان تبصقي عليه قبل أن تعودي نهائيا للبيت . ويكون والدك قد
علم بالأمر وإلا لمات لشدة سطحيته وانفعاله اللامعنى له . وتكوني آمنة . لأن هؤلاء يظلون خلف التي ترفض عروضهم الباهرة . باعتبارها في هذه اللحظة امرأة شريفة ! فهو شريف رغم عدد اللاتي عملن معه وسافرن دون النظر الى العقود . والرائحة تفوح . وتستمر حالة الشرف . حتى أنهم يخطبون ودّ الرافضات للزواج . وعندما ترفض يقول والدها :
ـ إنه يشبه كل الرجال !
كيف ؟ ترفع عينيها لعينيه تتساءلان بكل البحار التي تغرق كل شي ء
ـ لن أعرف عنه شيئا سيئا لأنك تريدين هذا . ولكنه ثري وهذا شرط مهم والآخرون أجهلهم بالقدر نفسه . ولكني أعرف أنهم فقراء فأرفضهم .
ـ والشرف ؟
ـ ماذا تقصدين ؟
قامت مهرولة واقفلت غرفتها على نفسها ونامت . كان يوما محتشدا جعلها تنام بشكل درامي فقد عاشت حياة موازية اختارتها بعناية . اختارت الرجل واللباس
والأمكنة . اختارت العبارات التي ستقولها له وماتت مرات عدة . وفي اليوم الذي
جاء ابوها يحاول ابتزازها :
ـ من لا يدفع ايجارا ولا فواتير لايهمه المال !
ثارت كعاصفة . ذكرته أنها تدفع الى ثلاجته باللحم والى دفايته بالكيروسين وتعالج على حسابها عيون أختها . وأنه اشترى سيارة بضمانها . وإنها لن تتزوج ولو نفاها الى قرية . ولن تعمل مع أناس غير شرفاء .
خرج محدودبا . لم يقل سوى :
ـ الشرف ؟ مانعرفه أن هذا يخص المرأة . فيه شريفة وفيه بغيّ . اما الرجل ..
قالت :
ـ نعم . انه يعاشر غير زوجته ، ويذل المرأة التي يعاشرها لأنها تحت رحمته فهل هو شريف ؟
اول يوم بطالة هاتفت زميلتها سلمى . قالت الأخيرة :
ـ رأيت اباك عنده اليوم !
عندما أيقنت بدرية أنها تسمع وترى جيدا وأنها إنسانة مثل أبيها . خرجت الى الشارع وذهبت الى بيت قريبتها التي يتفادون الحديث عنها . وهي لا تريد أن تعمل معها . تريد أن ترى كيف تجري الحياة .يتواعد مغرمون في بيتها . وتسهل لهم 1ذلك بأجرها . ارادت أن تعود ولكنها تذكرت زيارة أبيها للذئب ، التي قرأت فيها
شيئا موحشا . قالت وهي تمعن في طريقها ( أفعلها بيدي . لا بيد أبي ) !
عام
1999م
سيمون دو بوفوار 1948م
( كتاب : الجنس الثاني )
النهوض من كرسيها كان يحرجها . لأن الرجال يقفون مستندين الى الكونتر الفاصل بينهم وبينها فيصل الى منتصفهم . وهي عندما تستدير أو تقوم باحضار
ملف أو تجلب دفتر الإيصالات . ينحسر ثوبها الذي تحت جاكيتها الطبي وهو قصير وعيونهم طويلة . وهي لا تريد إشارات من أحد إلى أنها ربما انحسر جاكيتها وبرزت مؤخرتها وكان ثوبها متجعلكا في منتصفها . اذا ضحت زميلتها
شتمتها وشتمت العمل وشتمت الناس واباها واخوتها والعالم وبكت بحرقة حتى
تقوم زميلتها بضمها وهدهدتها .
عند طعام الإفطار يتثاءب والدها ويقول لأمها :
ـ سمعت بالذين اغتصبوا الحريم في الشارع ؟
فتقول وهي تئن بطريقة مسرحية :
ـ سمعت . هذا زمان تحول الرجال فيه الى ذئاب !
يصرخ قائلا :
ــ بس قولي لي . الحريم لماذا يخرجن بالليل وحدهن ؟
ويقوم يشتم الحريم ويلتفت قائلا :
ــ فتنة ! رجال ورأوا حريما وليس حولهم أحد . . ف ..
صمت متمتما فقالت ( بدرية ) :
ـ ف وشو يبه ؟! كمل !
ــ ثارت الغرائز
قهقهت وهي تقول :
ـ يعني لديهم شيء لا يسيطر عليه العقل والتفكير ؟
صرخ :
ـ اسمعي . لا تفلسفين . المرأة تستطيع أن تحمي نفسها بدلا من حدوث جرائم كهذه
قالت :
ـ يا ابي كن يلبسن العباية والحجاب ولم يكن يرقصن !
نظر اليها طويلا حتى أنها أغمضت عينيها . كان لا شك ينقب في شكوكه . سيجد رمادي ! قالت . وسألت ( سلمى ) :
ــ تداومين يوم الجمعة ؟
ـ احسن من البيت !
زفرت وقالت:
ـ انا سأداوم . احسن من البيت ايضا .
كان هدف ( بدرية) أن تعمل بسلام وتعطي أباها راتبها لكيْ لا يستمرّ في عويله الطويل ان الذي لا يرزق بولد لايعرف قيمة فقدانه إلا حينما يكتهل . من يرعى البيت ؟ من يصرف على ؟ إذا قال ( من يصرف ) اقشعر بدنها . أيعنيها حقا ؟ أليس أباها ؟ لماذا يعتبر الصرف عليها قدرا مؤلما ؟! منذ ذلك اليوم صرخت بدرية في وجهه :
ــ لا تكلمني مرة أخرى .
ونسيته . تماما . ثلاث سنوات وهاتفها في يدها لا يكف . وثرثرة وعبارات منقولة
من مجلات ورسائل واللعنة . لم يقل مرة واحدة شيئا عن الزواج . ولم تقل هي لأنها تعتبر هذا إهانة لها . لكنه بليد . وهي ليست بحاجة الى عباقرة للزواج . لأن الزواج لديها والآن تماما هو فقط : ان تخرج من البيت الى بيت آخر !
كونه بليدا لا يعني أن مرتبه ليس ستة آلاف ريال ولا أن سيارته ليست فورد
فخمة ولا أن اباه لم يبن له شقة خاصة في منزل العائلة . البلادة عامة . كل المراجعين بلداء . انهم ينظرون الى عينيها ويتمتمون . زاد سحر سوادهما البحري عن حدّه كما تقول صديقتها . وهم لا يكفون عن النظر . وهي تتذمر . ولكنها تتساءل : لمَ لا يتكلمون ؟!
أعرف أنني جميلة دون أن يزدردوا عيوني ! ولكني لا أعرف إن كنت سأتزوج أم لا ، لأن أحدا لم يتزوج موظفة استقبال ! وهذا ما لا يدور في رؤوس ذوي العيون
الطويلة . انها قصة سخيفة . حاولت أن تنساها . ولكنها لم تعد قصة فحسب منذ أن كلمها مدير المستوصف أمس . إنه لعنة . يملك أشياء كثيرة . ويمتلىء كل اليوم نقودا وشحما . وفحولة . وتسمع قصصا متطايرة عنه . ولم يعد يمكنها أن لا تقول إنه يريدها . ترجلت من الباص . كان مزاجها أسود . وفمها مرا . والدنيا تدور في رأسها مثل شريط مسرع بالأبيض والأسود . ولم تتحدث مع أحد . انزوت بعيدا وتركت زميلاتها يعملن . وهي تشعر بالغربة . بأقصى أشكال الغربة . ترى هذه اللحظة مشاهد تشبه الهلوسات .
ـ بدرية
فزعت ملتفتة ، كانت سلمى تمد لها السماعة .
ـ كلمي
ـ من ؟
ـ ابو بندر !
قامت وبدنها يتراكض فوقه الجنون .
أعطت السماعة لسلمى . وسارت في البقعة الضيقة روحة وجيئة . إنه لشد ما هو سافل يقولها في وجهك ! كان يمكنه أن يبدأ غزلا لكي تستطيعي ترتيب الخروج من المكان بحيث يمكنك ان تبصقي عليه قبل أن تعودي نهائيا للبيت . ويكون والدك قد
علم بالأمر وإلا لمات لشدة سطحيته وانفعاله اللامعنى له . وتكوني آمنة . لأن هؤلاء يظلون خلف التي ترفض عروضهم الباهرة . باعتبارها في هذه اللحظة امرأة شريفة ! فهو شريف رغم عدد اللاتي عملن معه وسافرن دون النظر الى العقود . والرائحة تفوح . وتستمر حالة الشرف . حتى أنهم يخطبون ودّ الرافضات للزواج . وعندما ترفض يقول والدها :
ـ إنه يشبه كل الرجال !
كيف ؟ ترفع عينيها لعينيه تتساءلان بكل البحار التي تغرق كل شي ء
ـ لن أعرف عنه شيئا سيئا لأنك تريدين هذا . ولكنه ثري وهذا شرط مهم والآخرون أجهلهم بالقدر نفسه . ولكني أعرف أنهم فقراء فأرفضهم .
ـ والشرف ؟
ـ ماذا تقصدين ؟
قامت مهرولة واقفلت غرفتها على نفسها ونامت . كان يوما محتشدا جعلها تنام بشكل درامي فقد عاشت حياة موازية اختارتها بعناية . اختارت الرجل واللباس
والأمكنة . اختارت العبارات التي ستقولها له وماتت مرات عدة . وفي اليوم الذي
جاء ابوها يحاول ابتزازها :
ـ من لا يدفع ايجارا ولا فواتير لايهمه المال !
ثارت كعاصفة . ذكرته أنها تدفع الى ثلاجته باللحم والى دفايته بالكيروسين وتعالج على حسابها عيون أختها . وأنه اشترى سيارة بضمانها . وإنها لن تتزوج ولو نفاها الى قرية . ولن تعمل مع أناس غير شرفاء .
خرج محدودبا . لم يقل سوى :
ـ الشرف ؟ مانعرفه أن هذا يخص المرأة . فيه شريفة وفيه بغيّ . اما الرجل ..
قالت :
ـ نعم . انه يعاشر غير زوجته ، ويذل المرأة التي يعاشرها لأنها تحت رحمته فهل هو شريف ؟
اول يوم بطالة هاتفت زميلتها سلمى . قالت الأخيرة :
ـ رأيت اباك عنده اليوم !
عندما أيقنت بدرية أنها تسمع وترى جيدا وأنها إنسانة مثل أبيها . خرجت الى الشارع وذهبت الى بيت قريبتها التي يتفادون الحديث عنها . وهي لا تريد أن تعمل معها . تريد أن ترى كيف تجري الحياة .يتواعد مغرمون في بيتها . وتسهل لهم 1ذلك بأجرها . ارادت أن تعود ولكنها تذكرت زيارة أبيها للذئب ، التي قرأت فيها
شيئا موحشا . قالت وهي تمعن في طريقها ( أفعلها بيدي . لا بيد أبي ) !
عام
1999م